ملخص
يعرض النص كتاب "حفريات في الذاكرة" لمحمد عابد الجابري بوصفه سيرة ذاتية مختلفة، يرويها عبر شخصية "صاحبنا"، مبتعداً من الأنا المباشرة لمصلحة منظور نقدي وأنثروبولوجي. والكتاب ليس مجرد ذكريات شخصية، بل شهادة صادقة على تجربة جيل كامل ومفتاح لفهم مشروعه الفكري اللاحق.
تنتشر كتب المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في أوساط المثقفين العرب انتشاراً يمكن القول إنه لم تسبقه إليه أية كتب فكرية عربية أخرى. في هذا المعنى يمكن القول إن الجابري هو الأكثر مقروئية من بين كتاب هذا اللون الفكري، من دون أن يعني هذا، بالطبع، حكماً قيمياً على أعماله، إذ نعرف أنه من النادر أن يكون ثمة رابط بين انتشار كاتب ما ومستوى عمله، أو حتى مستوى تأثيره. ومن هنا يبقى هذا المفكر المغربي الكبير موضع نقاش وأخذ ورد ازدادا كثيراً منذ رحيله المؤسف. ولئن تميز أسلوب الجابري، حتى في كتبه الفكريه الأكثر تعقيداً والأعمق فكراً، بجزالة مؤكدة تجعل قراءته ممتعة إلى فائدتها، وتسهل انتشار أفكاره، فإن ثمة من بين كتبه واحداً، قد لا يكون أشهرها أو أكثرها انتشاراً في الأوساط الأكاديمية في الأقل، وهو كتاب يحمل جزءاً من ذكرياته يشمل أعوام الطفولة والشباب المبكر، لسنا ندري ما إذا كان استكمله، حتى إن كنا نعرف أنه أصدر لاحقاً من بعده غير كتاب فكري وتاريخي وسياسي يمكن في شكل أو آخر اعتباره استكمالاً لتلك المذكرات. الكتاب الذي نتحدث عنه هنا عنوانه "حفريات في الذاكرة، من بعيد" وهو صدر عام 1997، في الطبعة التي يجري تداولها حالياً، مما يعني أنه كان لدى الجابري وقت كافٍ لاستكماله، غير أن الأمر ليس هنا، الأمر هو أن أسلوب الجابري في هذا الكتاب، بل موضوعه أيضاً، قد يقف على تناقض تام مع الصرامة العقلية والموضوعية الحاسمة التي طبعت أسلوبه في كتبه الأخرى، بما فيها الكتب الأكثر سجالية مثل رباعيته حول نقد العقل العربي.
في صيغة "الغائب"
"إن كاتب هذه السطور يشعر، حينما يلتفت وراءه ويجول ببصره وبصيرته بعيداً من حاضره، يشعر وكأن... السنين الستين التي مرت من حياته أشبه ما تكون فعلاً بنهر... نهر يمتد نبعه بعيداً من منتصف الثلاثينات من هذا القرن العشرين حيث يتصل بروافد آتية من مسافات أبعد تنقل إليه ابتسامات وانطباعات وتوضيحات اندمجت بصورة أو بأخرى في مجراه الخاص الذي يتسع حيناً ويضيق حيناً، يفيض ماء تارة ويجف أخرى..."، بهذه العبارات يقدم الجابري لكتابه ومع هذا كله، لافت في هذا الكتاب أن مؤلفه، وعلى رغم حميمية الموضوع، ينحو فيه نحو طه حسين وزكي نجيب محمود، حين حاولا وصف أعوام الطفولة والشباب، فسجل كل منهما نصه على لسان راوٍ سماه كل واحد "صاحبنا"، بمعنى أن حكاية الطفولة والشباب الحميمية صارت حكاية شخص ثالث تُروى بلسان الشخص الذي صاره في مكتهل العمر. ومن هنا، فإن "بطل" هذا الكتاب، إنما هو "صاحبنا" الذي يصف الجابري ولادته وتربيته ومدرسته وعلاقته بأهله وتنقله من قرية إلى مدينة ومن مدينة إلى أخرى، على وقع سيرة حياة لا يمكن وصفها بالعادية بأية حال من الأحوال. ومهما يكُن، وعلى رغم أن المشروع كان يفترض أن يكتمل في ثلاثة أجزاء انتهى على جزء وحيد، فإن هذا الجزء المكتمل هنا، بأسلوبه وحكايته والحنين الذي يعبق به، يمكن أن يُقرأ وحده لأن فيه أوضح بوح كان يمكن لمفكر عربي من طينة الجابري أن يصل إليه. ويمكن أن يُقرأ وحده أيضاً لأسباب أخرى، لا تتعلق بفضول القارئ لمعرفة كيف كانت طفولة الجابري، وكيف تكوّن وانطلق من بلدته الصغيرة في أقاصي الريف المغربي ليصبح واحداً من أبرز العقول العربية أواخر القرن الـ20.
بوح متنقل بين المدن
لكن الكتاب يقرأ أيضاً لأن الجابري، وهو يروي سنواته الأولى، نظر إلى ذاته وإلى جذوره ومسقطه، ثم لاحقاً إلى المدن الأخرى التي تنقل بينها من وجدة إلى الدار البيضاء إلى الرباط وصولاً إلى دمشق عاصمة سوريا حيث عاش طالباً خلال أزهى أعوام المد القومي العربي الذي سيظل حلماً في ذهنه حتى نهاية أيامه، حلماً نجد هنا في هذا الكتاب جذوره التي جعلت مفكراً عقلانياً كبيراً يسخر أفكاره المتقدمة ومعارفه الواسعة من أجل إلباسه على الدوام ثوباً قشيباً، نظرة أنثروبولوجية مدهشة. ولعل هذا ما يميز حقاً سيرة الجابري الذاتية هذه عن عدد كبير من كتب السيرة الذاتية التي وضعها مفكرون عرب كبار، من طه حسين إلى عبدالرحمن بدوي ومن أحمد أمين إلى زكي نجيب محمود. فهنا، في"حفريات" الجابري، تمثل الغياب، الظاهر في الأقل، في لعبة التركيز على "الأنا"، في وضع لهذه "الأنا" داخل البيئة والزمان، مغلباً هذا الإطار "الخارجي" على السياق الداخلي للبوح. فهنا، حتى إن كان كل شيء لديه ينطلق من هذه الذات التي يروي حكايتها، فإن كل شيء يغيب في ما يحيط بهذه الذات، فلا تكون هذه في النهاية سوى محرك لسرد يروي طفولة قرية، وعلاقة صبي بأمه وعلاقة الأم بأهلها وغياب الأب وشظف العيش في تلك البقعة الضائعة في أقصى أقاصي الشرق المغربي. ومن ثم يكون التوقف عند تفاصيل الحياة الاجتماعية والتنافس"القبلي" والعائلي داخل البلدة وبين البلدات المتجاورة، والهجرة إلى مدن جزائرية أو مغربية قريبة حيث إمكان العمل، ومن ثم فرص الدراسة والأساتذة الأول، وبدايات تكوّن الوعي الاجتماعي ومن ثم الوعي السياسي.
من العالم إلى المشرق
يتوقف الكتاب عند هذا كله بالتدريج ثم بالتوسع، من بيت صغير ومشهد أم في بلدة صغيرة هي فجيج، وصولاً إلى عالم أكثر اتساعاً يمتد من المدن المغربية الأخرى التي درس الجابري صاحبنا، في الكتاب فيها وبدأ ينظر إلى العالم، وصولاً إلى المشرق العربي الذي كانت آيته ورمزه، بالنسبة إليه، دمشق. ولعل أجمل ما في أسلوب الجابري خلال هذا السرد أنه يتعامل فيه وكأن العالم بحيرة، نراها من بعيد مسطحة جامدة، ثم تأتي السيرة المستعادة، بحنين أو من دون حنين، لتبدو وكأنها حجر يُلقى فيها فتتسع الدوائر، وتتموج كل دائرة عبر ذلك الاتساع متيحة للكاتب أن يستعيد بالتدريج ذكريات تُسرد منفتحة أكثر وأكثر على العالم، مما يجعل القارئ يشعر بأن الكاتب يلعب أمامه لعبة مدهشة، يسخر تلك الذات وذلك الحنين من أجل ترسيخ ذلك البعد الأنثروبولوجي والمعرفي في تعاطيه مع"اكتشاف العالم" عبر "مرشح الذات"، مما يعني أن القارئ يشعر بأن الكاتب نصب له فخاً، ليوصله إلى إشراكه في ذلك الاكتشاف، كما لو أن كل هذا النص ليس أكثر من توجيه للقارئ، كي يقرأ أفكار الجابري كما راحت تبدو لاحقاً في كتبه. فهل نصل انطلاقاً من هنا إلى القول إن المرء منذ قراءته "حفريات من الذاكرة" يصبح مضطراً إلى التفاعل بصورة مختلفة حتى مع كتب ودراسات الجابري حول ابن خلدون أطروحته للدكتوراه، وحول التراث والحداثة ونقد العقل العربي؟ ربما يبدو طرح هذا السؤال فعالياً بعض الشيء، غير أن نصوصاً لاحقة كتبها الجابري وركز في معظم صفحاتها على مراحل لاحقة من حياته وعلاقته بالاتحاد الاشتراكي وعمر بنجلون والمهدي بن بركة وبقية القيادات الوطنية المغربية، وعمله في الصحافة الحزبية... وما إلى ذلك، هذه النصوص تؤكد لنا أن الجابري إنما كان يسخر كل نص يكتبه لتوضيح مشروعه الفكري، وهو مشروع مثير للسجال على أهميته وقوة محاججاته.
الحياد المستحيل
وفي هذا الإطار قد يبدو مفيداً أن ننقل عن الراحل الجابري ما قاله حين سئل عن هذا الكتاب وعما إذا كان موضوعياً ومحايداً في التأريخ لوقائع حياته الشخصية زمن الطفولة؟ فأتت الإجابة "أما أن أكون محايداً وموضوعياً، فهذا ما لا أستطيع تأكيده... الأهم من هذا بالنسبة إلي هو الصدق. وأعتقد بأنني لم أكتب عن حياتي الشخصية وحدها بل عن حياة جيل بكامله، الجيل الذي أنا فرد منه وعاش معي وعشت معه حياة مشتركة، سواء في فجيج، في السارع أو في المسيد أو المدرسة أو في الدار البيضاء ودمشق بعد ذلك... وأستطيع ان أؤكد أنني لم أصدر عن تصور مسبق لا بخصوص الموضوع ولا بخصوص المنهج، وإنما صدرت عن عفوية وسليقة، أي من دون تكلف، من دون أن أحمل نفسي حملاً على الخوض في موضوع معين أو اتباع أسلوب معين. ولكن العفوية والسليقة لا تعنيان بحال من الأحوال التحرر ولا التنكر ولا الهرب مما يشكل جزءاً من شخصية الإنسان".