Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات طهران وواشنطن على حافة التناقض

إيران تتحدث عن "مسار إيجابي" وأميركا تحشد أدوات ضغطها

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض 31 عقوبة جديدة على أشخاص وكيانات مرتبطة بإيران (أ ف ب)

ملخص

تخلص مجمل المستجدات الأخيرة إلى وجود فجوة ملحوظة بين الرواية الرسمية التي تروجها طهران حول "إيجابية المفاوضات"، وبين الإجراءات العملية التي تتخذها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالتحذيرات الأمنية والتحركات العسكرية والعقوبات الجديدة والسياسات الاقتصادية الضاغطة تعزز احتمالات تصاعد التوتر خلال المرحلة المقبلة.

في وقت يؤكد مسؤولون رسميون في النظام الإيراني إيجابية مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، ترسم مراجعة تطورات الأيام الأخيرة صورة مغايرة لطبيعة الأجواء السائدة في العلاقات بين طهران وواشنطن. فهذه الصورة لا تعكس تراجعاً في منسوب التوتر، بقدر ما تشير إلى تصعيد الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية المفروضة على الحكومة الإيرانية. ويثير هذا التباين بين الرواية الرسمية والمعطيات الميدانية، تساؤلات جدية حول واقع المفاوضات وأهداف الخطاب الإعلامي الرسمي والتداعيات المحتملة على المجتمع والاقتصاد في إيران.

وكان وزير الخارجية الإيراني أعلن يوم الجمعة أن المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة تسير في مسار إيجابي، وأن إمكان التوصل إلى اتفاق لا تزال قائمة. وحظيت هذه التصريحات بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الرسمية، فيما ذهبت بعض المنصات إلى اعتبارها مؤشراً على تراجع احتمالات المواجهة العسكرية، غير أن تزامن هذا الموقف مع سلسلة من الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ألقى بظلال من الشك على الرواية الرسمية التي تروجها طهران.

ويمكن قراءة هذا الخطاب في سياق السياسة الإعلامية التي انتهجها النظام الإيراني خلال الأعوام الأخيرة والتي غالباً ما تركز على إبقاء باب الأمل مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي، حتى في ظل ظروف الضغط الأقصى، إلا أن المعطيات الميدانية الأخيرة تكشف عن فجوة واضحة بين واقع التطورات الجارية والرواية الرسمية المعلنة.

تحذيرات أمنية غربية: رسائل تتجاوز حدود الحذر الدبلوماسي

تتمثل أولى مؤشرات تصاعد مستوى القلق في الدعوة الرسمية التي وجهتها حكومتا ألمانيا والولايات المتحدة لمواطنيهما إلى مغادرة إيران على وجه السرعة، وشددت هذه التحذيرات على ضرورة مغادرة البلاد، حتى عبر الطرق البرية إن أمكن، مما يتجاوز نطاق التوصيات الاحترازية المعتادة التي تصدر في مثل هذه الحالات.

ويرى خبراء أمنيون أن هذا النوع من التحذيرات يصدر عادة عندما تتوصل أجهزة الاستخبارات الغربية إلى تقديرات دقيقة تشير إلى ارتفاع احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية، أو تفاقم حال عدم الاستقرار الداخلي، أو تنفيذ عمليات أمنية خاصة. كذلك يعكس صدور هذه التحذيرات بصورة متزامنة عن دولتين حليفتين، تقييماً مشتركاً للوضع في إيران، ويحمل رسالة واضحة حول مستوى الأخطار القائمة.

وفي السياق نفسه، تداولت تقارير نشر قوات أميركية خاصة تعرف بـ"دلتا فورس" في تركمانستان، على مسافة تقدر بنحو 270 كيلومتراً من مدينة مشهد، وظهرت هذه المعلومات بداية عبر شبكات التواصل الاجتماعي قبل أن تتناولها بعض وسائل الإعلام الإقليمية استناداً إلى مصادر أمنية. وفي حال تأكدت صحة هذه التقارير، فإن تمركز هذه القوات، بالتوازي مع أنباء عن وجود تجهيزات عسكرية أميركية في دول مجاورة لإيران، قد ينظر إليه على أنه مؤشر على مساعٍ لاستكمال حلقة الضغط العسكري على طهران.

وفي المجال الاقتصادي أيضاً، تبرز مؤشرات واضحة على تصاعد الضغوط، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب إصدار أمر تنفيذي بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران، في خطوة تهدف، بحسب التصريحات الرسمية، إلى رفع كلفة التفاعل الاقتصادي مع طهران.

وحتى في حال عدم تطبيق هذه الرسوم بالكامل، تبقى الرسالة الموجهة إلى الأسواق العالمية واضحة، بأن التعاون الاقتصادي مع إيران ينطوي على أخطار مرتفعة، ومن شأن هذا المناخ أن يقيد الحيز الاقتصادي لأي اتفاق محتمل ويضعف فرص استفادته العملية.

وبالتوازي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض 31 عقوبة جديدة على أشخاص وكيانات مرتبطة بإيران، استهدفت ما يعرف بشبكة الشحن البحري "الظل" التابعة لطهران، إضافة إلى عدد من المسؤولين. ويعيد فرض هذه العقوبات في خضم مسار تفاوضي قائم للأذهان نمط الضغط المتزامن مع الحوار الذي طبع جولات سابقة من التعامل الأميركي مع الملف الإيراني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصاعد التحركات العسكرية: إبقاء الخيار العسكري قائماً بالتوازي مع المفاوضات

يرى بعض المحللين العسكريين أن وصول مزيد من القطع البحرية العسكرية وتزايد حشود القوات الأميركية في المنطقة، يشيران إلى استعدادات محتملة لسيناريوهات مواجهة واسعة، ويُقرأ نقل منظومات الدفاع الجوي "ثاد" إلى الشرق الأوسط ونشرها في دول عربية ضمن الإطار نفسه.

وتعد الكلفة المرتفعة لنقل المعدات والقوات العسكرية عاملاً محورياً في التحليلات الاستراتيجية، إذ يذهب كثير من الخبراء إلى أن مثل هذه التحركات لا تستخدم عادة كأداة ضغط تفاوضي وحسب. ففي العلاقات الدولية، ينظر إلى تعزيز الحضور العسكري غالباً على أنه مكمل للضغط الدبلوماسي، لا مؤشر على بناء الثقة.

وتضاف إلى ذلك مؤشرات أخرى أسهمت في تصعيد التوتر، من بينها تكثيف نشاط مراكز أبحاث قريبة من وزارة الدفاع الأميركية حول سيناريوهات المواجهة، وازدياد طلعات الاستطلاع في منطقة الخليج العربي، ويندرج نشر صور لتحركات حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وغيرها من الأنشطة العسكرية أيضاً ضمن هذا السياق التحليلي.

وتظهر مجمل هذه التطورات أن الولايات المتحدة تبقي الخيار العسكري حاضراً فضلاً عن مسار التفاوض، مما لا ينسجم بالكامل مع الرواية التي يروج لها مسؤولون إيرانيون حول نجاح المفاوضات وإيجابية مسارها.

إدارة الرواية الداخلية: ضرورة سياسية أم اعتبار اقتصادي؟

إضافة إلى هذه التطورات، يبرز تساؤل محوري حول أسباب إبراز الرواية الإيجابية للمفاوضات داخل إيران، ويطرح أحد السيناريوهات في إطار إدارة التيارات السياسية الداخلية المعارضة لمسار التفاوض، إذ تسعى الحكومة، من خلال التأكيد على إيجابية المفاوضات، إلى الحد من تصاعد الضغوط الداخلية على فريقها المفاوض.

وتشير تصريحات بعض المسؤولين السياسيين والدينيين إلى أن هذه الضغوط لا تزال قائمة، فقد رأت شخصيات سياسية أن حضور قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في أجواء المفاوضات يتعارض مع القرارات الداخلية المعتمدة، مما يعكس غياب إجماع كامل حول مسار التفاوض.

وأما السيناريو الثاني، فيرتبط بإدارة الرأي العام وتفادي صدمة اقتصادية محتملة، إذ يخشى النظام الإيراني من أن يؤدي تداول أخبار سلبية في شأن المفاوضات إلى تقلبات سريعة في أسواق الصرف والذهب والبورصة، وتظهر تجارب الأعوام الماضية أن الأسواق المالية في إيران تتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات السياسية.

وتخلص مجمل المستجدات الأخيرة إلى وجود فجوة ملحوظة بين الرواية الرسمية التي تروجها طهران حول "إيجابية المفاوضات"، وبين الإجراءات العملية التي تتخذها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالتحذيرات الأمنية والتحركات العسكرية والعقوبات الجديدة والسياسات الاقتصادية الضاغطة تعزز احتمالات تصاعد التوتر خلال المرحلة المقبلة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير