Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التداعيات المقلقة لتطهير الجيش الصيني

ما الذي يجعل نفاد صبر شي جينبينغ من قادته العسكريين مدعاة لقلق لواشنطن؟

 الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 (ماكسيم شيميتوف / رويترز)

ملخص

تكشف حملة التطهير الواسعة التي يقودها شي جينبينغ داخل جيش التحرير الشعبي عن سعي منهجي لإحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية، لا عن ضعف أو صراع داخلي، في إطار إعدادها لتنفيذ أوامره الاستراتيجية. وتظهر التطورات أن الفوضى الظاهرة لا تعني تراجع القدرة الصينية على التصعيد، بل تعكس نفاد صبر القيادة من الفساد والقصور، واستعدادها لتحمل المخاطر من أجل جيش قادر على خوض الحروب والانتصار فيها.

أصدر الرئيس الصيني شي جينبينغ أوامر باجتثاث قيادته العسكرية العليا بالكامل، ففي الـ 24 من يناير (كانون الثاني) الماضي أعلنت وزارة الدفاع أن أعلى ضابط عسكري في الصين، الجنرال تشانغ يوشيا، ورئيس أركان الجيش الجنرال ليو تشنلي، يخضعان للتحقيق بتهمة "انتهاكات جسيمة لانضباط الحزب والقانون"، وهو التعبير الرسمي عادة للإشارة إلى الفساد، بل إن تقريراً صحافياً غربياً ذهب إلى حد القول إن تشانغ سرّب أسراراً نووية إلى الولايات المتحدة، وقد أخفى الإعلان المقتضب للوزارة أكبر زلزال سياسي يضرب كبار قادة "جيش التحرير الشعبي" منذ حملة القمع في ميدان تيانانمن عام 1989، ومثّل ذروة حملة التطهير الأخيرة التي شنها شي داخل المؤسسة العسكرية، وطاولت جميع أركان "جيش التحرير الشعبي" وأطاحت بجميع كبار الضباط تقريباً باستثناء واحد خلال الأعوام القليلة الماضية.

وعلى رغم أن هذه الخطوة كانت صادمة لكن بذورها زُرعت خلال اجتماع عام لـ "الحزب الشيوعي الصيني" عُقد في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وخلال ذلك الاجتماع أُقر رسمياً إقالة أحد زملاء تشانغ، والذي شغل منصب نائب رئيس آخر للجنة العسكرية المركزية، وهي الهيئة العليا لاتخاذ القرارات العسكرية في الصين، إضافة إلى شخصية بارزة أخرى في اللجنة كانت تشرف على العمل السياسي في "جيش التحرير الشعبي"، وقد كسرت تلك الإقالات حاجز استهداف قمة القيادة العسكرية، وخفّضت عدد أعضاء "اللجنة العسكرية المركزية" إلى النصف مقارنة بآخر إعادة هيكلة لها عام 2022.

وقد أبقى الاجتماع هذين المنصبين شاغرين من دون تعيين بدلاء مثلما جرت العادة في مثل هذه التعديلات، وكان ذلك محيراً آنذاك لكنه يبدو مفهوماً اليوم، إذ إنه كان إشارة واضحة إلى أن المهمة لم تنتهِ وأن هناك خطوات إضافية مقبلة.

تُفسّر معظم التحليلات موجة التطهير الحالية على أنها مؤشر على ضعف سيطرة شي على جنرالاته أو عدم ثقته بهم، ويذهب آخرون إلى الزعم بأنها صراع بين فصائل متنافسة خلف أسوار "جيش التحرير الشعبي"، حيث يُصوّر شي بوصفه مجرد متفرج سلبي، غير أن تفكيكه الكامل لـ "اللجنة العسكرية المركزية" يقدم دليلاً أولياً واضحاً على قصور هذه التفسيرات، فهي لا تشرح ما يحدث وحسب بل تُصور شي كمن يفتقد زمام المبادرة، متجاهلةً سمته الأبرز وهي نفس طويل يتخلله اندفاع سياسي خاطف.

شي ليس عرافاً وقد تكيف مع التطورات غير المتوقعة خلال حملته ضد الفساد، ومع ذلك فإن الادعاءات بأنه كان يجهل مدى عمق الفساد داخل "جيش التحرير الشعبي"، أو أن قادته يفرضون عليه إرادتهم، تتجاهل سردية واضحة تتمثل في أن شي كان يدير العملية بثبات ويحكم قبضته عليها، وبالتالي فإن استمرار هذه الروايات يعني أن هناك حاجة ملحة إلى إعادة تقييم جذرية لتفكير المراقبين الخارجيين في شأن علاقة الحزب بالجيش والسياسة الداخلية لـ "جيش التحرير الشعبي".

عندما تهدأ هذه الهزة داخل الجيش سيكون على شي أن يفكر في كيفية لملمة الشتات والتعامل مع المشكلة، فقد يختار إظهار استيائه المستمر من خلال الإبقاء على حال الجمود الحالية في القيادة العليا حتى انعقاد المؤتمر الـ 21 للحزب العام المقبل، أو قد يفرض إصلاحاً أعمق للإطار المؤسسي الذي يشرف من خلاله النظام على ما يسميه "جيش الحزب"، وقد تتأثر حسابات شي باعتبارات تتعلق بالتلميح إلى مسألة الخلافة خلال مؤتمر الحزب المقبل أو بعده أو حتى قبله.

في الواقع قد يكون ذلك السبب الوحيد الذي جعل شي يرى في تشانغ يوشيا تهديداً، وبغض النظر عن شكل الإصلاح فإنه سيسلط بالتأكيد الضوء على سلطة شي غير القابلة للتشكيك، بينما يستعد لولاية رابعة مدتها خمسة أعوام العام المقبل، ومع تطور هذه العملية فقد يخلص مراقبون خارجيون إلى الاستنتاج بأن الفوضى داخل "جيش التحرير الشعبي" تعني أن العمل العسكري ضد تايوان أو في بحر الصين الجنوبي بات خارج الحسابات، غير أن هذا الرأي يتجاهل السمة الأبرز للتطهير ألا وهي نفاد صبر شي المتزايد إزاء عجز "جيش التحرير الشعبي" عن الامتثال لأوامره بـ "خوض الحروب والانتصار فيها"، فضلاً عن التقدم الذي أحرزته الصين في توسيع نطاق خياراتها لاستخدام الإكراه العسكري، وبالنظر إلى هوسه بالاستقرار الداخلي الذي يكفله "جيش التحرير الشعبي" في النهاية، لم يكن شي ليقدم على هذا التغيير الجذري والواسع ما لم يكن في عجلة من أمره، وهذا لا يعني أنه يندفع مسرعاً نحو الحرب لكنه يعني أن المراقبين الخارجيين يخاطرون كثيراً إذا شككوا في تصميمه على تحقيق "التجديد العظيم للأمة الصينية".

إن حملات التطهير تمثل إشارة إلى التزام شي المتجدد بهذا الطموح، فقد أكد نجاحه في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى هدنة العام الماضي صحة برنامجه السياسي والاقتصادي، ومنحه الثقة بأن الوقت قد حان لمضاعفة جهوده الرامية إلى تحقيق رؤيته، غير أن نهجه هذه المرة لن يكرر دبلوماسية "الذئب المحارب" المتهورة والتصريحات الاستفزازية (الشرق ينهض والغرب يتراجع وغيرها) المعتمدة في أعوامه الأولى والتي أثارت ردود فعل عالمية مضادة قوية، وبدلاً من ذلك سيركز على مشاريعه الداخلية لبناء اقتصاد متين وضمان قدرة "جيش التحرير الشعبي" على التنفيذ إذا أصبح العمل العسكري أمراً لا مفر منه، وستجعله هذه التحديات الهائلة يسعى إلى الاستقرار مع واشنطن على المدى القريب، لكنها ستجعل منه ومن الصين منافساً أشد بأساً بحلول نهاية هذا العقد وما بعده.

نزعة السيطرة المطلقة

إن الحجة القائلة بأن اتساع حملة التطهير التي يقودها شي يُظهر ضعف قبضته على "جيش التحرير الشعبي" تقوم على افتراضات خاطئة، وأحد هذه الافتراضات هو أن شي يلتزم بالقواعد نفسها في العلاقات المدنية - العسكرية التي اتبعها أسلافه بعد ماو، وكان "جيش التحرير الشعبي" يُعتبر بموجبها مملكة محكمة الإغلاق لا يستطيع شي النفاذ إليها إلا من خلال مساومات دقيقة، وتقديم تمويل ثابت لامتيازات الجيش وتعزيز قدراته القتالية، وهناك افتراض آخر ذو صلة وهو أن "جيش التحرير الشعبي" مؤسسة تُنظم نفسها بنفسها إلى حد كبير، وأن كبار الضباط هم من يحددون الإيقاع داخلها.

هذه الافتراضات لا تُنصف شي، فهي تصف الدينامية التي كانت قائمة قبل وصوله إلى السلطة حين كانت احتكارات الجيش للمعلومات الاستخباراتية والخبرة العسكرية التقنية تمنحه قدراً كبيراً من الاستقلالية، غير أن شي خاض منذ ذلك الحين معركة شرسة لإخضاع "جيش التحرير الشعبي"، وهناك دلائل واضحة على أن هذا الجهد يؤتي ثماره، ففي وقت باكر أعلن شي تغييرات جذرية في هيكل قيادة "جيش التحرير الشعبي"، وقد أدت إعادة الهيكلة هذه إلى تفكيك شبكات مؤسسية كانت أحبطت محاولات سابقة لفرض تغييرات مماثلة، ثم بدأ شي في الترويج لما يُسمى بنظام مسؤولية رئيس "اللجنة العسكرية المركزية" لإضفاء الطابع الرسمي على سيطرته وسيطرة "الحزب الشيوعي الصيني" على الجيش، في تناقض صارخ مع الممارسة السابقة التي كان فيها المرؤوسون بالزي العسكري يتمتعون بسيطرة مفرطة على رؤسائهم المدنيين المفترضين، وفي عام 2016 أصبح شي القائد العام لـ "جيش التحرير الشعبي"، متولياً القيادة العملياتية المباشرة بدلاً من الاكتفاء بالسيطرة الإدارية، وخلال المؤتمر الـ 19 للحزب بعد عام، قلّص عدد أعضاء اللجنة العسكرية المركزية من 11 عضواً يصعب السيطرة عليهم إلى سبعة فقط، مُركزاً السلطة بين يديه، وجاءت الضربة القاضية في الاجتماع العام الذي عُقد في أكتوبر الماضي حين تجاهل القادة والمفوضين على السواء وعيّن مسؤول الانضباط الأعلى في "جيش التحرير الشعبي" نائباً لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، مُحطماً بذلك وهم قدرة "جيش التحرير الشعبي" على تنظيم نفسه، ولن يكون من المستغرب أن يعتبر تشانغ يوشيا ذلك تجاوزاً للحدود، لكنه الجنرال الأخير الباقي في منصبه، مما يزيد الوضع حساسية وتعقيداً.

لكن قبضة شي على الجيش ليست كاملة، فلا يزال يُفاجأ أحياناً بأنشطة يقوم بها الجيش، مثلما حدث عندما انجرف منطاد تجسس إلى المجال الجوي الأميركي عام 2023، وشملت التهم الموجهة لمعظم قادة "اللجنة العسكرية المركزية" الذين أُطيح بهم أخيراً الإخفاق في احترام نظام مسؤولية رئيس "اللجنة العسكرية المركزية"، ومع ذلك فإن الادعاء بأن شي مجرد متفرج غير فعال هو تجاهل للوقائع الواضحة، فقد وضع "جيش التحرير الشعبي" داخل إطار أكثر إحكاماً بكثير.

فجوة في النفوذ

إن فكرة قيام التكتلات العسكرية العليا بتطهير بعضها بعضاً بينما يراقب شي المشهد تفتقر إلى الحد الأدنى من الصدقية، فهي تفترض بداية أن حملات التطهير التي جرت خلال الأعوام القليلة الماضية شكلت سلسلة واحدة متصلة، وأن عمليات الإقالة في قوة الصواريخ التابعة لـ "جيش التحرير الشعبي" عام 2023 كانت بداية هجوم يستهدف تشانغ، ووفق هذه النظرية جاء الهجوم من مجموعة منافسة خدمت في وحدة رئيسة تابعة لـ "جيش التحرير الشعبي" متمركزة في الجهة المقابلة لتايوان، لكن الواقع أن هذه الموجة من حملات التطهير جاءت لأسباب عدة، لا تنبع من منافسة واحدة بعينها ولا من دافع واحد محدد، فعمليات إقالة قادة قوة الصواريخ مرتبطة بفساد تقليدي نجم عن التوسع السريع الأخير في بناء القوات النووية، مثلما هو الحال مع حملة التطهير اللاحقة لوزيري دفاع سابقين قادا قوة الصواريخ في الماضي، وأشرفا على مشتريات "جيش التحرير الشعبي". 

أما القادة المزعومون للوحدة المتمركزة مقابل تايوان فقد أُقيلوا بفارق أشهر مما يشير إلى أن قضاياهم كانت منفصلة، بخلاف حملة التطهير المتزامنة التي طالت تشانغ وليو، وعلاوة على ذلك فإن إقصاء تشانغ نفسه يقدم أفضل دحض لفكرة أن صراعاً داخلياً على النفوذ داخل الجيش هو ما يفسر حملة التطهير، فهذه النظرية تصور تشانغ على أنه عملاق في "جيش التحرير الشعبي" جمع بين الخبرة القتالية والطبع الخشن مما جعله شخصية لا يستطيع شي المساس بها، بل ترددت حتى شائعات في أوساط الجاليات الصينية في الخارج الصيف الماضي بأن تشانغ كان يريد إزاحة شي أو ربما استبداله، غير أن مسيرة تشانغ المهنية وطريقة شي الحاذقة في التعامل معه تنقضان هذه الرواية.

تشانغ هو من "الأمراء الصغار"، وهو مصطلح يُطلق على أبناء قادة الثورة الشيوعية الصينية الكبار، وقد ترقى في الرتب خلال فترة كان فيها كبار قادة الثورة الذين حكموا البلاد آنذاك يبطئون عمداً التقدم المهني للأمراء الصغار (كان أولئك القادة القدامى يخشون أن يؤدي الدفع السريع بأبنائهم إلى مناصب عليا إلى اتهامات بالمحسوبية، ولا سيما في ظل توترات اجتماعية متصاعدة رافقت الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المؤلمة في مرحلة ما بعد ماو)، وواجه شي نفسه، وهو أيضاً من الأمراء الصغار، عقبات مماثلة في مسيرته، وبسبب مخاوف القادة القدامى لم يحصل تشانغ على رتبة جنرال إلا أواخر العقد الخامس من عمره، وهو سن متأخر بالنسبة إلى شخص يترقى بسرعة في "جيش التحرير الشعبي"، وكان ذلك المنصب في أقل القيادات الإقليمية شأناً داخل الجيش آنذاك، ولذلك أعاد شي إحياء مسيرة تشانغ المهنية بمنحه مقعداً في "اللجنة العسكرية المركزية" عام 2012، وحمى مسيرته مرة أخرى من خلال صياغة تحقيق في المشتريات عام 2023 بطريقة تستبعد الفترة التي تولى فيها تشانغ قيادة هذا الملف، لكن شي أطلق رسالة تحذيرية من خلال تطهير أحد مرؤوسي تشانغ السابقين، مظهراً بذلك أن اليد العليا في علاقتهما كانت لشي، وخلاصة القول إن "جيش التحرير الشعبي" اليوم لم يعد الكيان غير المقيد الذي كان عليه في السابق، فقد رحل الجنود القدامى من الحقبة الثورية، وأثبت شي بأسلوبه المنهجي والصبور براعته في إدارة أبنائهم وأحفادهم.

خطوة خطوة

الإطار الأفضل لفهم حملة التطهير العسكرية التي يقودها شي هو النظر إليها بوصفها عملية تدريجية تتكشف على امتداد ولاياته الثلاث في الحكم، فعندما بدأ هذا المسعى كان لا يزال في طور ترسيخ سلطته، ولذلك ركز على إقصاء قيادات شبكات الضباط المرتبطة بمنافسين محتملين، وعندما أدرك حجم الفساد وضع حداً لجهود المساءلة بهدف تجنب شل القدرات العملياتية لـ "جيش التحرير الشعبي" وتعريض استقرار النظام للخطر، إذ إنه كان حذراً من تقويض تلك الأجزاء من الجيش ولا سيما قوات الصواريخ وقسم تصميم الأسلحة وشرائها وهيئة الأركان العامة التي سيحتاج إليها إذا أصبح العمل العسكري أمراً لا مفر منه.

وخلال ولايته الثانية امتنع شي من تطهير كبار الضباط على رغم أن مشكلة الفساد كانت لا تزال قائمة بوضوح، وهو أمر يُستشهد به أحياناً كدليل على جهله بما يجري داخل "جيش التحرير الشعبي"، لكن في الحقيقة كان اهتمامه منصّباً على أمور أخرى، فقد مثلت أجهزة الأمن والاستخبارات المدنية مستنقعاً خاصاً من الفساد مما استدعى حملة قمع استمرت لأعوام واستهدفت تلك الأجهزة وأسفرت عن الإطاحة بعشرات كبار المسؤولين الأمنيين، وكان شي يدرك أنه لا يستطيع مهاجمة الجيش وأجهزة الأمن في آن ولذا اعتمد نهجاً تدرجياً، وعندما تمكن شي من إعادة تركيز جهوده على "جيش التحرير الشعبي" مع بدء ولايته الثالثة، كشفت مستنقعات الفساد في قوة الصواريخ بوضوح أنه لا يمكن الاكتفاء بمعالجة خفيفة، ومع اتساع نطاق التحقيقات إلى مجمل قطاع الصناعات الدفاعية أواخر عام 2023، أصبح من الواضح أن نظام المشتريات العسكرية بدوره بحاجة إلى تطهير شامل، وقد شكلت الإقالة المنفصلة لعضوين في "اللجنة العسكرية المركزية" خلال الجلسة العامة في أكتوبر الماضي نقطة تحول حاسمة، إضافة إلى ما يبدو أنه خلافات بين شي وتشانغ حول قضايا تتعلق بالتعيينات، مما دفع شي إلى تنفيذ تطهير شامل شمل إقالة تشانغ وليو أيضاً.

معاقبة تمتد عبر الأجيال

تُظهر حملات التطهير الشاملة التي طاولت القيادات والفروع التابعة للجنة العسكرية المركزية أن شي ينفذ عملية بحث عميقة على مستوى أجيال متعددة للعثور على ضباط ربما تجنبوا مخططات الترقية في مقابل المال والتي انتشرت خلال العقود السابقة لتوليه السلطة وربما استمرت بعدها، ويسرّع ترقية جنرالات من رتب أدنى إلى مناصب كانت تتطلب سابقاً خبرة أطول بكثير، ولا تستطيع "اللجنة العسكرية المركزية" من الناحية التقنية الانعقاد بعضوين وحسب، ومن المرجح أن أجهزة الاستخبارات التي ترفع تقاريرها إلى شي تنبهه إلى أن المسؤولين الأميركيين قد يرون في الفوضى داخل "جيش التحرير الشعبي" عاملاً يعطل العمليات ضد تايوان. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تشير هذه الحقائق إلى أن شي سيسعى سريعاً إلى إعادة ملء مقاعد "اللجنة العسكرية المركزية"، لكنه في الوقت نفسه عنيد ولديه نمط معروف في التعبير عن غضبه من المؤسسات السيئة السلوك، ويتمثل في ترك المناصب شاغرة لفترات طويلة أو حرمان المعينين الجدد من بعض الألقاب والامتيازات التقليدية التي ترافق تلقائياً مثل هذه المناصب، ولذلك فمن الممكن أن يُبقي شي القيادة العليا ناقصة العدد وفي حال جمود حتى انعقاد المؤتمر الـ 21 للحزب أواخر عام 2027، وإذا لم يكن بوسعه الانتظار فسيتعين على شي الدعوة إلى جلسة عامة أخرى لإجراء تغييرات في "اللجنة العسكرية المركزية" وغيرها من الهيئات العليا في "الحزب الشيوعي الصيني"، ولحسن حظه يمكنه القيام بذلك من دون خرق البروتوكول المعتاد، فـ "اللجنة المركزية" تعقد سبع جلسات عامة خلال الدورة الواحدة التي تمتد خمسة أعوام، ولأسباب غير معروفة أرجأ شي انعقاد الجلسة الثالثة من هذه الدورة إلى يوليو (تموز) 2024، مما جعل الجلسة الرابعة تُعقد في الموعد المعتاد لعقد الجلسة الخامسة، وبالتالي يستطيع شي أن يدعو الآن إلى هذه الجلسة العامة الاحتياطية واستعادة الثقة من خلال تثبيت تشكيلة جديدة للجنة العسكرية المركزية، والإشارة إلى أن أسوأ المراحل قد انقضت.

ويمكنه أيضاً أن يكون أكثر طموحاً وأن يستغل هذه المناسبة لإنشاء أنظمة جديدة من أجل الإشراف على "جيش التحرير الشعبي"، فهو في نهاية المطاف يرى بوضوح أن سلك الضباط عاجز عن إدارة شؤونه بنفسه، وقد يشمل ذلك إدخال عدد أكبر من المدنيين إلى "اللجنة العسكرية المركزية"، وهو ما لم يحدث منذ تولي شي السلطة، أو تمكين هيئة الرقابة المدنية على الفساد من التحقيق أيضاً في شؤون الجيش، أو التعاون مع نظيرتها العسكرية في ذلك، أو إنشاء هيئات جديدة تابعة لـ "الحزب الشيوعي الصيني" لمعالجة المشكلة، وهو نهج سبق لشي أن استخدمه لمحاولة حل قضايا شائكة في السياسات.

إشارة تحذيرية

قد يرى صانعو السياسات الأميركيون أن حملات التطهير تؤدي إلى تأخير لهجوم صيني على تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، وقد يستنتج ترمب أيضاً أن التحديات الداخلية التي يواجهها شي جينبينغ تمنح الولايات المتحدة أوراق ضغط في قمم ترمب - شي المقرر عقدها في وقت لاحق من هذا العام، أولها في أبريل (نيسان) المقبل، لكن هذا سيكون خطأً، فمع تصاعد الحرب التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، اختار شي مراراً وتكراراً مواجهة ترمب مباشرة حتى عندما كانت النتيجة غير مضمونة وموقفه يبدو هشاً، وربما تكون الفوضى في "جيش التحرير الشعبي" الصيني قد أضعفت ثقة الصين بعد لقاء شي ترمب في كوريا الجنوبية في أكتوبر الماضي، لكن شي يدرك أنه لا يزال يمتلك أسلحة قوية مثل المعادن الأرضية النادرة لاستخدامها إذا ضغط عليه ترمب بشدة.

ولا شك في أن الفوضى في القيادة العليا ستكون لها آثار فورية في سير العمليات العسكرية، لكن هذا لا يحد من خيارات شي بالقدر الذي قد يتصوره بعض المراقبين الخارجيين، فـ "جيش التحرير الشعبي الصيني" يمتلك الآن خيارات عسكرية عدة جاهزة للاستخدام في حال وقوع أزمة، ووفق مقالة نشرتها مجلة "فورين أفيرز" في مايو الماضي بقلم بوني لين وجون كولفر وبراين هارت، فقد أشار "جيش التحرير الشعبي الصيني" منذ عام 2008 إلى استعداده لإطلاق صواريخ حول تايوان، وربما حتى قصف الجزيرة لردع ما اعتبره "إجراءات لتعزيز استقلال تايوان"، وقد استغل لاحقاً الاستفزازات الأميركية وتصرفات الرئيس التايواني الحالي كذريعة للتدرب على هذه القدرات وصقلها أكثر إلى حد أصبحت فيه شبه تلقائية وجاهزة للتنفيذ من دون جهد استثنائي، وكذلك فإن الحشد الضخم لقوات "جيش التحرير الشعبي الصيني" عبر المضيق المقابل لتايوان يعني أنه، بخلاف عام 2008، لن يكون هناك سوى مؤشرات تحذيرية قليلة يمكن للقوات الأميركية رصدها قبل قيام "جيش التحرير الشعبي الصيني" بأي تحرك يستهدف الجزيرة.

ينبغي لصناع السياسات ومخططي القوات الأميركية أن يعتبروا تطهير شي الشامل لسلك الضباط من القمة إلى القاعدة دليلاً على نفاد صبره من فشل "جيش التحرير الشعبي" في تلبية متطلباته العملياتية، وألا يخلطوا بين نفاد الصبر هذا وبين الخوف من الجيش أو انعدام الثقة به، فمن الواضح أنه يشعر بإحباط شديد من ميل قادته إلى ملء جيوبهم بالنقود بدلاً من بناء القدرات القتالية، لدرجة أنه مستعد للمخاطرة بزيادة نقاط الضعف داخلياً وخارجياً لإجبارهم على أداء واجباتهم، وهذا لا يعني أن شي يسارع إلى الحرب ولكنه مولع باستغلال الاحتفالات المئوية لدفع النظام الصيني إلى التقدم، وسيحتفل "جيش التحرير الشعبي" بمرور 100 عام على تأسيسه العام المقبل، إنه يريد أن يكون الجيش جاهزاً "لخوض الحروب والانتصار فيها" عندما يحين موعد تلك الذكرى، وبعد أعوام عدة من توخي الحذر النسبي، عاد شي جينبينغ للتحرك النشط والتقدم من جديد.

 

 ترجمة عن "فورين أفيرز"، 30 يناير (كانون الثاني)، 2026

 كريستوفر ك. جونسون هو الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة إستراتيجيات الصين، وزميل رفيع الشأن في مركز جمعية آسيا لتحليل القضايا الصينية، ومحلل سابق لشؤون الصين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء