Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يبقى من يوسف شاهين في الوعي الثقافي العربي الجديد؟

المخرج الرائد لا يختصر بلائحة أفلامه وباريس تعيد عرض "المصير" بنسخة جديدة

فيلم "باب الحديد" ليوسف شاهين (ملف الفيلم)

ملخص

في مئوية يوسف شاهين المولود في 25 يناير، لحظة انتفضت فيها مصر، لا يعود سؤال "ماذا أنجز المخرج العربي الأشهر؟" ملحاً، بقدر رغبتنا في معرفة "ماذا بقي منه في وعينا الثقافي؟ وكيف ما زالت تجربته قادرة على مساءلتنا بعد قرن على ميلاده وأكثر من 75 سنة على بداياته؟. هذه المئوية تحتفي بها باريس فتعيد عرض فيلمه الشهير "المصير" في الصالات، بعدما تم ترميم بعض لقطاته.

ليس يوسف شاهين اسماً عابراً يُستعَاد في مناسبات تذكارية، ولا فناناً يمكن اختزاله في لائحة أفلام أو جوائز دولية، إنه تجربة مركّبة وتفاعلية، تشكّل واحدة من أجمل المغامرات في تاريخ السينما المصرية والعربية، وقد نعود إليه وإلى أفلامه مرات ومرات من دون ملل أو تكرار. 

منذ بداياته، تعامل شاهين مع السينما كامتداد لحياته وتأملاته، وكأنه لم يكن يرى فاصلاً فعلياً بين ما يعيشه وما يصوّره، بين الخاص والعام، بين الأحداث الشخصية والتاريخية، وبين الذات والآخر. لذلك، يصعب النظر إلى أفلامه كأعمال منفصلة عن سياقها الزمني الذي تموضع في الوجدان المصري. أفلامه أشبه بفصول طويلة في سيرة واحدة، تتقدّم وتتعثّر، قبل أن تعيد النظر في نفسها. 

يتحدر شاهين من الإسكندرية، تلك المدينة المتوسطية التي ستغدو لاحقاً مسرحاً لأحداث بعض أفلامه وفضاءً رمزياً لهويته المركّبة. فهو لبناني الأصول، إسكندراني الانتماء، فرنكوفوني الثقافة، عربي الهمّ، وكوزموبوليتي المزاج، اجتمعت فيه هويات متعددة لم يرَ فيها أي تناقض، بل مادة خصبة للخلق وإعادة الخلق. هذه التعدّدية شكّلت جوهر رؤيته للعالم، وللسينما كلغة قادرة على احتواء الاختلاف.

في أميركا حيث درس السينما، أتيح له الاطلاع على أساليب حديثة في الإخراج والأداء. أدرك مبكراً أن طموحه لا يكمن حصره في التمثيل، وإنما في السيطرة الكاملة على بناء الصورة. عاد إلى مصر وهو يحمل حلماً نهضوياً يشبه، في جوهره، حلم روّاد التحديث الأوائل. والسؤال دائماً: كيف يمكن أن نأخذ من الآخر أدواته، من دون أن نفقد صوتنا؟

المكان والإنسان

أنجز فيلمه الأول "بابا أمين" (1950) في سن مبكرة. أفلامه الأولى سرعان ما كشفت عن حساسية مختلفة تجاه المكان والإنسان. في "ابن النيل"، لم يكن الريف مجرد خلفية شاعرية، بقدر ما جاء مسرحاً للصراع النفسي والاجتماعي، حيث يتجسّد التمزّق بين الطموح الفردي والانتماء الجمعي. منذ ذلك الوقت، صار المكان في سينما شاهين عنصراً دلالياً. انحاز إلى المهمّشين، ووجّه نقداً واضحاً للبورجوازية والإقطاع. لكن هذا الانحياز لم يكن مجرد أيديولوجيا شعاراتية جامدة، إذ قام على تفكيك العلاقات السلطوية داخل المجتمع. جاء "صراع في الوادي" ليؤسس لهذا الخط، قبل أن يبلغ ذروة جمالية وفكرية في "باب الحديد"، الفيلم الذي مثّل قطيعة حقيقية مع السائد في السينما العربية.

في "باب الحديد"، قدّم شاهين واحداً من أكثر الشخصيات حضوراً في ذاكرة السينما العربية: قناوي. جسّد بنفسه هذا الكائن المعذّب، المشوّه، المقموع، ودفع المتفرّج إلى موقع أخلاقي، حيث يصبح التعاطف مع المنبوذ اختباراً للإنسانية ذاتها. كسر ثنائية الخير والشر، واضعاً المُشاهد داخل منطقة رمادية.

في مجمل فترات حياته، لم يقف خارج التاريخ مكتوف اليدين ومنتظراً مَن سينتصر ومن سيُهزم. صوّر الثورة الجزائرية في "جميلة"، واشتغل على الحلم القومي في "الناصر صلاح الدين". غير أن هزيمة 1967 شكّلت شرخاً عميقاً في رؤيته، ودفعته إلى مراجعة جذرية لفكرة المشروع القومي نفسها.

في "الأرض"، بلغ شاهين واحدة من قمم نضجه الفني. قال فيها ما معناه أن الهزيمة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل أخلاقية وحضارية. رأى في النكسة انهياراً لمشروع كامل، لا لشعب، وحوّل حكاية فلاحين إلى ملحمة عن الكرامة والصمود. بعد هذا الفيلم، دخل مرحلة أكثر سوداوية، مع "الاختيار" و"العصفور" و"عودة الابن الضال"، حيث بدأت الأسئلة تطاول بنية السلطة نفسها، ومسؤولية الفرد والجماعة عن الانكسار.

غير أن التحوّل الأعمق في مسيرته جاء مع "إسكندرية… ليه؟" (1978). هنا، أقدم شاهين على خطوة غير مسبوقة في الثقافة العربية: أن يجعل ذاته مركز السرد، وأن يتحدّث بضمير "أنا" بلا اعتذار. في مجتمعات اعتادت الخطاب الجمعي، وشيطنة الفردانية، بدا هذا الخيار قراراً سياسياً من الدرجة الأولى.

سينما الأنا

"سينما الأنا" التي انتهجها لم تكن انسحاباً من الواقع، بقدر ما بدت طريقة جديدة لقراءته. عبر المكاشفة، فتح شاهين حواراً مع الآخر. لم تكن أفلامه الذاتية أقل سياسية من أفلامه المباشرة، بل ربما أكثر راديكاليةً، لأنها كشفت أزمة وطن من خلال أزمة ذات.

في التسعينيات، دخل شاهين مرحلة مواجهة مفتوحة مع الرقابة والتعصّب والسلطة بأشكالها المختلفة. أفلام مثل "المهاجر" و"المصير" و"هي فوضى" أعادت طرح أسئلته القديمة عن الحرية والهوية، لكن بنبرة أكثر مرارةً. لم يكن يسعى إلى المصالحة أو إلى تهدئة خطابه. ظلّ متمرّداً، رافضاً أن يُدجَّن أو يُروَّض، حتى وهو يحظى برد اعتبار دولي، أبرزها تكريمه في مهرجان "كان" عام 1997.

إلى جانب أفلامه، ترك شاهين بصمة كمعلّم ومُلهم لا مثيل له في السينما العربية. شهادات مَن عملوا معه، أو اقتربوا من تجربته (وسمعنا بعضها قبل أيام في احتفالية خصصت له في معهد العالم العربي في باريس)، تكشف عن مخرج صارم، دقيق، لكنه في الوقت نفسه يحتفي بتصوير الأفلام كفعل حياة. كان يضع السقف عالياً، ويطالب مَن حوله بالوعي، بالبحث، وبالمغامرة. اكتشف مواهب، وأعطى فرصاً، وعلّم أجيالاً أن السينما مغامرة معرفية وأخلاقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل أكثر ما نفتقده بعد رحيله هو نوع مشاغبة بات نادراً لا بل غائب تماماً في السينما المصرية. لم يظهر صوتاً معارضاً محتجاً غاضباً مثل صوته. فالاشتباك السياسي عند شاهين كان بنية داخلية في مشروعه السينمائي، تتبدّل أشكالها بتبدّل السياق التاريخي، من دون أن تفقد حدّتها. لم يصنع يوماً سينما دعائية، ولم يتحوّل إلى "مخرج سلطة"، على رغم عمله في عهود سياسية متعاقبة، من عبد الناصر إلى السادات ثم مبارك. على العكس، ظلّ في حالة شدّ دائم مع السلطة، يقترب منها ليكشف تناقضاتها، ثم يبتعد ليحافظ على صوته الخاص واستقلاليته. ولم يبحث أيضاً عن شماعات خارجية، بل وجّه الكاميرا إلى الداخل، إلى آليات القمع وغياب الديمقراطية وتواطؤ النخب. الهزيمة متى وقعت فلم تكن نتيجة عدو خارجي فحسب وإنما أيضاً ثمرة منظومة كاملة من الكذب والتضليل وإقصاء الناس عن الفعل السياسي.

لم يقدّم أبطالاً نموذجيين في أفلامه. معظم شخصياته مأزومة، متردّدة، متناقضة، تشبه المجتمع الذي خرجت منه. حتى في أفلامه التاريخية، مثل "الناصر صلاح الدين" أو "وداعاً يا بونابرت"، كان الماضي ساحة لإعادة التفكير في مفاهيم السلطة والبطولة والاحتلال.

اشتباكه السياسي لم يقتصر على المضمون، فشمل الشكل أيضاً. كسر القوالب السردية، خلط الأنواع، أدخل الغناء والاستعراض في سياقات سياسية، مستخدماً السيرة الذاتية كوسيلة للالتفاف على الرقابة. حين يقول "أنا"، كان يقولها في وجه خطاب رسمي يريد محو الفرد لمصلحة رواية واحدة. لهذا، لم تستطع السلطة أن تحتويه، ولم تنجح الرقابة في جعله يمارس الرقابة الذاتية. ظل في منطقة مغايرة: لا هو معارض تقليدي، ولا هو فنّان محايد. وفي عالم عربي اعتاد التكيّف أو الصمت، كانت هذه السينما، ولا تزال، فعل مقاومة في ذاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما