Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصراعات تقود نفط جوبا والخرطوم إلى مسار "حذر"

تتجه الخطط المستقبلية للسودان ودولة جنوب السودان إلى ملف بترولي مشترك تحكمه اعتبارات الضرورة أكثر من منطق الشراكة المتكاملة

ينصب الجهد على تحييد البنية التحتية عن الصراع وتأمينها عبر تفاهمات أمنية موقتة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

منذ اندلاع الحرب السودانية دخل العبور النفطي مرحلة اضطراب مستمرة، ففي أوائل 2024 تعرض لانتكاسة حادة مع إغلاق خط أنابيب النفط الرئيس بعد استيلاء "الدعم السريع" على شاحنات كانت تنقل مواد كيماوية تستخدم في معالجة نفط جنوب السودان عالي اللزوجة.

شكل نشاط قطاع النفط خلال سنوات الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل (نيسان) 2023 أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقة بين السودان ودولة جنوب السودان، حيث تداخلت الاعتبارات الأمنية مع القيود الفنية والضغوط المالية، مما جعل استمرارية الإنتاج والتصدير رهينة للتطورات الميدانية والسياسية.

ويأتي ملف النفط كأحد أكثر محددات الاستقرار حساسية في العلاقة بين البلدين، ويمثل حقل هجليج النفطي بولاية غرب كردفان نقطة ارتكاز استراتيجية تتقاطع عندها حسابات السيادة والأمن الحدودي واستدامة الموارد في ظل صراعات داخلية وضغوط اقتصادية تواجه البلدين منذ سنوات.

ومن هذا المنظور تكتسب المحادثات التي جرت في بورتسودان منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بين مسؤولين من حكومتي البلدين أهمية تتجاوز إطار التعاون الفني، لتلامس جوهر معادلة الاعتماد المتبادل بينهما، فقد أجرى مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الخارجية والأمنية توت قلواك برفقة وزير الخارجية سيمايا كومبا ووكيل وزارة البترول وعدد من الفنيين جلسات محادثات وصفت بالمثمرة مع مسؤولي وزارة النفط السودانية تناولت سبل تعزيز التنسيق في تأمين وتشغيل وإدارة حقول النفط، وعلى رأسها هجليج وبامبو في أعقاب الاعتداءات التي تعرضت لها المنطقة أخيراً.

وجاء البيان المشترك الصادر عقب المحادثات ليؤكد توافق الطرفين على أن أمن الحقول النفطية بات مسألة مشتركة لا يمكن فصلها عن استقرار الحدود والعلاقات الثنائية. وأعلن وزير خارجية جنوب السودان التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السودانية يقضي باستئناف العمل في حقلي هجليج وبامبو والأخير الواقع قرب بلدة المجلد يسهم بنحو 20 في المئة من إيرادات النفط في المنطقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن ملف النفط لم يعد قابلاً للإدارة بمعزل عن الترتيبات السياسية والاقتصادية الأوسع، فمنذ انفصال جنوب السودان عام 2011، ظل يعتمد على السودان لتصدير نفطه عبر ميناء بورتسودان، مقابل رسوم عبور استندت إلى اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، وعلى رغم اندلاع الحرب في السودان عام 2023، واصلت الخرطوم تحصيل رسوم العبور، في وقت واجه فيه اقتصاد جنوب السودان ضغوطاً حادة، تفاقمت مع إغلاق خط أنابيب دار بلند بين فبراير (شباط) 2024 وأبريل (نيسان) 2025، الذي ينقل نحو 63 في المئة من صادراته النفطية.

انتكاسة حادة

منذ اندلاع الحرب دخل نظام العبور النفطي مرحلة اضطراب مستمرة، ففي أوائل عام 2024 تعرض هذا النظام لانتكاسة حادة مع إغلاق خط أنابيب النفط الرئيس بعد استيلاء قوات "الدعم السريع" على شاحنات لوجيستية كانت تنقل مواد كيماوية أساسية تستخدم في معالجة نفط جنوب السودان عالي اللزوجة، ووفق إفادات مسؤولين في وزارة البترول بجنوب السودان، أدى توقف الإمدادات الكيماوية إلى زيادة كثافة الخام وتجمده داخل الأنبوب، مما استدعى إغلاق الخط بالكامل والشروع في عمليات إصلاح معقدة شملت استبدال مقاطع متضررة، وخلال فترة الإغلاق، لم يتجاوز التدفق نحو 35 ألف برميل يومياً مقارنة بمعدل إنتاج منخفض أصلاً قدر بنحو 135 ألف برميل يومياً، ما فاقم الضغوط على المالية العامة في جوبا.

تزامن ذلك مع تصعيد أمني مباشر حول حقل هجليج النفطي بولاية غرب كردفان الذي يعد مركز المعالجة الرئيس لصادرات جنوب السودان، ففي الثامن من ديسمبر الماضي، توقف الإنتاج في الحقل بعد سيطرة "الدعم السريع" عليه، مما أدى إلى شلل شبه كامل في منشأة تضم 75 بئراً نفطية ومحطة معالجة مركزية بطاقة تصل إلى 130 ألف برميل يومياً. وينتج هجليج في الظروف الطبيعية نحو 20 ألف برميل يومياً، لكنه يؤدي دوراً محورياً في معالجة نفط ولاية الوحدة قبل ضخه إلى موانئ التصدير.

وبحسب مسؤولين في حكومة جنوب السودان جاء تطور لافت في الـ10 من ديسمبر مع انتشار جيش دفاع دولة جنوب السودان داخل الحقل، استناداً إلى اتفاق ثلاثي ضم رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان ورئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت وقائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو، ونص الاتفاق على انسحاب الجيش السوداني جنوباً وابتعاد قوات "الدعم السريع" عن محيط الحقل، في محاولة لتحييده عن مسار العمليات العسكرية.

 

 

 مع استكمال الإصلاحات الفنية واستئناف صادرات خط دار بلند في أبريل من العام الماضي، عاد الضخ تدريجاً وسط ترتيبات أمنية مشتركة، شملت زيارات ميدانية لوفود جوبا إلى موانئ بورتسودان، واجتماعات مع شركتي "بترولاينز" و"بشاير" المشغلتين لخطوط الأنابيب، غير أن هذا الاستئناف ظل هشاً، في ظل هجمات متقطعة وعدم استقرار أوسع، مما يؤكد أن النفط، بوصفه شريان حياة لاقتصاد يعتمد عليه في أكثر من 90 في المئة من الإيرادات، سيبقى مرآة مباشرة لمسار الحرب والسلام بين الخرطوم وجوبا.

تحديات عاصفة

عصفت بقطاع النفط في السودان وجنوب السودان منذ اندلاع الحرب تحديات أخرى تمثلت في الانقطاعات المتكررة في تدفقات الخام عبر البنية التحتية العابرة للحدود مؤثرة في موازنات البلدين، وأحدثت اهتزازاً في الأسس الكلية لاقتصاد جنوب السودان بصورة خاصة.

كشفت أزمة خط الأنابيب الممتد لأكثر من 1,500 كيلومتر من حقول جنوب السودان إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر عن هشاشة شديدة في الاعتماد على مسار واحد للتصدير، ففي مارس (آذار) 2024 أعلن السودان حال القوة القاهرة بعدما أدى تلف في البنية التحتية الناجمة عن الحرب وعمليات "التجمد" للخام داخل الأنابيب إلى توقف شبه كامل للصادرات، مما دفع الخرطوم إلى التخلف قانونياً عن التزامات التصدير.

هذا الإغلاق الطويل الذي دام قرابة 10 أشهر تسبب في خسائر جسيمة لاقتصاد جوبا، فقد تراجع الإنتاج النفطي إلى مستويات حادة، إذ انخفض من نحو 150-160 ألف برميل يومياً قبل الأزمة إلى نحو 60-70 ألف برميل خلال ذروة توقف الصادرات، وفق بيانات منشورة، مما أعاد اقتصاد البلاد إلى حافة الهاوية.

وانعكست هذه الصدمة مباشرة على النمو الاقتصادي الحقيقي، حيث توقع تقرير للبنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمال بنحو 30 في المئة في السنة المالية 2024-2025 بسبب توقف صادرات النفط والخسائر المرتبطة بانخفاض العائدات والاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر للعملة الأجنبية.

