مسلة باريس الفرعونية لم يسرقها الفرنسيون... بل كانت هدية محمد علي باشا

روبير سوليه يكتب رواية رحلتها من الأقصر الى ساحة الكونكورد

المسلة الفرعونية منتصبة في ساحة الكونكورد البارسية (يوتيوب)

ثمة نصوص أدبية تركن شعريتها إلى حيوية لغتها ودقّتها في التعبير. وينطبق هذا الأمر على جميع روايات الكاتب المصري الفرنكفوني روبير سوليه، وأخرها "تعرّجات النيل" التي صدرت حديثاً عن دار "سوي" الباريسية، ويروي فيها مغامرة انتقال المسلّة الفرعونية الشهيرة من معبد الأقصر في مصر إلى ساحة الكونكورد في باريس.

ولسرد ظروف هذه الرحلة الشاقّة والشيّقة معاً التي حصلت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ودامت ست سنوات، متوقفاً بالتفصيل عند الصعوبات التقنية في اقتلاع هذا النصب العمودي العملاق من أرضه والسفر به بحراً، ثم رفعه في الساحة الباريسية المذكورة؛ يستعين سوليه بشخصيتين خرافيتين ــ جوستان وكلاريس ــ نعرف في مطلع الرواية أنهما تعلّما خلال طفولتهما في مدرسة قريتهما وشغفاً بتاريخ مصر وحضارتها الفرعونية مذّاك، بفضل الزوجين اللذين كانا يُديران هذه المدرسة، قبل أن تجمعهما المصادفة الموضوعية مجدداً في باريس بعد عقدين من الزمن.

جوستان هو ابن كاتب عدل يقرر للإفلات من فراغ حياته ومحاولات والده التحكّم بقدره، الانضمام إلى البعثة الموكلة بمهمة نقل المسلّة الفرعونية إلى باريس. لكن قبل التوجّه إلى مصر مع هذه البعثة، يلتقي في محترف للتطريز بشابة يدرك فوراً أنها كلاريس، حبّ طفولته، فيقع مجدداً في غرامها ونراه على وشك العدول عن قرار السفر، لولا مقاومة كلاريس اندفاعه نحوها من دون أن تغلق الباب في وجهه.

بطولة المسلة

وبخلاف جوستان البرجوازي، كلاريس مطرِّزة فقيرة يغرّر شاب ثري بها ثم يتخلى عنها حين تحبل منه. ولذلك، نراها متحفِّظة على المستوى العاطفي وثائرة على وضعها الاجتماعي، وهو ما يفسّر تأثّرها بخطاب أتباع مذهب "سان سيمون" الذين كانوا يبشّرون آنذاك بعالمٍ جديد محرّر من التقاليد والمحرّمات، عالم تلعب المرأة فيه دوراً محورياً. وحين تتوجّه مجموعة من هؤلاء إلى مصر بحثاً عن "المرأة المخلّصة"، القادرة وحدها على توحيد الشرق والغرب، تلتحق كلاريس بها وتكتشف بدورها "تعرّجات النيل"، لكن من دون أن يتقاطع دربها مع درب جوستان، بل تبقى علاقتهما قائمة فقط على الرسائل التي سيتبادلانها بانتظام.

ولأن مسلّة الأقصر تبقى الشخصية الأهم في الرواية، ومغامرة نقلها إلى باريس قصّتها الرئيسة، تجعلنا ريشة سوليه الدقيقة والبارعة نتآلف عن قرب مع هذا النصب الفرعوني الرائع، ومع الحروف الهيروغليفية التي تغطّي جوانبه الأربعة وما تحمله من دلالات مثيرة. وهو ما يشكّل مصدر اغتباط ودهشة للقارئ يضارع المتعة النابعة من إيقاع السرد، الذي يتبع إيقاع تدفّق مياه النيل ويستحضر بلمسات سحرية خفيفة المناظر الطبيعية الخلابة التي تمتد على طول هذا النهر العظيم، روعة الصخور السوداء في منطقة أسوان التي صقلتها مياهه، جمال النساء النوبيات اللواتي يقطنّ ضفّتيه... سردٌ يتوقف أيضاً برقّة عند كرم أبناء مصر عموماً وحسن ضيافتهم، ونتعرّف من خلاله عن كثب إلى مدينة الإسكندرية التي كانت قد بدأت تتسّم بالطابع الكوسموبوليتي الذي سيميّزها لاحقاً، إلى سديم مدينة القاهرة الفاتن، وإلى تفاصيل أخرى كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

لكن نجاح هذه الرواية لا يعود فقط إلى كل هذه التفاصيل الشيّقة التي تثريها أو إلى حبكتها المحكَمة والطُرَف الكثيرة التي يرويها سوليه فيها حول عملية نقل المسلّة الشهيرة من الأقصر إلى باريس، ويجهلها معظمنا، بل أيضاً وخصوصاً إلى كون هذه الرواية تشكّل المقابل الخرافي للبحث الذي وضعه الكاتب عام 2004 تحت عنوان "سفر المسلّة الكبير"، وبالتالي إلى ارتكازها على عناصر تاريخية دقيقة واستفادتها من البحوث التي قادها سوليه لخطّ البحث المذكور.

يعود أيضاً نجاح هذه الرواية التاريخية إلى كونها في الوقت نفسه رواية حبّ. فصحيح أن المسلّة هي شخصيّتها الرئيسة، لكن جوستان وكلاريس ينافسانها على هذا الدور ويسهمان بقوة في الإمساك بأنفاسنا حتى النهاية سواء بالرسائل الغزيرة والمثيرة التي سيتبادلانها على طول النص أو بقدرهما الذي يحول طويلاً دون لقائهما المنتظَر بفارغ الصبر، بعد افتراقهما في باريس.

270 طنا في رحلة

وفي حال أضفنا الأسئلة المهمة الكثيرة التي يطرحها سوليه من خلال روايته، لتبيّنت لنا كل قيمتها. ومن أبرز هذه الأسئلة: لماذا صرفت فرنسا أموالاً طائلة وبذلت جهوداً بشرية جبّارة لنقل مسلّة فرعونية تزن 270 طنّاً من الأقصر إلى باريس ورفعها في ساحة الكونكورد؟ وهل كان يحقّ لها القيام بذلك؟ فبتملُّكها هذا النصب التاريخي، ألم تحرم الشعب المصري من جزء مهم من إرثه التاريخي والحضاري؟ بالنسبة إلى شامبليون الذي فكّ لغز الأبجدية الهيروغليفية، ولم يكن إذاً سارق آثار، هدف هذه العملية الشاقة كان حماية المسلّة المذكورة من الدمار وإثارة اهتمام العالم بواسطتها بروائع الفن الفرعوني الذي كان مهدداً آنذاك. وفي هذا السياق، يتبيّن لنا داخل الرواية أن الفرنسيين لم يستولوا على هذا النصب بالقوة، بل إن محمد علي باشا، حاكم مصر آنذاك، الذي لم يكن يكترث إطلاقاً للآثار الفرعونية، هو الذي وهبه لملك فرنسا شارل العاشر، كما وهب البريطانيين نصباً مماثلاً بهدف تعزيز علاقاته بهاتين الدولتين.

مهما يكن، لا يحتاح سوليه إلى الإجابة مباشرةً عن هذه الأسئلة داخل روايته، فكتابته المصقولة مثل الحروف الهيروغليفية التي تزيّن مسلّة الأقصر، تقوم بذلك مكانه. كتابة آسِرة وحيّة تنقل إلينا على أفضل وجه قربه الشديد من الناس الوضعاء، نفوره من كل رموز السلطة والطغيان الملازم لها، أفتتانه بالفن الفرعوني، وخصوصاً محبته الكبيرة لوطنه الأم.

المزيد من ثقافة