ملخص
تعيد إدارة ترمب صياغة مساعداتها لأفريقيا عبر اتفاقات ثنائية مرتبطة بالمصالح الأميركية، خصوصاً المعادن النادرة والأمن، في مسعى مباشر إلى مواجهة نفوذ الصين، مع تحويل التمويل من التنمية الواسعة إلى دعم موجه يثير جدلاً حول الشفافية والأولويات الصحية في دول القارة.
تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعادة صياغة آلية تقديم مساعدات الولايات المتحدة لدول القارة الأفريقية، وذلك باستبدال برامج التنمية التقليدية باتفاقات ثنائية موجهة، تهدف إلى تعزيز المصالح الاستراتيجية لواشنطن، في إطار مسعى أوسع لمواجهة النفوذ الصيني.
بعد تجميد معظم الإنفاق على المساعدات الأميركية الخارجية لدى عودته إلى السلطة العام الماضي، باشرت إدارة ترمب الآن توقيع سلسلة من الاتفاقات الثنائية الجديدة مع عدد من الدول الأفريقية، وتهدف هذه إلى ربط الدعم المالي الأميركي بالتزامات محددة، تشمل تسهيل الوصول إلى معادن حيوية، وتبادل بيانات الصحة العامة، إضافة إلى توجيه الإنفاق في الموازنات الوطنية بما يتماشى مع الأولويات التي تضعها واشنطن.
وفي ظل التخفيضات الواسعة على تمويل المساعدات الخارجية التي قررها دونالد ترمب منذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض، لن تسعى واشنطن إلى الدخول في منافسة متماثلة مع بكين على قاعدة "دولار في مقابل دولار"، في مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل شبكات الطرقات السريعة، وفق ما قاله رئيس "مكتب الشؤون الأفريقية" في وزارة الخارجية الأميركية نيك تشيكر لموقع "سيمافور" Semafor الإخباري. وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستتجه بدلاً من ذلك، إلى تركيز جهودها على قطاعات أكثر تحديداً وأهمية من ناحية التأثير، بما في ذلك ضمان الوصول إلى حقوق التعدين وتعزيز سلاسل الإمداد وتكثيف أطر التعاون الأمني.
وأضاف تشيكر "إذا كان القطاع المعني يصنف ضمن الأولويات، أو يرتبط بمجال المعادن على سبيل المثال، ويتصل بتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، فإن ذلك يمثل ميداناً نحرص فعلياً على خوض المنافسة فيه بصورة نشطة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تأتي هذه الاتفاقات لتحل مكان عقود طويلة من المساعدات التي كانت تشرف عليها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID)، التي مولت على مدى أعوام برامج صحية وإنسانية واسعة النطاق في مختلف أنحاء القارة الأفريقية. غير أن هذه الوكالة جرى تفكيكها خلال العام الأول من عودة دونالد ترمب إلى السلطة، بعدما رأى المسؤولون أن نشاطها كان مشتتاً إلى حد كبير، وغير منسجم على نحو كافٍ مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وتظهر تفاصيل هذه الاتفاقات بوضوح مدى إدراج المصالح الأميركية بصورة مباشرة وصريحة في بنودها، كما حصل في الاتفاق المبرم مع كينيا، الذي اطلعت عليه "اندبندنت"، والذي ينص من جهة على "تعزيز النظام الصحي الكيني بما يمكنه من تحقيق مقدار أكبر من الاعتماد على الذات"، ومن جهة أخرى على "تعزيز المصالح الأميركية في الخارج"، بما في ذلك منح واشنطن الحق في الوصول إلى البيانات الصحية.
كذلك يعطي الاتفاق مع كينيا أولوية للاستعانة بمقدمي خدمات الرعاية الصحية التابعين لمؤسسات دينية. وعلى رغم الدور المهم الذي تضطلع به هذه الجهات داخل المنظومة الصحية في البلاد، يحذر المنتقدون من أنها قد لا توفر خدمات متخصصة، مثل رعاية المصابين بـ"فيروس نقص المناعة البشرية"، لأفراد "مجتمع الميم".
وبموجب الاتفاق الجديد مع نيجيريا - وهي إحدى الدول التي كانت أكثر استفادة في السابق من تمويل "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" - يركز الدعم الأميركي بصورة كبيرة على مقدمي خدمات الرعاية الصحية التابعين للكنائس المسيحية. ويقول ناشطون إن هذا التغيير يعكس أولويات سياسية واستراتيجية أكثر من كونه استجابة لحاجات الصحة العامة في البلاد. وقد تم حتى الآن توقيع اتفاقات مع 14 دولة، جميعها في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. لكن معظم تلك الاتفاقات لم تنشر تفاصيلها بالكامل، مما أثار مخاوف منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان في شأن الشفافية.
هذا التقليص في المساعدات الأميركية للدول الأفريقية يأتي في وقت يشهد فيه الإقراض الصيني للقارة تراجعاً حاداً، بحيث خفضت بكين تمويل مشاريع ضخمة في مجال البنى التحتية. ووفق بيانات صدرت حديثاً عن "جامعة بوسطن"، تراجع إجمال القروض الصينية الخارجية إلى نحو 2.1 مليار دولار عام 2024، أي ما يقارب نصف المستوى المسجل في العام السابق. ويشير هذا الاتجاه إلى تحول بكين نحو مشاريع أصغر حجماً وأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
جيريمي لوين المسؤول البارز في وزارة الخارجية الأميركية، كان قد أكد أخيراً أن إدارة الرئيس ترمب تستخدم مساعدات "محددة وعالية التأثير" لمواجهة النفوذ الصيني، وبناء شراكات مع "دول موالية للولايات المتحدة"، مع إعادة توجيه المساعدات نحو المناطق والقطاعات التي تعتبر حاسمة من الناحية الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، استضاف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأسبوع الماضي اجتماعاً في واشنطن حول المعادن النادرة، بحضور مسؤولين من عدد من الدول الأفريقية. ومن المتوقع أن يشارك رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي في المحادثات، إلى جانب وزراء من غينيا وكينيا وزامبيا.
يشار أخيراً إلى أن البيت الأبيض يشدد على اهتمامه المستمر بأفريقيا، إلا أن رسالة بريد إلكتروني مسربة - نسبت إلى نيك تشيكر وأرسلت إلى دبلوماسيين أميركيين الشهر الماضي - وصفت القارة بأنها "ساحة هامشية أكثر منها أساسية، في ما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة".
هذه المقالة تنشر في إطار مشروع أطلقته "اندبندنت" بعنوان: "إعادة النظر في المساعدات العالمية" Rethinking Global Aid
© The Independent