ملخص
ليست الضفيرة تفصيلاً جمالياً بريئاً في تاريخ النساء، وهي تقنية لضبط الشعر، لكنها عبر قرون تحولت إلى نظام علامات، تُقرأ منها الهوية، والمكانة، والحالة الاجتماعية، وأحياناً، حدود المسموح للمرأة داخل مجتمعها. ورمزية الضفيرة تاريخياً أعمق بكثير من كونها تسريحة شعر، إذ كانت لغة اجتماعية وثقافية تُقرأ منها الهوية والمكانة والمعنى الروحي.
خلال المعارك التي جرت بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، في يناير (كانون الثاني) الماضي، أثار مقطع فيديو لرجل مسلح يتباهى بضفيرة شعر مقصوصة، تعود لمقاتلة كردية قتلت في معارك الرقة، جدلاً واسعاً وموجة من التفاعل والتضامن مع "الأكراد كقضية".
يقول المقاتل في مقطع الفيديو الذي انتشر بصورة واسعة على وسائل التواصل والإعلام المرئي، "جلبنا لك شعر هافالة (رفيقة)"، وعندما يسأله مصور الفيديو عن سبب قصه شعرها، يقول "هي رايحة رايحة (ميتة بكل الأحوال)".
وسرعان ما خرجت الضفيرة من إطار الصدمة إلى فضاء الفعل، وتحولت على منصات التواصل الاجتماعي، إلى لغة احتجاج بصرية، وتكاثف انتشار ما عُرف بترند "ضفائر الكرديات" بوصفه رداً جماعياً مباشراً على مشهد قُرئ كردياً باعتباره اعتداءً على الكرامة قبل أن يكون اعتداءً على الجسد.
ولم يُستقبل الفيديو على أنه واقعة فردية أو تصرف معزول، بل كرسالة استخفاف متعمدة بقدسية المرأة الكردية ومكانتها الرمزية داخل المجتمع.
الضفيرة علامة هوية
وفي الوعي الثقافي الكردي لا تُختزل الضفيرة في بعدها الجمالي، إنها علامة هوية، وامتداد للكرامة، وتاريخ متراكم من الصمود والمقاومة، لذلك بدا قصها وكأنه فعل إهانة مركبة، تمس المرأة والجماعة في آنٍ واحد، وتستفز ذاكرة جماعية ترى في الشعر المضفر جزءاً من سرديتها عن الذات والكرامة والبقاء.
ولم يتعامل الفضاء الرقمي مع مشهد الضفيرة كـ"غنيمة" أو علامة تفوّق، بوصفه لقطة صادمة وحسب، بل بوصفه رسالة سياسية مكتملة، إذلال مُتعمد يُحول جسد المرأة إلى ساحة عرض، وهوية الكرد إلى مادة تشفٍ، هنا لم تعد الضفيرة تفصيلاً أنثوياً، صارت "وثيقة عنف" تُترجم بسرعة إلى سرديات أكبر، انتقام، وتطهير رمزي، وكسر كبرياء جماعة عبر امرأة واحدة، ولهذا انفجر التفاعل فوراً غضباً عابراً للحدود، وموجة تضامن كثيفة، لأن ما جرى بدا كأنه محاولة لفرض سلطة لا تكتفي بالقتل، بل تريد تسجيل الإهانة ونشرها، وكأن الرعب نفسه صار محتوى.
والتقطت منصات التواصل المعنى قبل الحدث، وانتقلت اللقطة من "فيديو" إلى رمز، وخلال ساعات ظهرت ردود فعل تتدرج من الصدمة إلى تنظيم الاحتجاج، حملات تضفير جماعية، وصور وفيديوهات لنساء يجدلن شعورهن كفعل تحد بصري، وشعارات من نوع "بدل ضفيرة… ستنبت آلاف وملايين الضفائر"، وكأن الفكرة الأساسية هي قلب المعادلة، أي تحويل ما أُريد له أن يكون علامة كسر إلى علامة تكاثر وصمود، هذا النوع من الاحتجاج السهل التكرار، انتشر بسرعة لأنه لا يحتاج إلى حزب ولا بيان يكفي جسد واحد وكاميرا واحدة ليتحول إلى موجة.
في المقابل، اشتغل الإعلام على المشهد بمنطقين متوازيين، منطق الفجيعة أي تثبيت الواقعة كبشاعة أخلاقية، ومنطق التدقيق أي محاولات التثبت من الهوية والملابسات وسط سيل إعادة النشر.
وعلى المنصات، توازت موجة التضامن مع موجة تشخيص للفاعل، وتداول اسمه وصورته، وجدل حول انتمائه، ومحاولات لتبرير ما لا يُبرر عبر ادعاءات من نوع "مزحة" أو "شعر اصطناعي"، وهي تبريرات كشفت، أكثر مما أخفت، أي طبيعة المعركة، وهي معركة على المعنى بقدر ما هي على الواقعة، لأن الاعتراف بأن الضفيرة حقيقية يعني الاعتراف بأن الإهانة مقصودة، وإنكارها يعني محاولة إنقاذ صورة القوة من فضيحة السادية العلنية.
رمزية الضفيرة تاريخياً من "زينة" إلى لغة هوية وسلطة
في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وبعد مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني (22 سنة)، وذلك بعد ثلاثة أيام من توقيفها في طهران من قبل "شرطة الأخلاق" على خلفية عدم التزامها بمعايير ارتداء الحجاب، أشعلت موجة احتجاجات إيران، ونُظمت مسيرات تضامن مع النساء الإيرانيات في دول عدة، أطلقت حينها نجمات فرنسيات مبادرة لدعم النساء الإيرانيات، وقصت الكثير من الممثلات والمغنيات شعورهن تعبيراً عن تضامنهن مع هذه التحركات الاحتجاجية، ودعا نحو ألف من شخصيات الفن السابع في فرنسا إلى "دعم انتفاضة النساء في إيران"، تضامناً مع نساء إيرانيات قمن بقص شعرهن وحرقه أيضاً، في ذلك الوقت.
فما سر "الضفيرة"؟
ليست الضفيرة تفصيلاً جمالياً بريئاً في تاريخ النساء، وهي تقنية ضبط للشعر، لكنها عبر قرون تحولت إلى نظام علامات، تُقرأ منها الهوية، والمكانة، والحالة الاجتماعية، وأحياناً، حدود المسموح للمرأة داخل مجتمعها.
ورمزية الضفيرة تاريخياً أعمق بكثير من كونها تسريحة شعر، كانت لغة اجتماعية وثقافية تُقرأ منها الهوية والمكانة والمعنى الروحي.
كانت الضفيرة بطاقة تعريف صامتة، وتشير إلى القبيلة، والعرق، أو الجماعة، وفي ثقافات أفريقية وأميركية أصلية، يحدد شكل الضفيرة وعددها واتجاهها، الانتماء بدقة، وربط الشعر وتنظيمه رمز لضبط الذات والعقل، ولذلك اقترنت الضفيرة بالحكمة والانضباط، خصوصاً لدى النساء والكهنة والمحاربين، وفي الأساطير يُعتبر الشَعْر مصدر قوة، والضفيرة تجمع هذه القوة وتمنع تبددها، لدى الفايكنغ مثلاً، كانت ضفائر المحاربين دلالة استعداد وصلابة.
والضفيرة الطويلة رمز الشباب والخصوبة، ومرتبطة بدورات الحياة والقدرة على العطاء، ففي أوروبا الشرقية وآسيا مثلاً، ضفيرة واحدة تعني العذرية، والضفيرتان تعنيان امرأة متزوجة، وتُقص أو تُفك الضفيرة في لحظات مفصلية، أي عند الزواج، أو الحداد، أو البلوغ، أو نذر ديني، والتغيير في الضفيرة إعلان انتقال من مرحلة إلى أخرى.
وفي تقاليد دينية، عدم قص الشعر أو تجديله بصورة محددة، علامة عهد روحي أو تكريس، وفي فترات القمع، صارت الضفيرة فعل تحد وحفظ للهوية، وكانت تُخبأ فيها خرائط أو بذور أو رسائل.
سردية كاملة تُحمل على الرأس
وعلى المستوى الرمزي، قامت الضفيرة على ثلاث طبقات ثابتة تاريخياً، أولها، ربط الفوضى بالنظام، لأن الشعر المنفلت ارتبط في كثير من الثقافات بمعاني الفوضى والانكشاف واللاانضباط، بينما الضفيرة تعني "أنا مُتماسكة، مُنظمة، أملك نفسي"، وهذا بالذات يجعلها أقرب إلى إعلان سيطرة أكثر من كونها زينة.
الثانية، تحويل الجسد إلى شيفرة اجتماعية، عدد الضفائر، واتجاهها، وشدها، وطولها، وطريقة تثبيتها، كلها كانت، ولا تزال تقول شيئاً عن المرأة، هل هي على العتبة أم داخل المؤسسة، البيت والعشيرة والدين والقانون العرفي.
وفي أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى مثلاً، بقيت حتى فترات قريبة دلالات واضحة تربط ضفيرة واحدة وضفيرتين بالحالة الاجتماعية.
والثالثة، حفظ القوة داخل الشكل، فمنطق الضفيرة وكأنه جمع الخيوط في حزمة واحدة، لذا كثيراً ما ارتبطت بفكرة حفظ الطاقة والكرامة والبركة، خصوصاً حين يُنظر للشعر كامتداد للروح أو كخزان للهوية.
جزء من صورة العائلة وسمعتها
ففي الثقافة الروسية والسلافية لم تكن الضفيرة يوماً تفصيلاً جمالياً عابراً، بل علامة اجتماعية دقيقة تُقرأ منها مكانة المرأة، وعمرها، ووضعها العاطفي، وحتى حدود المسموح لها في الفضاء العام.
وفي القرى الروسية، كانت الضفيرة الواحدة الطويلة رمز الفتاة غير المتزوجة، وكلما كانت الضفيرة أطول وأكثر عناية، دلت على الشباب، والعفة، والاستعداد للزواج. ولم تكن ملكاً خاصاً بالمعنى الحديث، بل كانت جزءاً من صورة العائلة وسمعتها، ولهذا السبب كان العبث بضفيرة فتاة أو قصها أو شدها أو كشفها علناً، يُعد إهانة مباشرة للشرف، لا للفتاة وحدها بل لأهلها.
أما الانتقال من ضفيرة إلى اثنتين فكان حدثاً مفصلياً، ذلك أنه وفي ليلة الزفاف، تُفك الضفيرة الواحدة ويعاد ضفرها بصورة مزدوجة، ثم تُغطى بقبعة قماشية مزركشة خاصة لمناسبات كهذه، هذا الطقس لم يكن مجرد احتفال بل كان إعلاناً اجتماعياً أن المرأة انتقلت من فضاء الفتاة الحرة إلى فضاء الزوجة، ومن الفردية إلى الانتماء العائلي.
هنا تصبح الضفيرة وثيقة انتقال، وليست زينة، لهذا لم يكن مستغرباً أن يتحول قص الشعر قسراً في مراحل لاحقة من التاريخ الروسي إلى أداة إذلال اجتماعي، خصوصاً في فترات العقاب أو التفكك السياسي، لأن قص الضفيرة لا يغير الشكل فقط، بل يمحو الشيفرة الاجتماعية التي تحملها المرأة على رأسها، ولعل أهم دور لضفيرة الشعر عند النساء في القبائل الروسية القديمة هو اعتقادهن بأنها تحمي من السحر ومن الساحرات الشريرات.
وفي هذا السياق، كان كشف الشعر أو فكه يحمل دلالات سلبية قوية، فالشعر المنفلت ارتبط بالحزن، والفوضى، أو الفقد. وفي الحِداد، كانت النساء يفككن ضفائرهن كإشارة مرئية لانكسار النظام الداخلي، وكأن الضفيرة تمثل التماسك، وفكها يعني أن العالم لم يعد في مكانه الطبيعي، حتى في الفولكلور الشعبي تظهر الضفيرة كامتداد للروح الأنثوية، وفي الأغاني تُشبه الضفيرة بالطريق أو النهر أو الخيط الذي يربط المرأة بمصيرها، وقطعها في الحكايات غالباً ما يسبق مصيبة، أو يُستخدم كفعل عقاب أو انتزاع للهوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تاريخية التعرض لشعر النساء كأداة إذلال، من الحرق إلى القص، ومن العقاب إلى الاحتجاج
لم يكن يوماً التعرض لشعر المرأة فعلاً عفوياً أو تفصيلاً شكلياً، وعبر التاريخ، كان الشعر ساحة رمزية جاهزة للإذلال العلني، لأنه يقع في المنطقة الحساسة بين الجسد والهوية، بين الخاص والعام، لذا فإن قصه أو حرقه أو تشويهه أو عرضه كغنيمة لم يكن يستهدف المظهر، بل كسر المعنى، أي كسر الأنوثة والكرامة والاستقلال الرمزي للمرأة.
ومنذ العصور الوسطى، استقر في الوعي الجمعي أن السيطرة على شعر المرأة تعني السيطرة عليها نفسها.
ومن جان دارك إلى ساحرات القرون الوسطى، عومل الشعر كدليل إدانة، وحين جرى أسر القديسة والمحاربة الفرنسية جان دارك، قام الحراس بحلق رأسها بالكامل قبيل إعدامها حرقاً عام 1431، الأمر ذاته تكرر مع ساحرات القرون الوسطى، إذ كان يُنظر للشعر الطويل كمصدر قوة خفية، وكعلامة اتصال بالطبيعة أو بالشيطان، بحسب المخيال الديني السائد، لذلك كان يُقص أو يُحرق قبل الإعدام، في طقس يهدف إلى نزع القوة قبل نزع الحياة.
شعر النساء مسرح للانتقام
وفي مراحل لاحقة، خصوصاً في أوروبا القرن الـ20، استُخدم قص شعر النساء كعقاب جماعي علني، والنساء اللواتي اتُهمن بالخيانة أو العلاقات مع العدو جرى حلق رؤوسهن في الساحات العامة.
لم يكن الهدف العدالة، بل التشهير وتحويل المرأة إلى لوحة تحذير، إذ إن الرأس الحليق يقول هذه خرجت عن الجماعة، فجردناها من أنوثتها أمام الجميع.
هنا يتكرس منطق خطر، لأن الجسد الأنثوي يُستخدم لتفريغ غضب المجتمع، ولأنه الأسهل انتهاكاً والأكثر تأثيراً بصرياً.
لماذا الشعر تحديداً؟
لأنه قابل للقص فوراً، ولأنه مرئي، ولأنه مرتبط تاريخياً بالشرف والأنوثة والهوية، والتعرض له لا يحتاج إلى سلاح، لكنه يُحدث أثراً يشبه الضربة المعنوية القاتلة، لذلك ظل حاضراً في كل لحظات الانكسار الكبرى، احتلال أو هزيمة أو محاكم تفتيش وحروب أهلية.
الانقلاب الرمزي
في العصر الحديث، حدث تحول بالغ الدلالة، بدأت المرأة تستعيد السيطرة على الرمز، وقص الشعر لم يعد دائماً عقاباً مفروضاً من سلطة، بل أصبح فعلاً إرادياً واحتجاجياً أو حدادياً.
وفي لحظات القمع، تقص النساء شعرهن ليقلن، لن تملكوا هذا الجسد، حتى حين تعتقدون أنكم تملكون كل شيء، وهذا ما حدث في إيران بعد مقتل مهسا أميني حيث أقدمت نساء على قص شعرهن أمام الكاميرات.
هذا التحول جوهري، حين يستخدم الرمز ذاته، لكن المعنى انقلب، وما كان إذلالاً صار لغة مقاومة، واليوم حين نرى نساء يقصصن شعرهن في الشارع أو أمام الكاميرا، نحن أمام فعل سياسي بامتياز، حتى لو لم يُعلن كذلك، هو استعادة لحق طالما انتُزع بالقوة، حق المرأة في أن تقرر متى يكون شعرها زينة، ومتى يكون سلاحاً، ومتى يكون حداداً.
وثيقة اجتماعية
وعبر التاريخ، شكلت الضفيرة أكثر من مجرد تسريحة شعر، كانت لغة رمزية ثابتة تُقرأ منها الأنوثة والهوية والمكانة الاجتماعية وحدود المسموح والمحرم، وفي معظم الثقافات مثلت الضفيرة فعل ضبطٍ للشعر، ومن ثم ضبط للجسد والذات، مما جعلها علامة على النظام والانتماء والسيطرة على الفوضى الكامنة في الجسد الإنساني.
وارتبطت الضفيرة بالأنوثة المحمية لا المستباحة، وبالشرف الجمعي لا بالاختيار الفردي فقط، عددها، شكلها، وطريقة ارتدائها حملت دلالات دقيقة تتعلق بالعمر والحالة الاجتماعية والطقوس الانتقالية، لذلك، لم تكن الضفيرة زينة محايدة، بل وثيقة اجتماعية صامتة، وتاريخ التعرض لشعر النساء هو تاريخ محاولة السيطرة على الجسد الأنثوي عبر الرمز لا العنف فقط، لكن التاريخ نفسه يُظهر أن الرمز قابل للاسترداد.