علاوة على ذلك دفعت الانقطاعات المتكررة حكومة جنوب السودان إلى إعلان تخفيضات كبيرة في الإنفاق وإعادة هيكلة الإطار المالي في فبراير (شباط) الجاري، في محاولة لإدارة التقلبات النقدية والمالية الناتجة من الاعتماد المزمن على صادرات النفط والاضطرابات في الإمداد، يشكل هذا التعديل جزءاً من رد فعل أوسع على ضغوط الموازنة، بما في ذلك نقص السيولة وصعوبة دفع الرواتب الحكومية، وزيادة العجز المالي.

من جانب السودان تراجع العائد من رسوم العبور والتصدير المثبتة في الاتفاقات الثنائية، إذ كان قطاع النقل والتصدير عبر خطوط الأنابيب مصدراً حيوياً للعملات الصعبة قبل الحرب، بينما تكبد الآن انخفاضاً حاداً بسبب الهجمات المتكررة وضرر البنية التحتية، مما أثر بدوره على القدرة المالية للخرطوم وسط تضخم مالي عام وتآكل الاحتياطات.

إضافة إلى ذلك أدت النزاعات القائمة والقضايا القانونية العالقة، مثل تجميد شحنات النفط في المحاكم البريطانية بسبب ديون متراكمة، إلى مزيد من الضغط على السيولة والقدرة التصديرية لجنوب السودان، مما يبرز هشاشة الاقتصادات الريعية أمام الصدمات الخارجية والداخلية على حد سواء.

مفترق طرق

رسم الباحث من مركز الثقة والسلام والعلاقات الاجتماعية بجامعة كوفنتري يان بوسبيسيل صورة قاتمة نسبياً لمسار الأوضاع السياسية والاقتصادية في دولة جنوب السودان، معتبراً أن البلاد تقف عند مفترق طرق دقيق، مما يؤثر في مؤشرات عدم الاستقرار السياسي والانهاك المؤسسي المتصاعدة على نحو ينذر بانهيار تدريجي لقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

ويذهب بوسبيسيل إلى أن استئناف إنتاج النفط، بعد توقف استمر نحو عام، كان من الممكن أن يشكل نافذة أمل نادرة لاقتصاد يعاني الانكماش ونقص السيولة. غير أن هذا الأمل، بحسب تقديره، يظل هشاً ومحدود الأثر في ظل بيئة يتفشى فيها الفساد، وتثقلها ديون نفطية مسبقة، وتعاني ضعفاً بنيوياً في أنظمة الحوكمة. فالنفط الذي ينظر إليه تقليدياً بوصفه شريان الحياة للدولة، لم يعد مصدراً فعلياً لإيرادات جديدة، وذلك لأسباب عدة، فقد تم بيع معظم نفط جنوب السودان مسبقاً، برهن الإنتاج المنتظم حتى عام 2027 كضمان لقروض سابقة، هذا يعني أنه بدلاً من توليد إيرادات جديدة للحكومة، يستخدم إنتاج النفط الحالي لسداد ديون استنفدت منذ زمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، لا يستبعد بوسبيسيل وجود هامش محدود للمناورة، إذ إن استمرار سداد هذه الديون قد يفتح الباب أمام قروض جديدة، لا سيما من دول الخليج، تحتاج إليها الحكومة بشدة لتغطية الرواتب المتأخرة والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى أن عودة الإنتاج تتيح، ولو جزئياً، تمويل رواتب القوات الأمنية المكلفة بحماية الحقول النفطية في مناطق نائية وشديدة الحساسية شمال البلاد.

ويضيف بوسبيسيل أن الشكوك لا تزال قائمة حول مدى استئناف الإنتاج فعلياً، إذ أفاد مطلعون في القطاع بأن الرواتب لم تدفع منذ أشهر، حتى في قطاع النفط الذي كان يعد تاريخياً محمياً نسبياً، كما أن انسحاب شركة "بتروناس" الماليزية، وما ترتب عليه من فقدان خبرات فنية ولوجيستية، مثل ضربة قاسية، لم تنجح الدولة في تعويضها على رغم تأميم الأسهم ونقلها إلى شركة "نايل بتروليوم" الحكومية، التي تفتقر إلى القدرات اللازمة لإدارة عمليات معقدة بهذا الحجم.

وفي هذا السياق يكتسب البيان الأخير للأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان بيتر لام بوث الذي دان فيه الفساد واختلاس المال العام، دلالة خاصة، لكونه يعكس تصاعد التوتر داخل النخبة الحاكمة نفسها. ويخلص بوسبيسيل إلى أن استمرار هذا المسار، في ظل تصنيف جنوب السودان في ذيل مؤشر مدركات الفساد العالمي، يجعل من إصلاح قطاع النفط شرطاً لا غنى عنه لأي استقرار مستدام، وشددت على ذلك توصيات مجموعة الأزمات الدولية بضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة وإيداع عائدات النفط في حساب عام موحد.

مستقبل مشترك

تتجه الخطط المستقبلية للسودان ودولة جنوب السودان في ما يتعلق بملف النفط المشترك نحو مسار حذر، تحكمه اعتبارات الضرورة أكثر من منطق الشراكة المتكاملة، في ظل واقع أمني وسياسي واقتصادي شديد التعقيد، فبعد سنوات من الاضطرابات، بات واضحاً للطرفين أن استدامة تدفقات النفط لم تعد مسألة فنية أو مالية فحسب، بل قضية ترتبط مباشرة ببقاء الدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

في جنوب السودان، تمثل الخطوات التي أعلنها وزير المالية والتخطيط باك بارنابا تشول مؤشراً إلى تحول تدريجي في مقاربة إدارة القطاع النفطي، إذ تضمنت الخطة تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام، إلى جانب مراجعة شاملة لقطاع النفط ضمن إطار أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتمنح هذه السياسة وزارة النفط صلاحيات موسعة لإعادة التفاوض حول اتفاقات تقاسم الإنتاج، والاستكشاف، ووضع الأصول، في محاولة لمعالجة اختلالات تراكمت منذ الاستقلال، ولا سيما ما يتعلق ببيع النفط مسبقاً ورهن الإنتاج لسداد ديون طويلة الأجل.

 

 

وتهدف هذه الإجراءات نظرياً إلى تعزيز الشفافية، وتحسين شروط التعاقد، وضمان قدر أكبر من الاستدامة المالية على المدى المتوسط، غير أن نجاحها سيظل رهيناً بقدرة الدولة على فرض الحوكمة في قطاع كثيراً ما شكل بؤرة للفساد والنزاع داخل النخبة الحاكمة.

في المقابل، يتعامل السودان مع الملف النفطي من زاوية أكثر تحفظاً وبراغماتية، فالتعاون القائم لا يزال يستند إلى الإطار التقليدي، عبور نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان مقابل رسوم نقل ومعالجة.

وفي ظل الحرب الدائرة داخل السودان تتركز الأولوية على الحفاظ على تشغيل خطوط الأنابيب ومحطات المعالجة والتصدير بوصفها أحد مصادر النقد الأجنبي القليلة المتبقية للدولة، ولا تظهر حتى الآن مؤشرات إلى سعي الخرطوم لإعادة صياغة شاملة للترتيبات النفطية، بقدر ما ينصب الجهد على تحييد البنية التحتية عن الصراع، وتأمينها عبر تفاهمات أمنية موقتة مع جوبا وشركات التشغيل.

وعلى المدى المنظور يظل مستقبل النفط المشترك محكوماً بعلاقة اعتماد متبادل لا تملك أي من الدولتين بديلاً عملياً عنها، فجنوب السودان لا يملك منفذاً آخر لتصدير نفطه في الأجل القريب، فيما يعتمد السودان على رسوم العبور والمعالجة في ظل تراجع موارده الأخرى، غير أن هذه العلاقة ستظل شديدة الهشاشة ما لم تعالج جذور الأخطار: عدم الاستقرار الأمني وعبء الديون وتآكل القدرات التشغيلية وضعف الثقة المؤسسية، وبينما قد تضمن الإجراءات الحالية استمرار التدفق على المدى القصير، فإن مستقبل النفط بين البلدين سيظل معلقاً بقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شراكة أكثر شفافية وقابلية للاستدامة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير