ملخص
إذا كان الجنرالات في المرحلة الأولى من الحرب يقتلون في المقام الأول على خطوط المواجهة بسبب مشكلات الاتصال والحاجة إلى الوجود الشخصي في المعركة، فإن الموجة الحالية من الاغتيالات في عامي 2025 - 2026 هي حرب هجينة كلاسيكية، إذ يصبح العمق الخلفي منطقة عمليات قتالية نشطة لأجهزة الاستخبارات ووكلائها وعملائها.
أثارت محاولة اغتيال الجنرال الروسي فلاديمير أليكسييف في موسكو في السادس من فبراير (شباط) الجاري صدمة في العاصمة الروسية، سرعان ما أصبحت موضوعاً لنظريات سياسية، وبينما تحاول أوكرانيا التي اتهمها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتدبير محاولة الاغتيال، إلقاء اللوم على "طرف ثالث"، يشير المتخصصون إلى متورطين محددين من الخارج.
وأصبح أليكسييف رابع جنرال يقتل اغتيالاً بعيداً من خطوط الجبهة منذ بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وكان مجهولون اغتالوا سابقاً الجنرالات إيغور كيريلوف وياروسلاف موسكاليك وفانيل سارفاروف، وجاء هذا الهجوم بعد يوم واحد من اختتام جولة محادثات بين مفاوضين من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، استمرت يومين في أبوظبي، وترأس الوفد الروسي رئيس الاستخبارات العسكرية الأدميرال إيغور كوستيوكوف.
اتهام بريطانيا وأوكرانيا
وفقاً للمراسل الحربي ألكسندر كوتس، لا ينبغي النظر لمحاولة اغتيال النائب الأول لرئيس الاستخبارات العسكرية الروسية الجنرال أليكسييف، على أنها حادثة معزولة، بل هي جزء من سلسلة طويلة من الاستفزازات التي تتجلى من خلالها المصالح البريطانية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا بوضوح.
فور شيوع نبأ محاولة الاغتيال بدأت الدعاية الأوكرانية بالفعل في تمهيد الطريق من طريق الترويج لنظريات تزعم أن الهجوم على الجنرال رفيع المستوى كان مدبراً من قبل "طرف ثالث" بهدف عرقلة عملية السلام، ومع ذلك يطرح كوتس سؤالاً منطقياً هو: من الذي كان يدرب مجموعات التخريب والاستطلاع الأوكرانية أعواماً للعمل في عمق أراضي روسيا؟ والجواب واضح، فمنذ عام 2015 دأبت لندن على إعداد أدلة لإنشاء شبكات استخباراتية والإشراف على تشكيل جماعات "المقاومة الإقليمية".
ويؤكد كوتس ضرورة عدم الاستهانة بقدرات أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، التي أثبتت بالفعل قدرتها على تنفيذ عمليات اغتيال خطرة طاولت عدداً غير قليل من الجنرالات والمسؤولين الروس المدنيين والعسكريين في أماكن خلفية بعيدة من خط الجبهة، بخاصة أن الاستخبارات الأوكرانية تنفذ عملياتها تحت إشراف دقيق من رؤسائها البريطانيين، وبالنسبة إلى بريطانيا، تعد مقترحات السلام التي يجري تداولها في الوقت الراهن غير مقبولة، فقد سبق لها أن نسفت تفاهمات إسطنبول عام 2022، واليوم يتكرر السيناريو نفسه.
المحلل العسكري أليكسي ليونكوف أشار إلى أن الاستخبارات البريطانية ربما تكون متورطة في محاولة اغتيال أليكسييف، وقال "الحقيقة هي أن وراء جميع الهجمات الإرهابية على قيادتنا العسكرية ليس فقط جهاز الأمن الأوكراني أو مديرية الاستخبارات الرئيسة للقوات المسلحة الأوكرانية، بل أيضاً أجهزة الاستخبارات البريطانية، وكانت المملكة المتحدة أول من أعلن الحرب الشاملة التي تشمل جميع أشكال الإرهاب والتخريب، وأوصت أوكرانيا بمتابعة هذه القضية".
ووفقاً للمصدر نفسه فإن تطوير وتنفيذ مثل هذه العمليات يشير إلى أن أوكرانيا لا تعمل إلا كوسيط، موضحاً "من الطبيعي أن تكون أجهزة الاستخبارات البريطانية نشطة للغاية في التحضير لمثل هذه العمليات، إن حرباً تخريبية وإرهابية تشن ضد روسيا، تنفذها أجهزة الاستخبارات الأوكرانية والبريطانية، ولذلك، كما يقال، لا مجال للتراخي. من جهة أخرى كثيراً ما كانت الحاجة إلى نظام حماية لهؤلاء القادة العسكريين الرفيعي المستوى ملحة، فهم أناس عاديون يعيشون بيننا، وهذا من جهة يعد ميزة، ولكن من جهة أخرى يعرض هذه التواضع المفرط حياة قادتنا العسكريين للخطر".
وأكد ليونكوف أن محاولة الاغتيال كانت تهدف إلى نسف وتعطيل عملية التفاوض الجارية، وخلص إلى القول "هناك تلميح واضح هنا بأن الجانب الأوكراني لا يكتفي بتأخير المفاوضات فحسب، بل يحاول أيضاً تعطيلها ونسفها".
واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن محاولة اغتيال هذا الجنرال الروسي تكشف نيات كييف التخريبية نحو إفشال المفاوضات، وقال "نظام كييف مستعد لفعل أي شيء لإقناع مموليه الغربيين بعدم التراجع عن تعطيل مقترحات التسوية الأميركية للأزمة الأوكرانية"، مؤكداً أن نظام زيلينسكي يقوم باستفزازات مستمرة تهدف إلى إفشال العملية التفاوضية.
جنرالات تحت المقصلة
يجمع المتخصصون الروس على أن مصالح لندن وفولوديمير زيلينسكي تتطابق تماماً في هذا الشأن، فبالنسبة إلى الرئيس الأوكراني يعني وقف إطلاق النار بشروط روسيا انهياراً سياسياً حتمياً فضلاً عن خطر الملاحقة القضائية الداخلية، وبينما يثير السياسيون الأوروبيون ضجة إعلامية حول مبادرات السلام تواصل بريطانيا مسارها نحو المواجهة المباشرة.
من اللافت للنظر أن محاولة الاغتيال تتزامن مع تهديدات دولية، فعلى سبيل المثال أشار وزير الدفاع الفرنسي فابيان ماندون إلى إمكان قيام حلف "الناتو" بمنع الأسطول الروسي من دخول بحر البلطيق، ويؤكد ألكسندر كوتس أن هذه ليست مبادرة شخصية من باريس، بل هي جزء من استراتيجية حرب هجينة بدأتها بريطانيا.
ويعد الجنرال أليكسييف نفسه هدفاً رئيساً للاستخبارات البريطانية والأوكرانية معاً، فاسمه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأعظم نجاحات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بما في ذلك استسلام حامية آزوفستال التي يبلغ قوامها 2000 جندي عام 2022، مع ذلك يعتقد كوتس أن محاولة الاغتيال هذه ليست مجرد انتقام لمظالم الماضي، بل أيضاً محاولة لاستنزاف روسيا قدر الإمكان قبل مواجهة مباشرة محتملة مع أوروبا.
وأسفرت الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا منذ فبراير 2022 عن خسائر فادحة في صفوف الجنرالات والقيادة العليا للجيش الروسي، ووفقاً لتقارير إعلامية روسية وأوكرانية فقد قتل ما لا يقل عن 19 جنرالاً، منهم من قضى في القتال على الجبهة، ومنهم من سقط صريعاً بعملية اغتيال في عقر داره أو قرب المبنى الذي يقطنه مع عائلته في العاصمة الروسية موسكو أو غيرها من المدن.
وبهذا تكون روسيا قد خسرت جنرالات وقادة عسكريين ومدنيين على الجبهة وفي المؤخرة، نتيجة لقصف مدفعي على المقار الرئيسة، وحوادث جوية، وأعمال تخريب، وتفجيرات وعمليات اغتيال في قلب روسيا، فضلاً عن مقتل كثير من الضباط الرفيعي المستوى برصاص القناصة في الأشهر الأولى من الحرب.
وكان من بين القتلى ضباط متقاعدون بالفعل ولكنهم شاركوا في العمليات القتالية، بما في ذلك ضمن قوات شركة "فاغنر" الأمنية الخاصة وقوات الهجوم "ستورم زد".
وحسب التسلسل الزمني الذي يستثني عمداً الخسائر القتالية ويقتصر على الحالات التي تضمنت محاولات اغتيال خُطط لها مسبقاً كالتفجيرات وإطلاق النار وعمليات التصفية في المناطق الخلفية أو في الأراضي المحتلة، كان من بين القتلى ضباط وجنرالات ومتعاونون ومشاركون ومنظمون للحرب، وأفراد مندمجون في قيادتها وهيكلها الأمني.
تسلسل زمني للاغتيالات
في السادس من أغسطس (آب) 2022 قتل نائب رئيس إدارة مدينة نوفا كاخوفكا الموالية لروسيا فيتالي غورا، رمياً بالرصاص قرب منزله في مقاطعة خيرسون التي استولت روسيا على أجزاء منها، وأطلق المهاجم النار بمسدس ثم لاذ بالفرار، ونقل غورا إلى المستشفى ولكنه فارق الحياة متأثراً بجراحه.
في الـ24 من أغسطس 2022، في قرية ميخائيلفكا بمنطقة زابوروجيا، الواقعة ضمن الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية، قتل رئيس الإدارة المحلية المعين من قبل روسيا، إيفان سوشكو في تفجير سيارة مفخخة، ووقع الانفجار قرب سيارته وتوفي في مكان الحادثة، وكان سوشكو مسؤولاً عن إدارة القرية في الأراضي المحتلة.
وفي الـ11 من يوليو (تموز) 2023 قتل ستانيسلاف رزيتسكي، وهو نقيب ركن بحري وقائد سابق لغواصة تابعة لأسطول البحر الأسود، رمياً بالرصاص أثناء ممارسته رياضة الجري، وكان آنذاك يخدم في وحدة التعبئة التابعة لإدارة مدينة كراسنودار، وقد أطلق المهاجم عليه رصاصات عدة وفر هارباً، بينما لقي رزيتسكي حتفه في مكان الحادثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2024 قتل أندريه كورتكي، وهو موظف أمن في محطة زابوروجيا للطاقة النووية الخاضعة للسيطرة الروسية، في انفجار سيارة في مدينة إنيرغودار بمقاطعة زابوروجيا. وكانت السيارة مفخخة بعبوة ناسفة، وأعلنت مديرية الاستخبارات الرئيسة الأوكرانية مسؤوليتها عن العملية.
في الـ13 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قتل ضابط رفيع المستوى في البحرية الروسية هو فاليري ترانكوفسكي، في تفجير سيارة مفخخة في مدينة سيفاستوبول، وأكد مصدر أمني أوكراني أن العملية كانت تستهدفه.
وفي الـ17 من ديسمبر (كانون الأول) 2024، في موسكو، قتل قائد قوات الدفاع الإشعاعي والكيماوي والبيولوجي التابعة للقوات المسلحة الروسية، الفريق إيغور كيريلوف، ومساعده، إثر انفجار عبوة ناسفة مزروعة في دراجة كهربائية قرب مبنى سكني، وأكد مصدر في جهاز الأمن الأوكراني أن العملية نفذت من قبله.
في الثالث من فبراير 2025 وقع انفجار في مجمع سكارليت سيلز السكني في موسكو، أسفر عن مقتل أرمين ساركسيان، المعروف أيضاً باسم أرمين غورلوفسكي، وهو جندي سابق في الحرب إلى جانب روسيا ومؤسس وحدة متطوعين أرمينية، ونقل ساركسيان إلى المستشفى حيث فارق الحياة لاحقاً.
في الـ25 من أبريل (نيسان) 2025، في بالاشيخا بمنطقة موسكو، قتل نائب رئيس مديرية العمليات الرئيسة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الفريق ياروسلاف موسكاليك، بانفجار سيارة مفخخة، ووقع الانفجار في منطقة سكنية، واتهمت السلطات الروسية أوكرانيا بالوقوف وراء الهجوم.
وفي الـ15 من أكتوبر 2025 قتل الضابط الروسي فاسيلي مارزوييف، نجل الفريق أركادي مارزوييف، في منطقة زابوروجيا، وكان الهجوم مستهدفاً، وفي 27- 28 أكتوبر، نشرت مديرية الاستخبارات الرئيسة الأوكرانية تسجيلاً مصوراً للعملية وأكدت تورطها فيها.
في الـ22 من ديسمبر 2025 قتل رئيس مديرية التدريب العملياتي التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الفريق أول فانيل سارفاروف في تفجير سيارة مفخخة في موسكو. وقع الانفجار صباحاً، ولم يصدر أي تأكيد رسمي من الجانب الأوكراني حول مسؤوليته عن التفجير.
في السادس من فبراير تعرض نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الفريق فلاديمير أليكسييف، لمحاولة اغتيال في مبنى سكني على طريق فولكولامسكوي السريع في موسكو. أطلق مهاجم مجهول رصاصات عدة على الفريق ثم لاذ بالفرار، نقل أليكسييف إلى المستشفى، وفتحت قضية جنائية بتهمة الشروع في القتل والاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية.
بعيداً من الجبهة
لا يجمع بين هذه التفجيرات وعمليات الاغتيالات موقع جغرافي أو رتبة عسكرية، بل مبدأ واحد: لم يمت أي من الضحايا في معركة، فقد كانوا أشخاصاً إما أداروا الحرب أو ضمنوا سيرها من جنرالات هيئة الأركان العامة إلى مسؤولي إدارة الأراضي المحتلة، وأكد الجانب الأوكراني بعض العمليات بصورة مباشرة، بينما نسبت السلطات الروسية عمليات أخرى إليه من دون تقديم أدلة علنية.
في ظل هذه الخلفية لا تقتصر التساؤلات على مدى فعالية هذه العمليات فحسب، بل تشمل أيضاً حال أنظمة الوقاية ومكافحة التجسس والأمن الشخصي في روسيا. وتعتبر محاولات الاغتيال التي تستهدف كبار المسؤولين العسكريين الروس جزءاً من استراتيجية منهجية وطويلة الأمد، وفقاً لأوليغ جدانوف، وهو عقيد متقاعد في القوات المسلحة الأوكرانية وضابط سابق في مديرية العمليات الرئيسة لهيئة الأركان العامة ومتخصص في الشأن العسكري بارز، مضيفاً أن "محاولات الاغتيال هذه جزء من استراتيجية طويلة الأمد، وقد تم القضاء على مجموعة جنرالات رفيعي المستوى في فترة زمنية قصيرة، اثنان منهم مباشرة في موسكو، ومثل هذه العمليات تضرب مركزاً رئيساً للسيطرة على الحرب".
"في أية دولة في العالم تعد هيئة الأركان العامة قمة لا تضاهى، وعقل الآلة العسكرية، والهيكل الذي ينظم ويخطط للعمليات العسكرية، وعندما يقتل الجنرالات المسؤولون عن التخطيط العملياتي والاستراتيجي فإن ذلك يسبب حتماً ضغطاً نفسياً ومعنوياً شديداً بين ضباط هيئة الأركان العامة الذين يتساءلون: هل ستنهار آلتهم غداً أم لا؟"، هكذا اختتم جدانوف حديثه.
وتضم قائمة الجنرالات القتلى أندريه سوخوفيتسكي (لواء) وهو نائب قائد الجيش الـ42 للأسلحة المشتركة، وقتل في الـ28 من فبراير 2022 بمنطقة تشيرنيهيف الأوكرانية، وبحسب بعض التقارير فقد قتل برصاص قناصٍ، وكان أول جنرال تؤكد وفاته رسمياً في روسيا الاتحادية.
وتشمل القائمة أوليغ ميتيايف، برتبة لواء، وكان قائداً للفرقة 150 الآلية للبنادق، وقتل عام 2022 خلال معركة ماريوبول، وأعلنت كتيبة آزوف الأوكرانية تصفيته، وأكدت مصادر روسية هذه المعلومات جزئياً،
وسقط نائب قائد الجيش الثامن المشترك، اللواء فلاديمير فرولوف، في الـ10 من مارس (آذار) 2022، في معركة مدينة ماريوبول الأوكرانية بنيران قناص.
ولقي اللواء أندريه سيمونوف، الذي كان يقود قوات الحرب الإلكترونية في المنطقة العسكرية الغربية، مصرعه في الـ30 من أبريل 2022، بعد قصف مدفعي على مركز قيادة في إيزيوم بمنطقة خاركيف الأوكرانية.
وضمت القائمة أيضاً اللواء المتقاعد كانامات باتاشيف، الذي شارك في العمليات القتالية ضمن شركة "فاغنر" الأمنية الخاصة، وقتل في الـ22 من مايو (أيار) 2022، عندما تم إسقاط طائرته من طراز "سو- 25".
ولقي رئيس أركان الجيش الثامن، الفريق أول رومان كوتوزوف، مصرعه في الخامس من يونيو (حزيران) 2022، في منطقة بوباسنايا.
كذلك قتل اللواء المتقاعد ديمتري أوليانوف، في السادس من فبراير 2023، وكان يقود فوجاً من المتعاقدين الذين تم تعبئتهم في تتارستان.
وسقط رئيس أركان الجيش الـ35 اللواء سيرغي غورياتشيف في الـ12 من يونيو 2023، في بريمورسك بمقاطعة زابورزجيا، بعد هجوم على مقره خلال الهجوم المضاد الأوكراني.
كذلك قتل نائب قائد المنطقة العسكرية الجنوبية، الفريق أوليغ تسوكوف، في الـ11 من يوليو 2023، خلال هجوم على مركز قيادة احتياط في بيرديانسك بأوكرانيا.
وقضى نائب قائد الفيلق الـ14، اللواء فلاديمير زافادسكي، نحبه في الـ28 من نوفمبر 2023 في منطقة خيرسون، نتيجة انفجار لغم أو قصف.
كما قتل اللواء إيغور تريفونوف، في الشرطة، في الـ12 من ديسمبر 2023.
وقتل اللواء المتقاعد أندريه جولوفاتسكي، في الـ30 من يونيو 2024.
وسقط اللواء في مصلحة الجمارك إيلدار سعيدوف، في الـ14 من سبتمبر (أيلول) 2024 بعد تجنيده في وحدة الهجوم العاصفة "Z".
ولقي قائد اللواء الخامس للحرس، اللواء بافيل كليمنكو، مصرعه في السادس من نوفمبر 2024.
وجرى اغتيال رئيس قوات الدفاع الإشعاعي والكيماوي والبيولوجي، الفريق أول إيغور كيريلوف، في الـ17 من ديسمبر 2024، بانفجار عبوة ناسفة قرب منزله في موسكو.
كذلك اغتيل اللواء كونستانتين سميشكو، في الـ26 من ديسمبر 2024 ولم يتم الكشف رسمياً عن ظروف وفاته، ولكن ربما كانت غارة جوية أو ضربة من النظام الصاروخي الأميركي "هيمارس".
وقتل نائب رئيس مديرية العمليات الرئيسة لهيئة الأركان العامة، الفريق ياروسلاف موسكاليك، في الـ25 من أبريل 2025، بانفجار على الأراضي الروسية.
ولقي نائب القائد العام للبحرية، اللواء في الحرس ميخائيل غودكوف، مصرعه في الثاني من يوليو 2025، خلال ضربة صاروخية، وقالت وزارة الدفاع الروسية إنه قتل "أثناء قيامه بمهمة قتالية".
رئيس مديرية التدريب العملياتي لهيئة الأركان العامة، الفريق أول فانيل سارفاروف، تم اغتياله في الـ22 من ديسمبر 2025، بتفجير سيارة مفخخة في موسكو.
وأصبح رئيس قسم التدريب العملياتي للقوات المسلحة الروسية، الفريق أول فانيل سارفاروف، الذي اغتيل في ديسمبر الماضي في موسكو، أحد أعلى الضباط العسكريين الروس رتبة الذين قتلوا بعمليات الاغتيال التي طاولت عدداً من الجنرالات الروس خلف الخطوط القتالية منذ بداية الحرب ضد أوكرانيا.
وأفادت وكالة الأنباء الروسية بأن سارفاروف أصبح أيضاً ثالث جنرال يقتل في العاصمة الروسية خلال عام ونصف العام، وفلاديمير أليكسييف رابع جنرال يتعرض للاغتيال.
وعلاوة على اغتيالات الجنرالات، يشير الصحافيون إلى أن آخر مرة تم فيها تفجير سيارة في موسكو كانت في الأول من ديسمبر الماضي، في محلة موسكوفسكي الواقعة في موسكو الجديدة، إذ انفجرت سيارة "لاند كروزر 200 برادو" تابعة لطبيب حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الفيزيائية والرياضية ومتخصص في الإلكترونيات الكمومية يعمل في معهد أبحاث روستيك.
وفي الـ22 من ديسمبر أفادت وسائل الإعلام الروسية بانفجار سيارة في موسكو، وذكرت أن سيارة "كيا سورينتو" انفجرت بعدما استقلها السائق وقادها لبضعة أمتار.
فشل استخباراتي
وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علناً اغتيال قائد قوات الدفاع الإشعاعي والكيماوي والبيولوجي التابعة للقوات المسلحة الروسية، الفريق إيغور كيريلوف، عام 2024 بأنه فشل ذريع في أجهزة الاستخبارات، معلقاً على سلسلة من محاولات الاغتيال وأعمال التخريب في المناطق الداخلية الروسية، كذلك أشار إلى مقتل داريا دوغينا، ابنة ألكسندر دوغين، أحد منظري حركة "العالم الروسي"، التي قتلت في تفجير سيارة مفخخة في أغسطس 2022.
وقال بوتين "هذه علامات على الطبيعة الإرهابية للنظام في كييف، لكن هذا يعني بالطبع أن أجهزة إنفاذ القانون والأمن المعنية لدينا تغفل هذه الهجمات، نحن في حاجة إلى تحسين هذا العمل ومنع مثل هذه الأخطاء الجسيمة".
وأفاد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف بأن "أجهزة الأمن تقوم حالياً بواجبها، وهي بطبيعة الحال ترفع تقاريرها إلى رئيس الدولة، ونتمنى للجنرال السلامة والشفاء العاجل، ونأمل في أن يتحقق ذلك. من الواضح أن مثل هؤلاء القادة العسكريين والمتخصصين ذوي الكفاءة العالية معرضون للخطر أثناء الحرب، ولكن ليس من شأن الكرملين مناقشة كيفية ضمان سلامتهم، فهذا شأن يخص أجهزة الأمن".
ووصف المحلل العسكري الروسي إيغور غيراسيموف مقتل فانيل سارفاروف بأنه عرض من أعراض فشل نظام الأمن الشخصي لكبار الضباط، وأكد أن الهيكل الأمني لكبار الضباط العسكريين لا يزال يفتقر إلى نظام حماية موحد، وأن الجنرالات أنفسهم غالباً "لا يهتمون بسلامتهم الشخصية"، على رغم أن هذا يجب أن يكون جزءاً من كفاءاتهم المهنية.
ويرى غيراسيموف أيضاً مشكلة أعمق تتمثل في أن القيادة العليا، على حد تعبيره، "لا تعتبر الجنرالات المعينين أشخاصاً ذوي قيمة خاصة للدولة"، مما يعكس أوجه قصور منهجية في تقييم الأخطار والتنظيم الأمني.
في الوقت نفسه باتت وسائل الإعلام الروسية الحكومية والتابعة لها تصف محاولات الاغتيال بصورة متزايدة بأنها جزء من "حرب تخريب" يستحيل فيها منع كل هجوم، وتؤكد هذه المنشورات أن أجهزة الاستخبارات تبلغ بانتظام عن إحباط هجمات إرهابية وعمليات تخريب، وأن الهجمات الناجحة لا تعزى إلى أزمة منهجية، بل إلى ظروف استثنائية ومستوى عالٍ من استعداد العدو.
فعلى سبيل المثال، في تحليل جريمة قتل الجنرال ياروسلاف موسكاليك، لوحظ أن هذه لم تكن ضحية عشوائية، بل هدفاً تم اختياره مسبقاً ومراقبته على مدى فترة طويلة، مما أدى إلى تحويل المسؤولية من "عمل الأجهزة الخاصة" إلى ممارسة حماية أفراد معينين وضعف مساراتهم اليومية.
وهكذا، حتى في الخطاب الروسي، لا يوجد تفسير واحد لما يحدث، فمحاولات الاغتيال تعتبر في الوقت نفسه عرضاً من أعراض الإخفاقات في نظام مكافحة التجسس، ونتيجة حتمية لحرب امتدت إلى ما وراء الجبهة وتوغلت عميقاً في المؤخرة.
وفي أكثر من مرة، أعلنت موسكو عن إحباط محاولات أوكرانية لاغتيال ضباط وقادة في الجيش الروسي في خضم الحرب مع أوكرانيا.
انتقادات شديدة اللهجة
خلال خطاب مسائي مصور في الخامس من فبراير، أي قبل ساعات من محاولة اغتيال الجنرال أليكسييف، اعتبر اللواء يفغيني خمارا في تقرير عن عمليات جهاز الأمن الأوكراني، أن "النتائج جيدة، وقد وافقت على العمل الجديد للجهاز، وسنواصل إضعاف العدو".
ونشر زعيم جماعة "آزوف" الأوكرانية المحظورة في روسيا دينيس بروكوبينكو، والملقب بـ"ريديس"، نصاً لمح فيه بوضوح إلى تورط كييف في محاولة اغتيال أليكسييف، وأطلق تهديدات متغطرسة، وقال "حتى لو نجا أليكسييف هذه المرة، فلن ينام بسلام أبداً، وسيأتي يوم تطوى فيه هذه الصفحة، لن يجد ملجأً أو أماناً تاماً في أي مكان على وجه الأرض أبداً، سيطاول الانتقام الجميع".
في الـ16 من ديسمبر الماضي، صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن الخسائر الشهرية للجيش الروسي تصل إلى نحو 30 ألف قتيل، وقال "دعونا نتذكر أن الخسائر التي لا يمكن تعويضها والخسائر الصحية للجيش الروسي خلال عام 2025 تعادل عدد 32 فرقة في الأقل، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الأوكرانية".
وكتب المراسل الحربي يوري كوتينوك تعليقاً على تواصل عمليات اغتيال الجنرالات الروس، قائلاً "ما زلنا نخوض هذه الحرب بطريقة غريبة، إذ لم نوقف بعد التوغل، أولاً وقبل كل شيء، على حدود روسيا، في عاصمتها ومدنها التي يزيد عدد سكانها على مليون نسمة، يستغل العدو هذا الوضع فيقضي بصورة منهجية على قيادة هيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع، وبخاصة الشخصيات الرئيسة التي لا تحظى بالحماية الكافية، للأسف، هذا أمر مفروغ منه، ولسبب ما لا نستطيع تغييره، كيف يعقل أن يحظى (النجوم) والنواب، الذين لا يمثلون أهمية تذكر للعدو (إن كانوا مهمين أصلاً) بحماية أفضل من الجنرالات؟ ففي نهاية المطاف، التهديد ليس بعيد المنال، ولا مبالغاً فيه، ولا مضخماً بصورة مصطنعة"، وأضاف "يعمل جهاز الأمن الأوكراني (SBU) وجهاز الاستخبارات الأوكراني (GUR) على نطاق واسع وشامل، يحاولون تجنيد الجميع - من الأطفال والطلاب إلى كبار السن الوحيدين والمشردين - ثم يقومون بفرز وتحديد أدوار لكل شخص يقع في هذه الشبكة، على سبيل المثال، من يرسل لإضرام النار في مكتب تجنيد عسكري، ومن يرسل بمسدس إلى مدخل شقة جنرال روسي، ونحن نتحدث فقط عن العملاء الذين تم تجنيدهم على الفور، من دون احتساب مجموعات التخريب والاستطلاع الأوكرانية والخلايا النائمة المنتشرة في روسيا، التي تنتظر فرصتها".
وختم "سؤال مهم إن لم يكن جوهرياً: لماذا لا يوفر لنائب رئيس المديرية العامة للاستخبارات العسكرية الروسية، وهو بطل من أبطال روسيا، وجنرال يعد من بين أعلى خمسة قادة في وزارة الدفاع، حماية كافية تسمح بإنشاء محيط أمني؟ ولماذا يثار هذا السؤال أصلاً بعد أربعة أعوام من العملية الخاصة في أوكرانيا؟ وأخيراً، لماذا لا نهاجم القيادة العسكرية للعدو؟ ألا نستطيع، أم أننا لا نحاول؟ أم أن هناك وقفاً موقتاً لمثل هذه العمليات، كما اقترح؟ أكرر، هذه حرب، خط المواجهة يمتد بالفعل عبر مدننا ومنازلنا ومداخلنا، لقد وجه إلينا التحدي، وما زلنا نتظاهر بتجاهله، عاجزين عن الرد بالشكل المناسب".
وانتقد المراقب العسكري في صحيفة "كي بي"، الوضع فكتب "شبكة إرهابية أوكرانية تتعقب بنشاط الجنرالات الذين لا يتمتعون بحماية كافية، هذا يحزنني، لم نفعل شيئاً لحمايتهم، كان بإمكانهم العيش في المقر الرئيس خلال الحرب. الحقيقة هي أن موسكو تعج بالإرهابيين، نحن في حاجة إلى حماية جنرالاتنا".
يعتبر المحللون العسكريون في العاصمة الروسية أن مقتل كثير من خيرة الجنرالات الروس خلال الصراع في أوكرانيا يجمع بين عناصر الحرب الهجينة والضربات الانتقامية الدقيقة، ويعود ذلك إلى تفوق الاستخبارات الأوكرانية بفضل المساعدات الغربية، والعمل النشط لأجهزتها الاستخباراتية مما يجعل كبار ضباط القيادة هدفاً سهلاً.
ويوجز هؤلاء الجوانب الرئيسة للحرب الهجينة المدفوعة بغريزة الانتقام على النحو التالي:
الحرب الهجينة (الهدف التكتيكي): يهدف اغتيال الجنرالات إلى تعطيل القيادة، وخفض معنويات القوات، وتعطيل الإمدادات اللوجيستية، هذه ضربات دقيقة غالباً ما تستند إلى معلومات استخباراتية.
"الانتقام" أو استعراض القوة (عامل نفسي): إن ارتفاع مستوى الخسائر بين الجنرالات، وهو أمر غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، يعمل كضغط نفسي، مما يدل على ضعف القيادة، الذي يمكن تفسيره على أنه عمل انتقامي.
الحرب الهجينة لضرب "مركز الدماغ": في الأعوام الأخيرة (2024- 2026) تحول التركيز من الخسائر في الخطوط الأمامية إلى عمليات التصفية المستهدفة في المناطق الخلفية بما في ذلك موسكو، وينظر إلى هذا على أنه جزء من استراتيجية طويلة الأمد لزعزعة استقرار قيادة الجيش وسيطرته.
الهدف: القضاء على الضباط الرفيعي المستوى المسؤولين عن تخطيط وإعداد العمليات التي تستهدف "القمة التي لا يمكن الوصول إليها" (هيئة الأركان العامة)، مما يقوض الثقة في النظام الأمني داخل البلاد.
وتشير تقديرات الاستخبارات الروسية إلى أن الخسائر من الاغتيالات في الداخل كانت نتيجة استطلاع فعال، أما قتل الجنرالات على خط الجبهة فتمت بضربات صاروخية دقيقة، مما يجعلها جزءاً من عمل عسكري.
مقتل الجنرالات الروس ليس مجرد إحصاءات خسائر جافة، بل عملية معقدة متشابكة مع واقع الخطوط الأمامية والتخريب الممنهج والسياسة الداخلية.
خلاصة القول: إذا كان الجنرالات في المرحلة الأولى من الحرب يقتلون في المقام الأول على خطوط المواجهة بسبب مشكلات الاتصال والحاجة إلى الوجود الشخصي في المعركة، فإن الموجة الحالية من الاغتيالات في عامي 2025 - 2026 هي حرب هجينة كلاسيكية، إذ يصبح العمق الخلفي منطقة عمليات قتالية نشطة لأجهزة الاستخبارات ووكلائها وعملائها.