ملخص
وفق تقارير حديثة تزايد استخدام طائرات "الدرون" المسيرة في هجمات على إقليم النيل الأزرق، وتم اعتراض بعضها بواسطة أنظمة الجيش السوداني الجوية في مؤشر إلى توسع رقعة الصراع في المنطقة.
مع تقدم الجيش السوداني في محوري كردفان ودارفور وتمكنه خلال الفترة الماضية من فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي انفتحت على نحو متزامن جبهة قتال جديدة على الحدود الشرقية مع دولة إثيوبيا، وتصاعدت العمليات القتالية جنوب النيل الأزرق وبخاصة حول مدينة الكرمك التي تعد نقطة محورية في خطوط الإمداد ومسار الحركة التجارية والزراعية بحكم موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية والزراعية في ظل مخاوف من توسع رقعة الاشتباكات وتأثيرها في السكان المحليين.
واتهمت مصادر سودانية رسمية إثيوبيا بالسماح بإنشاء معسكر لتدريب قوات "الدعم السريع" والمرتزقة من الكولومبيين والجنسيات الأفريقية أخرى في منطقتي منقي والأحمر، في بلدة أوندولو بغرض الهجوم على إقليم النيل الأزرق المتاخم للحدود بين البلدين، وقامت وفق المصادر، بدور تنسيقي عسكري مع دولة الإمارات في شأن بناء معسكرات التدريب وتجهيز مهابط الطائرات وإنشاء خطوط للإمداد ونقل المركبات القتالية وأنظمة المدفعية والتشويش عبر مدينة أصوصا عاصمة إقليم بني شنقول قمز.
ودفع الجيش السوداني خلال اليومين الماضيين بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى جنوب إقليم النيل الأزرق بغرض فرض سيطرته بجنوب الإقليم وتضييق الخناق على تحركات الميليشيات في المناطق الحدودية.
مواجهات واتهامات
شهدت منطقة السلك بجنوب الإقليم معارك ومواجهات عنيفة بعد محاولة قوات "الدعم السريع" التقدم في محيط المنطقة قبل أن تتصدى لها مدفعية الجيش وتكبدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
وكشفت المصادر ذاتها عن وجود تنسيق استخباراتي بين الجيش الإثيوبي وقوات "الدعم السريع" ("جيش جوزيف توكا" التابع للحركة الشعبية – شمال المتحالفة مع "الدعم السريع") في منطقة النيل الأزرق.
وأشارت تقارير حديثة إلى تلقي جوزيف توكا طائرات مسيرة استخدمت في الآونة الأخيرة لاستهداف عاصمة إقليم النيل الأزرق (الدمازين)، وكذلك مدينة الكرمك قرب الحدود السودانية - الإثيوبية.
ومع الاتهامات السودانية الرسمية تربط تقارير متعددة بين عمليات نقل لوجيستية في غرب ووسط أفريقيا وبين الإمدادات المقدمة لقوات "الدعم السريع"، وتتهم بعض التقارير أطرافاً مرتبطة بدولة الإمارات بالتورط في محاولات فتح مسارات جوية عبر الأراضي الإثيوبية لتوصيل الدعم إلى تلك القوات في المناطق القريبة من الحدود السودانية الشرقية.
وفق تقارير حديثة تزايد استخدام طائرات "الدرون" المسيرة في هجمات على إقليم النيل الأزرق، وتم اعتراض بعضها بواسطة أنظمة الجيش السوداني الجوية في مؤشر إلى توسع رقعة الصراع في المنطقة.
ضغوط استجابة
في السياق اتهم المحلل العسكري والاستراتيجي اللواء أمن متقاعد عبدالهادي عبدالباسط، دولة الإمارات العربية المتحدة بالوقوف وراء التصعيد العسكري الأخير في إقليم النيل الأزرق، عبر دولة إثيوبيا التي تعدها بوابتها الرئيسة في القارة الأفريقية، وذلك عقب اشتداد المعارك وضغط الجيش العسكري وانتصاراته الميدانية في كل من كردفان ودارفور.
ولفت عبدالباسط إلى أن الإمارات وجدت ضالتها في نظام آبي أحمد، الحليف المطيع والمحاصر مالياً وسياسياً وعسكرياً، وكانت تضغط عليه منذ فترة طويلة لفتح جبهة النيل الأزرق لتخفيف الضغط على متمردي "الدعم السريع" في دارفور وكردفان، لكنه كان يخشى من أن يؤدي انتقال الحرب إلى حدود بلاده مع السودان إلى تدخل مصري مباشر، ثم استجاب أخيراً للضغوط الإماراتية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع المحلل العسكري "تأزم الأوضاع في تشاد، ومراجعة حكومتها لموقفها في شأن التسهيلات التي كانت تقدمها الإمارات لـ(الدعم السريع)، وكذلك تحفظات الجنرال الليبي خليفة حفتر في شأن توصيل الدعم المقدم من الإمارات للمليشيات، نتيجة تأثره بالخلاف السعودي - الإماراتي وخشيته من أن التعرض لضربات مماثلة كالتي حدثت للمجلس الانتقالي في حضرموت، وكذلك الاحتقان المتنامي في جنوب السودان وتعالى الأصوات المطالبة بالكف عن التورط في الحرب، كلها تطورات دفعت بالإمارات إلى الاتجاه نحو إثيوبيا على الحدود الشرقية، ومن ثم فتح جبهة النيل الأزرق".
غطاء إنساني
في شأن المساعدات والإغاثة الإنسانية قال عبدالباسط إن دولة الإمارات تستخدم الملف الإنساني بصورة دعائية إعلامية بغرض تبييض وجهها بعدما حاصرتها الاتهامات دولياً وإقليمياً، ظناً منها أن ذلك قد يخفف عنها الضغط المتزايد عليها بعدما أصبحت جميع مخططاتها مكشوفة، فضلاً عن أنها حتى في ادعائها بالإسهام الكبير كمانح للمساعدات كانت تستغلها أيضاً في إرسال شحنات الأسلحة تحت الغطاء الإنساني، بينما هي في الأصل معدات حربية وعسكرية لمصلحة "الدعم السريع".
أوضح المحلل الأمني أن حكومة آبي أحمد تعاني وضعاً داخلياً متفجراً بتمرد عديد من القبائل الكبيرة في البلاد، وعلى رأسها قبيلة الأورومو المسلمة التي ينتمي إليها هو شخصياً من جهة الأب، إلى جانب تمرد قبائل الأمهرة بتعاطف إريتري، فيما كانت قبيلة تيغراي التي دخلت في حرب مع السلطة قد شارفت على دخول العاصمة أديس أبابا لولا التدخل الإماراتي.
على نحو متصل يرى الباحث السياسي والأمني ضوالبيت دسوقي أن دعم إثيوبيا وحليفتها لقوات "الدعم السريع" لا يعد أمراً مفاجئاً، بخاصة بعدما برزت أديس أبابا في السنوات الأخيرة كشريك رئيس لأبوظبي في منطقة القرن الأفريقي، مستفيدة من مساعدات واستثمارات وتعاون أمني واسع.
يوضح دسوقي أنه على رغم التأثير المحدود للتدخل الإثيوبي غير المباشر في حرب السودان حتى وقت قريب، لكن مع بروز الدور الإماراتي يبدو أن إثيوبيا تخلت عن سياسية الحياد الحذر، وبدأت تنتظم بصورة أوسع في الحرب. وتابع "يستند التزام الإمارات تجاه إثيوبيا إلى مصالح وحسابات استراتيجية واقتصادية دقيقة، ففي عام 2023 تم توقيع 17 اتفاقية ثنائية بين البلدين في مجالات التجارة والزراعة والاستثمار والجمارك والصناعة والبنية التحتية وغيرها".
تواطؤ وتسهيلات
يشير الباحث الأمني إلى أن اتهامات الحكومية السودانية تشير إلى تواطؤ وتسهيل أديس أبابا لتمرير السلاح وتوفير مزايا لوجيستية لـ"الدعم السريع" بإيعاز إماراتي ومعسكرات للتدريب بصورة مباشرة لقوات "الدعم السريع"، لكن من دون مشاركة قوات إثيوبية داخل الأراضي السودانية، مستغلة في ذلك الرخاوة الأمنية وضعف الرقابة على الشريط الحدودي بإقليم النيل الأزرق.
ويصف دسوقي، ما يجري من تدخلات إقليمية في حرب السودان بأنه أشبه بحرب الظل، حيث تستخدم أسلحة متطورة وأدوات متقدمة من دون إعلان أو تبنٍّ رسمي للفعل أو النتائج خشية العواقب السياسية، وربما المساءلة الدولية، وهو ما حول اتهامات السودان لدولة الإمارات العربية أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى حيثيات تفتقد الدليل على رغم كونها حقائق، لذلك فشل القانون الدولي في محاسبة الإمارات. وأردف، "لقد ظل الدور الإماراتي تاريخياً يتسم بالسرية والوكالة وعدم العلنية، وغالباً ما يظهر عبر بنية تحتية، ولوجيستيات، ووسطاء بعيداً من البيانات الرسمية، وما يثير الشبهات هو انخراط الإمارات أخيراً في تطوير مهابط في مناطق حدودية وإطالة مدارج لتناسب هبوط وإقلاع طائرات شحن أو مسيرات وإنشاء خزانات وقود ومخازن موقتة وأبراج اتصالات، مثلما حدث في شرق ليبيا واليمن وتشاد وأفريقيا الوسطى".
مما يعزز الشكوك، وفق دسوقي، أن تطوير المهابط الإثيوبية جاء تزامناً مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة على إقليم النيل الأزرق بطريقة التشغيل ذاتها وبصورة مشابهة لما سبق أن جرى في كل من ليبيا واليمن، وهو أمر يتوافق مع سجل دولة الإمارات في الاستثمار ذي الاستخدام المزدوج المدني في العلن والعسكري سراً.
تاريخ من التوتر
يعود تاريخ المواجهات السودانية - الإثيوبية على الحدود الشرقية، وفي منطقة الفشقة الزراعية التابعة لولاية القضارف على وجه الخصوص، إلى أكثر من قرن من الزمان، ويتمحور النزاع حول تباين التفسيرات للحدود الاستعمارية التي رسمت في أوائل القرن الـ20، منذ اتفاقية عام 1902 الموقعة بين بريطانيا (نيابة عن السودان) والإمبراطورية الإثيوبية (بقيادة الإمبراطور منليك الثاني) لترسيم الحدود، إذ وضع "خط غوين" منطقة الفشقة داخل الأراضي السودانية، وهو ما ترفضه إثيوبيا بدعوى عدم مشاركتها الفعلية في الترسيم الميداني. وعلى رغم توقيع البلدين مذكرة تفاهم في 1972، اتفقا فيها على الالتزام باتفاقية 1902، لكن النزاع ظل قائماً بسبب التداخل السكاني والزراعي.
وشهدت الحدود الشرقية بين البلدين تصعيداً عسكرياً كبيراً تزامناً مع المتغيرات السياسية والعسكرية في كلا البلدين خلال الفترة بين (2020 - 2026)، حيث اتهمت الحكومة الإثيوبية الجيش السوداني باستغلال انشغالها بحرب تيغراي وأعاد انتشاره في منطقة الفشقة، واستعاد السيطرة على معظم الأراضي التي كانت بيد المزارعين والميليشيات الإثيوبية منذ عقود.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي رصدت الاستخبارات العسكرية السودانية تحركات لقوات "الدعم السريع" وميليشيات أخرى قرب الحدود مع إثيوبيا، وسط مخاوف من فتح جبهة جديدة للصراع في ظل الحرب الأهلية السودانية المستمرة.
واتهم السودان مراراً دولة الإمارات العربية وشكاها رسمياً لدى الأمم المتحدة، بدعم قوات "الدعم السريع"، وتورطها في التسليح والتمويل وتوريد أسلحة ومعدات عسكرية متقدمة له وتجنيد مرتزقة أجانب لصالحه، معتبراً ذلك جزءاً من حرب بالوكالة تهدف إلى التأثير في سيادة السودان.