Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"يونيسكو" تؤكد حق أفريقيا في استعادة ذاكرتها المسلوبة

التراث ملك للمجتمعات التي أبدعته وهو تعبير عن هوية الشعوب وحمايته مسؤولية دولية

حمل الاجتماع الذي نظمته "يونيسكو" شعار "الاستعادة والحقوق الثقافية والحق في الذاكرة من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية" (يونيسكو)

ملخص

يُنظر إلى التراث الأفريقي كبعد وطني إنساني يمثل عنصراً أساساً ضمن الهوية الوطنية للشعوب الأفريقية، فضلاً عن بعده الأدبي والفني المتعاظم، كما أنه يمثل ذاكرة جماعية في لغات متوارثة وفنون وعادات ونظم اجتماعية، ويأتي التراث المادي في كل أشكاله من مسلات وأهرامات وسلاح متنوع وتحف وكتب وصحائف ومصوغات معدنية وغيرها، وهو لا يقدر بثمن.

أكدت "يونيسكو" التزامها باستعادة التراث الثقافي الأفريقي، مشددة على أن إعادة القطع الأثرية المنهوبة مسألة تتعلق بالحقوق الثقافية والعدالة التاريخية والهوية، وخلال كلمتها خلال منتدى رفيع المستوى في أديس أبابا في الـ 28 من يناير (كانون الثاني) الماضي، قالت مديرة مكتب الاتصال بين "يونيسكو" والاتحاد الأفريقي واللجنة الاقتصادية لأفريقيا، ريتا بيسونوث، إن "المنظمة تكثف جهودها في مجال الدعوة لاستعادة القطع الأثرية الأفريقية بالتعاون مع جهات محلية ودولية معنية"، وقد حمل الاجتماع الذي نظمته "يونيسكو" بالتعاون مع سفارة المغرب في أديس أبابا والمنظمة الدولية للفرانكفونية شعار "الاستعادة والحقوق الثقافية والحق في الذاكرة من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية".

 

التراث المادي الأفريقي

يُنظر إلى التراث الأفريقي كبعد وطني إنساني يمثل عنصراً أساساً ضمن الهوية الوطنية للشعوب الأفريقية، فضلاً عن بعده الأدبي والفني المتعاظم، كما أنه يمثل ذاكرة جماعية في لغات متوارثة وفنون وعادات ونظم اجتماعية، ويأتي التراث المادي في كل أشكاله، من مسلات وأهرامات وسلاح متنوع وتحف وكتب وصحائف ومصوغات معدنية وغيرها، وهو لا يقدر بثمن.

وفي السياق ربط المفكر العربي إدوارد سعيد التراث المادي بالهوية وحق الشعوب في تاريخها، خصوصاً في سياق الاستعمار، ورأى أن "التراث الثقافي ليس مجرد آثار جامدة بل هو تعبير عن تاريخ الشعوب وذاكرتها، وانتزاعه من سياقه الأصلي هو شكل من أشكال الهيمنة الثقافية، مما يعني أن الآثار ملك للشعوب التي أنتجتها لا لمن استولى عليها تاريخياً".

عبقرية إنسانية خاصة

من ناحيته لفت عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستروس إلى أن "كل ثقافة تعبر عن عبقرية إنسانية خاصة، ولا يمكن فهم منجزاتها المادية خارج المجتمع الذي أبدعها، فالتراث المادي مرتبط بالبنية الاجتماعية والرمزية للشعب، وليس سلعة عالمية منفصلة عن أصلها"، أما منظّر حماية الآثار ألويس ريجل فأكد "أن قيمة الآثار لا تكمن فقط في شكلها المادي بل في علاقتها بالمجتمع الذي أنتجها والذاكرة الجماعية المرتبطة بها".

التراث هوية الشعوب

وسط هذه الأجواء أكدت "يونيسكو" أن التراث الثقافي المادي هو تعبير عن هوية الشعوب، وحمايته مسؤولية المجتمع الدولي مع احترام سيادة الدول وحق الشعوب فيه، وقد جمع منتداها خبراء وأكاديميين ومسؤولين حكوميين وممثلين عن منظمات دولية ومنظمات المجتمع المدني، لتسليط الضوء على استعادة الآثار كحق ثقافي أساس وعنصر جوهري في العدالة التعويضية المشتركة بين أفريقيا والأميركيتين، وتناولت المناقشات المادة (26) من ميثاق "النهضة الثقافية الأفريقية" والبرنامج الرئيس الثالث من استراتيجية "يونيسكو" التشغيلية لأفريقيا ذات الأولوية، للفترة بين عامي 2022 و2029.

وأوضح المشاركون أن جزءاً كبيراً من التراث الثقافي الأفريقي نُهب أو سُلب أو هُرّب بطرق غير مشروعة على مر القرون، ولا سيما خلال الحقبة الاستعمارية، لافتين إلى أن أكثر من 90 في المئة من القطع الأثرية الأفريقية القديمة لا تزال خارج القارة السمراء، وهو ما يحرم المجتمعات الوصول إلى الأدلة المادية لتاريخها.

نجاح دول أفريقية

وتعتبر نيجيريا من الدول الأفريقية الأكثر نجاحاً في استرداد متعلقات تراثها المنهوب، إذ استعادت مئات من برونزيات بنين من كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وهي قطع من البرونز نُهبت عام 1897 أثناء الحملة البريطانية على مملكة بنين، وكذلك نجحت مصر في استرداد آلاف القطع الأثرية ولا سيما من التوابيت والتماثيل والمخطوطات من دول عدة، بخاصة من الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، وأيضاً استردت الجزائر جماجم قادة المقاومة الجزائرية من القرن الـ 19 والتي أُعيدت من فرنسا كرمزية سيادية غير ثقافية.

أما المغرب فاستعاد مخطوطات وقطعاً فنية تاريخية من فرنسا وإسبانيا عبر التعاون الثقافي والاتفاقات الثنائية، ونجحت دول أفريقية أخرى مثل جمهورية بنين والسنغال وغانا جزئياً في استرداد قدر من ثراثها، فيما لا تزال دول أفريقية أخرى، مثل السودان والكونغو ومالي، تطالب باستعادة آلاف القطع التراثية المنهوبة من قبل جهات استعمارية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إثيوبيا وموسوليني

من جهتها استعادت إثيوبيا مخطوطات دينية وتيجاناً وقطعاً كنسية وأجزاء من كنوز نهبت عام 1868 من بريطانيا وإيطاليا، وفي عام 2008 استعادت أديس أبابا مسلة أكسوم التي نقلتها إيطاليا إلى روما إبان الغزو الإيطالي عام 1935 بقيادة الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني، والتي يبلغ ارتفاعها 25 متراً وقد بنيت قبل 1700 عام، وهي واحدة من مسلات عدة شيدت في بلدة أكسوم، المقر التاريخي لملوك إثيوبيا.

وفي السياق قال المؤرخ وعالم الاجتماع الإثيوبي ألولا بانكهورست "إن جهود إثيوبيا لاستعادة كنوزها الثقافية المبعثرة اكتسبت زخماً كبيراً مع العودة الأخيرة لدرع تاريخي من الصندوق الملكي الإثيوبي"، موضحاً أن بلاده كثفت مساعيها الدولية إلى استرداد القطع الأثرية التي نُهبت خلال "حملة مقدلا" (حملة عسكرية بريطانية وقعت في إثيوبيا") عام 1868، وبوسائل غير مشروعة أخرى.

وأضاف بانكهورست في حديثه إلى "وكالة الأنباء الإثيوبية" أن "هذه الاستعادة تمثل محطة مفصلية ينظر إليها المدافعون عن التراث بوصفها اختراقاً رمزياً وعملياً في مسار المطالبة بإعادة الممتلكات الثقافية المستمرة منذ زمن طويل"، ومشيراً إلى أن "وتيرة التقدم تسارعت بفضل تعزيز التعاون مع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المملكة المتحدة وإيطاليا، وأن الحوار المتنامي والعمل المنسق يحلان محل المقاومة والتأخير السابقين، مما أتاح تتبع مصادر القطع وبلورة مسارات أوضح لإعادتها لإثيوبيا".

 وأوضح بانكهورست أن "الحملة تستهدف المجموعات الكبرى من المقتنيات التي صودرت خلال 'حملة مقْدَلا' عام 1868 وفترة الاحتلال الإيطالي، إضافة إلى عقود من الاتجار غير المشروع"، واصفاً هذه الجهود بأنها حملة مستدامة ومتعددة الأبعاد، مشيراً إلى التنسيق الفاعل بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية وأفراد ملتزمين بهذه القضية.

وتركز الجهود المتجددة على مستودعات ومتاحف في بريطانيا وإيطاليا وأوروبا عموماً وأميركا الشمالية، تقودها جمعية إعادة الكنوز الإثيوبية المنهوبة من مقدلا (AFROMET) بالتعاون مع مؤسسات التراث الوطنية والجهات الحكومية.

حان وقت الإستعادة

وشدد المنتدى على ضرورة فهم استعادة التراث الأفريقي وتراث المنحدرين من أصول أفريقية كحق ثقافي أساس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الذاكرة والهوية الثقافية، فيما قالت ريتا بيسونوث في خطابها "إن الوقت قد حان لتعزيز جهود الاستعادة بعزيمة متجددة، وأن رد الممتلكات ليس مجرد نقل مادي بل هو في المقام الأول حق مشروع للشعوب في استعادة آثار تاريخها"، مضيفة أن هذه الآثار تحمل في طياتها روحانيتها ومحفوظات وعيها الجمعي، وأن رد الممتلكات يمثل ركيزة للعدالة التعويضية كما هو منصوص عليه في القانون الدولي و'ميثاق النهضة الثقافية الأفريقية' و'اتفاقات يونيسكو' والأطر المعيارية لأميركا اللاتينية"، مشيرة إلى أن "رد الممتلكات يعني استعادة قدرة المجتمعات الأفريقية ومجتمعات الشتات على تمثيل أنفسها من خلال رواياتها ورموزها وتعبيراتها المادية، وأن الثقافة والتحف الثقافية تعبر عن هويتنا وارتباطنا الروحي ببلدنا وشعبنا، وعن الاعتراف بالظلم الاجتماعي الذي لحق بشعبنا".

وفي الإطار عينه قالت سفيرة المغرب لدى إثيوبيا نزهة علوي محمدي "إن الاجتماع قدم إسهاماً مهما في الجهود المبذولة حالياً لرد التراث الثقافي الأفريقي المنهوب، والثقافة ليست ترفاً بل هي جزء لا يتجزأ من هويتنا وجزء من سيادتنا، ومسألة تهمنا جميعاً كأفارقة"، فيما أكد مسؤول القطاع الثقافي في وزارة الثقافة والرياضة الإثيوبية أحمد محمد أن "التركيز على استعادة الحقوق الثقافية أمر بالغ الأهمية لأفريقيا، ولا يزال في غاية الأهمية راهناً، فالثقافة هي الهوية والتاريخ والإنسانية المشتركة، وتولي حكومة إثيوبيا اهتماماً بالغاً بالثقافة والسياحة باعتبارهما ركيزتين للتنمية الاقتصادية".

عطاءات الشعوب الأفريقية

الباحث الإثيوبي في التراث حمدي عبداللطيف محمد أشار إلى أن "عطاءات الشعوب الأفريقية التراثية ثروات لا تقدر بأثمان، وذلك لقيمتها الإنسانية والتاريخية الموغلة في القدم، إضافة إلى دلالاتها الحضارية للأزمان التي صيغت فيها، وأن ما تعرضت له الدول الأفريقية من ظلم استعماري  تعددت أشكاله في القتل والتعذيب والخراب، لكن ما تمثله المنهوبات التراثية التي اعتدى عليها المستعمر تضاهي كل أنواع الظلم التي تعرضت لها البلدان الأفريقية، لأنها تعبير إنساني متصل بثقافات وأزمنة تاريخية تدل على الحاضر الأفريقي في دلالاتها الحضارية الإنسانية"، مؤكداً أن "جهود 'يونيسكو' واجب أدبي وحضاري يأتي من منطلق وظيفتها وما توليه المنظمة من اهتمام بالتراث الأفريقي الذي تعمل على رعايته في البلدان الأفريقية، سواء بالحفظ والصون أو بالترميم والتجديد، فضلاً عما تبذله الآن من جهود في إعادته لأوطانه" .

المزيد من تقارير