Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبدالوهاب الأسواني رصد تحولات الجنوب المصري

مشروعه السردي ارتكز على ثنائية أسوان والإسكندرية وميراث الحضارة الفرعونية وامتداده في القبائل

مشهد من أسوان بريشة علي المريخي (صفحة الرسام- فيسبوك)

ملخص

ترسم روايات عبدالوهاب الأسواني الجنوب المصري بكل صراعاته القبلية وقيمه الصارمة، وترصد التحولات الاجتماعية والانهيار الأخلاقي الذي حل به في العهد الساداتي، وتبرز ميراث الحضارة الفرعونية وامتداده في القبائل التي تقطن جنوب مصر.

كرس عبدالوهاب الأسواني (1934–2019) مشروعه الروائي لرصد التحولات الاجتماعية في جنوب مصر، وتحديداً في منطقة "دراو" بمحافظة أسوان، مركزاً على القبائل العربية المقيمة في هذه المنطقة، ومصححاً التصور الشائع الذي يحصر هوية أسوان في الانتماء النوبي وحده. ينحاز الأسواني في أعماله إلى منظومة القيم التي تحكم هذا العالم الجنوبي، على رغم مما قد تبدو عليه من صرامة أو غرابة في نظر المتلقي الخارجي، يظهر هذا الانحياز منذ روايته الأولى "سلمى الأسوانية" (1970) وصولاً إلى روايته الأخيرة "إمبراطورية حمدان" (2018)، التي دون فيها جانباً من سيرة عائلته.

بين بيئتين مختلفتين

في "سلمى الأسوانية" التي ضمتها أعماله السردية الصادرة حديثاً (الهيئة المصرية للكتاب) يظهر بطل الرواية الذي عاش في الإسكندرية، وتعلم، وارتبط عاطفياً بالفتاة المثقفة "نادية"، وشرع في مفاتحة والدته في الزواج منها، غير أنه يفاجأ بضرورة زواجه من ابنة عمه "سلمى" درءاً للعار الذي يهدد العائلة. تحت ضغط الإلحاح القبلي يتم الزواج، لكن بعدما عقد البطل العزم على تطليقها لاحقاً والزواج من حبيبته، إلا أن موقفه يتبدل بعد الزواج، إذ يقع في حب ابنة عمه غير المتعلمة، ويقر بتفوقها الإنساني والجمالي في نظره على "نادية".

 

ويتكرر هذا النموذج الفكري، مع اختلاف السياق، في رواية "إمبراطورية حمدان"، يجبر "حمدان" ابنته الصغرى، التي نشأت في الإسكندرية وتشربت قيمها الثقافية والتعليمية في مجتمع مفتوح، على الزواج من أحد أبناء عمومتها. في دراو، تعيش الفتاة صدمة الانتقال من بيئة مدينية إلى أخرى ريفية مغايرة تماماً، ومع مرور الوقت، تقع في حب زوجها وتدخل في حال من الاكتئاب حين يطلقها.

في الروايتين يكتسب الزواج ملمحاً رمزياً، تعبيراً عن اختيار ثقافي وانتماء حضاري، فالعالم الجنوبي قاسٍ ومنغلق لمن يراه من الخارج، ينكشف عبر المعايشة والاندماج نسق قيمي متماسك، سرعان ما يفضله الداخل إليه على غيره من العوالم.

الولاء للقبيلة

تثمن روايات عبدالوهاب الأسواني قيمة الولاء للقبيلة وتعدها امتداداً مباشراً لمعنى الوطن، كما في رواية "وهبت العاصفة"، التي لا يميز بطلها بين الانتماء القبلي والانتماء الوطني، إذ يضعهما في مستوى دلالي واحد، متسائلاً: "ما هي الوطنية وما هو الوطن؟ وما الفرق بين الولاء للوطن والولاء للقبيلة؟ أليس الوطن يكلفنا أحياناً بمهمة وطنية تذهب ضحيتها أرواح بريئة؟".

 

وفي هذا السياق تصبح القبيلة منبعاً للقوة والجرأة، والتضحية من أجلها مدعاة للفخر، تمنح الفرد القدرة على مواجهة السلطة حين يشعر بتعديها على كرامته أو خصوصيته، ويتجسد ذلك في مشهد من الرواية ذاتها، حين تنفعل إحدى شخصياتها في مواجهة ضابط شرطة "لا تكلمني بهذه اللهجة، أنا رجل جعفري وكرامتي فوق الدنيا وما فيها".

يتكرر رصد صراعات القبائل في روايات "وهبت العاصفة" و"اللسان المر" و"سلمى الأسوانية" و"أخبار الدراويش". يقدمها السارد بصورة تشبه حروب الدول، تمتلك كل قبيلة تنظيمها الخاص، وجيشها، وخططها القتالية التي تضمن لها التفوق في المواجهة، ويفرح كثير منهم بحضور هذه المعارك كما يأتي في رواية "اللسان المر"، يشيع بينهم قدر من الترقب والبهجة، تكسر حال الرتابة اليومية وساحة لإثبات الشجاعة والفروسية، "قل لأمك تجهز لي مخلاة الرصاص وتنفض التراب عن البندقية. يتنادون في النجع ويبشرون بعضهم بيوم رائع، تفرقع فيه النبابيت، وتحطم الرؤوس، وتظهر شجاعة الشجعان، وتزول الرتابة المملة".

وتظهر الصورة ذاتها في رواية "وهبت العاصفة"، من خلال مشاهد "حرب العصي" التي تصورها بدقة، "كانت النبابيت التي ليس لها حصر تقرقع فوق نبابيتهم، فيردون بأحسن منها. انقسموا كعادتهم إلى فريقين، فريق يدافع وفريق يهاجم، صفهم مرسوم كأنهم عساكر الترك، كل اثنين بجوار بعضهما متعاونين".

قضايا الشرف

لا تغيب قضية الشرف عن هذه الرقعة الجغرافية، وتعد واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الأعمال الدرامية والروائية التي تناولت الصعيد. هي سمة مميزة لهذا العالم، لا يجوز فيها التهاون، وتشيع في أعمال الأسواني كما في رواية "سلمى الأسوانية"، عبر إجبار بطل الرواية على الزواج من ابنة عمه بعدما تزوجت بشاب يدعى عباس ينتمي إلى قبيلة البراطيم، ثم خرج في ليلة الدخلة معلناً أنه وجدها غير عذراء. تصاب الفتاة بالهلع وتهرب إلى بيت عمها طلباً للحماية، فيصدر القرار بزواجها من ابن عمها، لإبطال الفرية التي لحقت بها، وإنقاذ سمعة العائلة أمام أهل القرية. وتتكرس هذه الرؤية في رواية "وهبت العاصفة"، حيث يوجز السارد منطق الجماعة في التعامل مع مسألة العفة، "مجتمع يفخر بالعفة ويعتز بالأنساب، حتى الأصول الوافدة من جزيرة العرب، ويقرن العفة بالنسب، حتى إذا فقدها إنسان فكأنه فقد معها النسب".

 

وتدور رواية "اللسان المر" كذلك حول تيمة العفة والشرف. يضحي شيخ القبيلة "شمروخ" (المولع بسماع كلمات المديح) من أجل إنقاذ شرف فتاة، إذ يسجن دفاعاً عن سمعتها، إذ يراها قضية تستحق التضحية بالحياة ذاتها. أخطأت "بتول" مع حبيبها، غير أن الخلافات العائلية حالت دون إتمام زواجهما، فيتحمل "شمروخ" وحده عبء الفضيحة، كما يعبر السارد: "دخل شمروخ بيته آخر الليل مرتاح البال أخيراً، ستر الله بتول ذات الوجه المبارك، وستر قبيلة السوالم العظيمة، دون أن تعرف هي نفسها ما فعله من أجل سمعتها".

وتحضر التيمة ذاتها في قصة "نجع العجايب"، التي عرضت في صورة سهرة تلفزيونية عام 1988، من إخراج يوسف مرزوق، مؤكدة مركزية مفهوم الشرف في البناء السردي لعالم عبدالوهاب الأسواني، قيمة عليا تقدم على الفرد وحياته، وشرط لبقاء الجماعة واستمرارها.

امتداد حضاري

يحرص الأسواني في رواياته على إلحاق أبطال الجنوب بالحضارة المصرية القديمة، فهم امتداد تاريخي وإنساني للمصري القديم، ويظهر هذا التوجه من خلال الوصف الجسدي والمكاني واللغوي، مؤسساً لوحدة حضارية ممتدة عبر التاريخ لم تعرف الانقطاع.

ففي رواية "سلمى الأسوانية" يصف شخصية "حسب الله" بقوله، "يبدو لي كأحد تماثيل الفراعنة الموجودة في البربة"، ويصف "السيد بركات" في رواية "أخبار الدراويش" بأن "ملامح وجهه تشبه الوجوه المنحوتة على أطلال المعبد الفرعوني الملاصق للمقابر". وفي رواية "وهبت العاصفة" يشبه البطل محبوبته "بدوية" بنساء الرسوم الفرعونية. يؤكد هذا الامتداد الزمني في وصف المكان ذاته، فيقول في رواية "النمل الأبيض": "هذا الطريق موجود بحالته هذه منذ أيام فرعون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمتد التمثيل الحضاري من الجسد والمكان إلى أدوات الإنتاج الزراعي، فيشير السارد في رواية "النمل الأبيض" إلى استمرارية الأدوات بين الماضي والحاضر، "انظر إلى محراث ابن عمنا جعفر الباجس، ثم إلى المحراث المرسوم على جدران الآثار الفرعونية، تجدهما شيئاً واحداً". وتظهر هذه الاستمرارية في اللغة، يصف نجع السوالم في رواية "اللسان المر" بقوله: "نجع السوالم أكبر نجوع البلد، لغة أهله قريبة من الفصحى، تتخللها كلمات كثيرة انحدرت من الهيروغليفية". يؤكد الأسواني عبر هذا التكرار أن سكان الجنوب هم الورثة الشرعيون للحضارة المصرية القديمة، في الشكل والمضمون، ما زالت لغتهم وأدواتهم الزراعية وأنماط عيشهم اليومية حية.

ثنائية أسوان الإسكندرية

تحضر في أعمال عبدالوهاب الأسواني ثنائية الإسكندرية وأسوان، كما هي الحال في رواية "سلمى الأسوانية" التي يتلقى بطلها تعليمه في الإسكندرية، وفي "إمبراطورية حمدان" التي تجري معظم أحداثها في المدينة الساحلية. وتجلت هذه الثنائية في روايته "ابتسامة غير مفهومة"، التي تعد استثناءً في إبداعه، يخرج فيها عن عالم الجنوب تماماً، لتدور أحداثها في القاهرة حول بطل مأزوم قادم من الإسكندرية، وهو ما يتيح للأسواني دراسة التحولات النفسية والاجتماعية لشخصياته في مواجهة هذه الثنائيات المكانية.

وعموماً، تميزت أعمال الأسواني الروائية بوضوح البعد الدرامي في السرد، يبدأها عادة من نقطة متأزمة من الأحداث، تدفع القارئ إلى متابعة التفاصيل بشغف. وهي نزعة معروفة في المسرح الإغريقي. أسلوب رافق الأسواني من روايته الأولى "سلمى الأسوانية"، تبدأ برسالة عاجلة من الأب تحث ابنه على الحضور الفوري إلى القرية من دون أن يعرف سبب الاستدعاء، وتبرز في "النمل الأبيض" التي تنطلق من مأساة شخصية، يطلب الباشا من عامر أن يطلق زوجته الجازية ليزوجها لابنه المريض، "عرضناه على أعظم الأطباء، فقالوا إنها حال نفسية لن يشفى منها إلا إذا تزوج الإنسانة التي يحبها".

في هذه الرواية، يخرج الأسواني عن حدود القبيلة الضيقة وصراعاتها، راصداً التحولات الاجتماعية والأخلاقية التي ألمت بمجتمع الجنوب المصري في فترة الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات. يظهر هذا التحول في انهيار النظام الاجتماعي والأخلاقي، واختفاء كثير من القيم والمبادئ التي تربى عليها أهل الجنوب، يتجلى في ممارسات جديدة تؤدي إلى بيع الأراضي من أجل السلع الاستهلاكية، وباء اجتماعي يأتي على كل شيء عبر عنه الأسواني بـ"النمل الأبيض"، الذي يهدد بيوت القرية بالكامل ولا سبيل للتخلص منه سوى إحراق المناطق المنكوبة بحثاً عن التطهير.

قدم عبدالوهاب الأسواني للمكتبة العربية ثماني روايات هي: "سلمى الأسوانية" و"اللسان المر" و"ابتسامة غير مفهومة" و"أخبار الدراويش" و"وهبت العاصفة" و"النمل الأبيض" و"كرم العنب" و"إمبراطورية حمدان"، وثلاث مجموعات قصصية: "مملكة المطارحات العائلية" و"شال من القطيفة الصفراء" و"للقمر وجهان"، وستة كتب: "مواقف درامية من التاريخ العربي" و"خالد بن الوليد" و"أبو عبيدة بن الجراح" و"الحسين بن علي بن أبي طالب" و"بلال مؤذن الرسول" و"عمرو بن العاص". وعرفت مجموعة من أعماله طريقها إلى شاشة التلفزيون مثل "النمل الأبيض" و"اللسان المر" و"نجع العجايب" و"سلمى الأسوانية".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة