ملخص
همسات عن محاولة انقلاب منسقة في بكين، مع ما يزعم أن إدارة ترمب شجعت المعارضة الداخلية في جيش التحرير الشعبي لإطاحة شي جينبينغ.
بحسب الاستخبارات الأميركية، فقد أمر بينغ جيش التحرير الشعبي بـ"الاستعداد لغزو تايوان بحلول عام 2027"، وهو ما كان قد أشار إليه عام 2021 الأدميرال الأميركي ديفيدسون.
في الـ24 من يناير (كانون الثاني) الماضي، أمر الرئيس الصيني شي جينبينغ بتصفية قيادته العليا بالكامل، بعدما أعلنت وزارة الدفاع أن أعلى ضابط عسكري في الصين الجنرال تشانغ يوشيا، ورئيس أركان الجيش الجنرال ليو تشيلي، يخضعان لتحقيق بتهمة "انتهاكات جسيمة للانضباط الحربي والقانون" – وهو مصطلح يستخدمه النظام عادة للإشارة إلى الفساد، بل إن أحد التقارير الصحافية الغربية ذكر أن تشانغ سرب أسراراً نووية إلى الولايات المتحدة.
أخفى هذا الإعلان المقتضب للوزارة أكبر زلزال سياسي يضرب قيادة جيش "التحرير الشعبي" منذ قمع احتجاجات ميدان تيانانمن عام 1989، كذلك مثل هذا الإعلان ذروة حملة التطهير الأخيرة التي شنها الرئيس بينغ، تلك التي طاولت جميع أركان جيش "التحرير الشعبي" وأطاحت جميع كبار الضباط باستثناء واحد خلال الأعوام القليلة الماضية.
الأسئلة في واقع الأمر لفهم زلزال الجيش الصيني كثيرة، وتفتح الباب أمام واقع مغاير في الداخل الصيني، وفي المقدمة: "هل ما جرى كان مفاجأة بالفعل؟".
على رغم أن الخطوة شكلت صدمة، فإن بذورها زرعت في اجتماع عام للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فقد أقر ذلك الاجتماع رسمياً إقالة زميل تشانغ، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية – أعلى هيئة لصنع القرار العسكري في الصين – وشخصية بارزة أخرى في اللجنة كانت تشغل آنذاك منصب كبير المستشارين السياسيين لجيش "التحرير الشعبي".
هل كان الرئيس بينغ يستهدف قيادة جيش "التحرير الشعبي"، لا سيما في ظل تخفيض هذه الإقالات عدد أعضاء اللجنة العسكرية المركزية إلى النصف مقارنة بآخر تعديل وزاري أجري عام 2022؟
علامة الاستفهام الأكثر إثارة بدورها: "هل الإقالات والاتهامات الأخيرتين مؤشر إلى ضعف سيطرة بينغ على جنرالاته وربما عدم ثقته بهم؟ أم أن في الأمر نوعاً من صراع الفصائل المتنافسة داخل أسوار جيش "التحرير الشعبي"، حيث يقف بينغ كمراقب سلبي، ويقدم تفكيكه للجنة العسكرية المركزية بأكملها دليلاً ظاهرياً قوياً على افتقار هذه الأطر إلى القدرة التفسيرية، لكنها في الوقت ذاته تنكر على بينغ أعظم ميزاته، ألا وهي براعته في التخطيط طويل الأمد والصبر، ذاك الذي يتخلله هجمات سياسية خاطفة؟
الأسئلة فلسفياً أهم من الإجابات، فالأخيرة تقودنا في مسار محدد ومنضبط بصورة استباقية، بينما الأولى تأخذنا في إطار أوسع مما هو ظاهر للعيان، وتدعو إلى التفكير وتفكيك التابوهات، والصين بنوع خاص تبقى بحسب معنى الكلمة باللغة الصينية "الملكوت الأوسط أو المركزي" المليء بالأسرار.
اتهام الجنرال يوشيا بالعمالة لأميركا
في أواخر يناير الماضي بدأت الأخبار تتناول قضية اتهام قائد في الجيش الصيني الأعلى، بتسريب معلومات حساسة إلى الولايات المتحدة وتلقي رشى مقابل القيام بأعمال رسمية، بما في ذلك ترقية ضابط إلى منصب وزير الدفاع.
الإشارة الأولى في القصة جاءت من عند صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، التي أشارت إلى أن الجنرال تشانغ يوشيا كان يعتبر في السابق الحليف الأكثر ثقة لدى شي جينبينغ، الذي يقف اليوم متهماً بإرسال بيانات تقنية أساسية تتعلق بالأسلحة النووية للبلاد إلى الولايات المتحدة.
لا تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، بل تمضي لجهة مزيد السعي إلى بناء شبكات نفوذ لتقويض وحدة "الحزب الشيوعي" وإساءة استخدام سلطته.
في الوقت عينه، يجري المحققون أيضاً تحقيقاً في علاقاته مع المدير العام السابق للمؤسسة النووية الوطنية الصينية، غو جون، الذي يخضع للتحقيق بتهم تتعلق بانتهاكات مماثلة، فيما أفادت السلطات الصينية بأن التحقيق مع غو جون كشف عن صلات بخرق أمني في القطاع النووي الصيني، إلا أنها لم تفصح عن تفاصيل هذه الصلة.
يواجه تشانغ أيضاً اتهامات بتلقي رشى كبيرة مقابل ترقيات، بما في ذلك المساعدة في ترقية لي شانغو إلى منصب وزير الدفاع، وقد أقيل لي من منصبه عام 2023، وطرد من الحزب الشيوعي عام 2024 بتهمة الفساد.
كثيراً ما اعتبر الجنرال تشانغ شخصاً لا يمس، إذ كان يعرف الرئيس بينغ منذ طفولته، وقد خدم في الجيش الصيني طوال ستة عقود، وشهد قتالاً فعلياً خلال الصراع القصير بين الصين وفيتنام عام 1979.
ولعل أخطر ما في الاتهامات الموجهة إلى الجنرال تشانغ، تتعلق بسعيه إلى تأسيس "جماعات سياسية" داخل القوات المسلحة الصينية.
هل نحن إذاً أمام قضية تجسس ذات ملمح وملمس عسكريين، أم أننا إزاء أمر أخطر بكثير يتعلق بفكرة تفكيك وتفخيخ الصين من الداخل، بالضبط كما جرت المقادير قبل نحو أربعة عقود مع الاتحاد السوفياتي من خلال الدور الذي لعبه غورباتشوف؟
ربما يجب علينا قبل الجواب، التوقف قليلاً أمام مشهد التجسس الأميركي على الصينيين، وهو المقابل الموضوعي للتجسس الصيني الواسع والشاسع على الأميركيين، ماذا عن ذلك؟
تاريخ التجسس الأميركي على الصين
بعد الانفتاح الذي قاده وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على الصين، والذي عرف بـ"دبلوماسية البنغ بونغ"، حافظت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA على علاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات الصينية، وقد بذلت جهود مشتركة لإنشاء مراكز تنصت في شمال غربي الصين لمراقبة الاتصالات السوفياتية كجزء من مشروع "تشيستنت".
خلال احتجاجات ومجزرة ميدان تيانانمن عام 1989، راقبت وكالة الاستخبارات المركزية التحركات من خلال شبكة من المخبرين داخل الاستخبارات الصينية، وكذلك داخل حركة الاحتجاج، إذ قدمت لهم المساعدة بتوفير معدات اتصالات، بما في ذلك أجهزة الفاكس والآلات الكاتبة، وفي وقت لاحق، ساعدت شبكة وكالة الاستخبارات المركزية في الصين، قادة حركة الاحتجاج على الفرار بمساعدة المتعاطفين معهم في هونغ كونغ.
عام 2001 عثر على أجهزة تنصت مثبتة في طائرة رسمية صنعت في الولايات المتحدة للأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، جيانغ زيمين، وقتها عثرت السلطات الصينية على ما لا يقل عن 20 جهازاً، وغالبيتها كانت أجهزة تنصت قابلة للتشغيل عبر الأقمار الاصطناعية.
في العقد الثاني من الألفية الجديدة كشفت تسريبات إدوارد سنودن عن أنشطة استخباراتية أميركية واسعة النطاق في الصين، زاد هذا من مخاوف صانعي السياسات الصينيين من الهجمات الإلكترونية ضد الصين.
في ديسمبر (كانون الأول) 2020 أشار مقال نشر في مجلة "فورين بوليسي" بقلم زاك دورفمان، إلى أن عقوداً من الفساد داخل الحزب الشيوعي الصيني قد خلقت ثغرات استغلتها وكالات الاستخبارات الخارجية، لا سيما وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وكانت عمليات التطهير التي شنها الحزب الشيوعي الصيني، تحت ستار مكافحة الفساد، مدفوعة جزئياً في الأقل بمخاوف مكافحة التجسس.
في العامين الماضيين، قال مسؤولون سابقون في الاستخبارات الأميركية إن الولايات المتحدة تواجه مهمة شاقة في معرفة نيات القادة، في بلد تتزايد فيه عملية تركيز السلطة، وتنتشر فيه المراقبة على نطاق واسع، وذلك في ظل انتظام واشنطن وبكين في منافسة حادة بين القوى العظمى.
والمؤكد أن واشنطن، كانت ولا تزال في حاجة ماسة إلى معلومات موثوقة حول عملية صنع القرار في الصين، وسط مخاوف من أن تختار بكين تسليح القوات الروسية التي تشن حرباً في أوكرانيا أو محاولة السيطرة على تايوان بالقوة.
لكن في ظل حكم الرئيس بينغ، أصبحت الصين هدفاً مراوغاً لوكالات الاستخبارات الأميركية، وفقاً لخمسة مسؤولين استخباراتيين سابقين ومساعدين في الكونغرس.
في الوقت ذاته، قال مسؤولون سابقون إن تشديد شي جينبينغ قبضته على السلطة وجهاز المراقبة الإلكترونية الضخم لحكومته، وقمع المعارضة في هونغ كونغ والإغلاق الصارم الذي استمر ثلاثة أعوام بسبب جائحة كوفيد- 19، كلها عوامل جعلت جمع المعلومات الاستخباراتية أمراً بالغ الصعوبة.
هل توقفت واشنطن عن محاولات اختراق الصين؟ ثم الأهم، هل كان المقصود هو الحصول على معلومات عسكرية فحسب، أم أن الهدف الأكبر والأهم للإدارات الأميركية المتعاقبة منذ بداية الألفية الجديدة، هو قطع الطريق على القطبية الصينية القائمة والقادمة، ووقف تمددها وانتشارها من حول العالم؟
عن جاسوس ترمب في قلب بكين
شهدت الأيام الأخيرة من يناير الماضي، تسارعاً في تقديم الرؤى والتحليلات التي واكبت قضية إعلان الصين عن تجسس أميركي عالي المستوى، في صفوف أعلى قياداتها العسكرية.
لم يكن الأمر مفاجئاً، ذلك أن نظرة سريعة على استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2022، أي في عهد الرئيس السابق جو بايدن، تفيد بأن الصين هي العدو الاستراتيجي الأكثر خطورة على مستقبل الولايات المتحدة.
استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأحدث، التي صدرت أوائل ديسمبر الماضي، عطفاً على استراتيجية وزارة الدفاع الأميركية التي تلتها بأسابيع قليلة، بدت وكأنها تخفف من عبء المواجهة الصدامية عسكرياً مع الصين، مما يفتح الباب واسعاً للتساؤل: "هل باتت لدى الرئيس ترمب أدوات أخرى للتعاطي مع الصين؟ وهل جرى التركيز على المؤسسة العسكرية بنوع خاص، بهدف إحداث أكبر قدر من الإرباك والارتباك داخل صفوف الصينيين أنفسهم؟
الأسلوب المتقدم يذكر كثيرين بالنموذج الذي اعتمد في نهاية ثمانينيات القرن الماضي مع الاتحاد السوفياتي، حين أشار بعض المتابعين إلى أن واشنطن قد كسبت معركتها مع موسكو، من غير أن تتكبد عناء إطلاق رصاصة واحدة، وذلك من خلال الدور الذي لعبه ميخائيل غورباتشوف، آخر سكرتير عام للحزب الشيوعي، عبر طروحاته الخاصة بالجلاسنوست والبريسترويكا، مما قاد إلى تفتيت الكتلة السوفياتية.
في هذا الصدد، تفيد تقارير أميركية بأن ترمب أطلق عملية بالغة الخطورة تهدف إلى زعزعة استقرار القيادة الصينية، وذلك من خلال الوصول إلى بعض من أعلى القيادات العسكرية الصينية، وتجنيدهم سراً لحساب الولايات المتحدة، وذلك كجزء من استراتيجية ترمب الأوسع لتحييد المنافس العالمي الرئيس للولايات المتحدة.
هنا يبدو التقرير الذي سربته صحيفة "وول ستريت جورنال" كأنه أداة لتعزيز الخبر وتأكيده، وليس نفيه، أي خبر نجاح واشنطن في اختراق قلعة السرية الصينية، وبخاصة في حال صدقت الأحاديث عن قيام الجنرال تشانغ بتسليم مواصفات فنية ومواقع استراتيجية تابعة للترسانة النووية الصينية إلى الاستخبارات الأميركية، مما يمنح الولايات المتحدة ميزة غير مسبوقة، إذ يحيد فعلياً قدرة الصين النووية على الردع، ويكشف ضعف أنظمتها الدفاعية.
هل كانت عملية التجسس الأميركية الأخيرة – في حال ثبوتها بصورة مطلقة - تتجاوز العسكرة؟
همسات غالب الظن أن هناك ما ورائيات غير واضحة حتى الساعة، فإلى جانب التجسس، تزامنت همسات عن محاولة انقلاب منسقة في بكين، مع ما يزعم أن إدارة ترمب شجعت المعارضة الداخلية في جيش التحرير الشعبي لإطاحة شي جينبينغ، وتشير التقارير إلى أن الجنرال تشانغ كان يشكل فصيلاً من الضباط الساخطين على سياسات بينغ، فيما كان الهدف الرئيس هو إحداث تغيير في القيادة يتماشى مع المصالح الغربية، مما ينهي فعلياً عهد بينغ من السيطرة المطلقة.
هل أدى اكتشاف هذه المؤامرة إلى حملة تطهير واسعة النطاق داخل صفوف الجيش الصيني؟
ربما قبل الجواب عن هذا السؤال، ينبغي التوقف أمام جزئية مهمة للغاية، عن السبب الرئيس الذي يمكن أن يدفع واشنطن وترمب لتكثيف أعمال التجسس على بكين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
النووي الصيني وحديث الصندوق الأسود
يبقى حديث النووي الصيني، هو بمثابة أهم وأخطر جزئية يمكن أن تثير قلق الولايات المتحدة وإدارة ترمب في الوقت الحاضر.
في الثالث من سبتمبر (أيلول) 2025 أقامت الصين عرضاً عسكرياً احتفالاً بالذكرى الـ80 لانتصارها على اليابان، وطوال الأعوام الخمسة الماضية انتظمت الصين في أكبر برنامج لتطوير ترسانتها النووية على الإطلاق، إذ ضاعفت حجم ترسانتها من 300 سلاح عام 2020 إلى ما يقدر بنحو 600 سلاح نووي عام 2025 .
في المقابل، تشير تقديرات وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الصين ستمتلك أكثر من 1000 سلاح نووي بحلول عام 2030، كذلك كشف العرض العسكري الصيني لمناسبة "يوم النصر" عن خمس قدرات نووية قادرة جميعها على الوصول إلى الولايات المتحدة القارية.
من هنا تبدو الحاجة إلى عمليات استخباراتية أميركية في قلب الصين لتقديم إجابات شافية وافية عن تساؤلات جوهرية، ذلك أنه إذا كانت الصين تسعى إلى تحقيق التكافؤ مع الولايات المتحدة، فإن أول وأهم سؤال هو: "ما التغيرات السياسية التي ستلي هذا التوسع؟".
المعنى هنا، هو قدر التمدد الخاص بالنفوذ الصيني حول العالم، بدءاً من عند منطقة الإندوباسفيك، مروراً بالقارتين الأوروبية والأفريقية، وصولاً إلى أميركا اللاتينية حيث ترسم بكين مستقبلاً واسعاً لدوائر نفوذها المرتكز إلى القوة العسكرية التقليدية تارة والنووية تارة أخرى.
هل الصين وبخاصة طموحاتها النووية صندوق أسود الهدف معرفة ما بداخله؟
بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية السابقين كانوا أكثر تفاؤلاً في شأن قدرة أميركا على فهم الصين، إذ يقولون إن شي وغيره من كبار المسؤولين الشيوعيين، غالباً ما يصرحون علناً بأهداف النظام وغاياته.
في هذا السياق تحدث مسؤول سابق في وكالة NSA لشبكة "سي أن أن" الإخبارية الأميركية، بالقول: "الصين ليست صندوقاً أسود للاستخبارات بل على العكس تماماً، فمن خلال دراسة خطابات الرئيس الصيني شي جينبينغ توصل محللو الاستخبارات منذ فترة طويلة إلى أن بينغ يسعى إلى إزاحة الولايات المتحدة عن صدارة القوى العالمية، واستبدال نظام يعكس قيم الصين ومصالحها بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة".
هل الخوف من قيام الصين بتزويد روسيا بالأسلحة التي تدعم حربها ضد أوكرانيا، كان سبباً ضمن أسباب اختراقات واشنطن للقيادة العسكرية الصينية، كما هو معلن؟
بالرجوع إلى بعض تصريحات مدير الاستخبارات المركزية الأميركية CIA السابق ويليام بيرنز، نجد أنه قد أشار علناً إلى أن الصين كانت تفكر في تزويد روسيا بالأسلحة في حربها ضد أوكرانيا.
هنا تقول كبيرة محللي الاستخبارات في مجموعة "سوفان"، وهي شركة استشارات استخباراتية وأمنية عالمية، مولي سالتسكوج، إن هذا الكشف "يظهر بعض المعلومات حول ما يجري في المستويات العليا للحكومة الصينية".
من هنا يمكن فهم لماذا تعهد قادة الاستخبارات الأميركية بجعل الصين على رأس أولوياتهم، ففي عام 2021، أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية عن إنشاء مركز جديد متخصص في جمع المعلومات الاستخباراتية عن الصين، وقد أعلن وقتها ويليام بيرنز عن أن المركز سيعزز العمل الجماعي في مواجهة أخطر تهديد جيوسياسي تواجهه الولايات المتحدة الأميركية في القرن الـ21، ألا وهو الحكومة الصينية التي تزداد عدائية.
إلى هنا، وعند هذا الحد، يبدو الحديث متمحوراً حول شق الجاسوسية الأميركية على الصين والصينيين، سياسيين وعسكريين، برامج نووية وطموحات مدنية اقتصادية.
لكن، يبقى الجانب الآخر الأكثر أهمية، وهو حديث إطاحة الرئيس بينغ كبار جنرالاته، وهل حملة التطهير الجارية الآن الهدف الحقيقي من ورائها هو استباق الانقلاب الذي كان يعد له في الخفاء؟ أم أن في الأمر شؤوناً وشجوناً أخرى؟
انقلاب بينغ ضد جنرالات الجيش
لا يبدو أن الشق السياسي في المشهد الصيني الأخير ظاهر بقوة، لكنه في حقيقة الأمر في حاجة إلى تعميق البحث والتفتيش في الصياغات الداخلية الصينية.
هنا يظهر من نافذة الأحداث تساؤل مصيري مثير: "هل فقد شي جينبينغ"، ثقته في جنرالاته؟
يمكن القطع بأنه جرى العرف أن تستخدم حملات مكافحة الفساد داخل الحزب الشيوعي لإجبار السياسيين على التزام القواعد ومعاقبة عدم الولاء.
غير أنه في الآونة الأخيرة يبدو أن التركيز قد تحول إلى الجنرالات والجيش، إذ يتطلع شي إلى إعادة تشكيل هيكل قيادة القوات المسلحة، ولم تكن أنباء الجنرال تشانغ هي الأولى من نوعها، ففي أكتوبر الماضي أعلنت السلطات الصينية عن تحقيقات في قضايا فساد تطاول تسعة مسؤولين عسكريين.
يقول مينغ شيه شين، من معهد تايوان لأبحاث الدفاع والأمن القومي، إن تشانغ كان من أشد المؤيدين لشي جينبينغ عام 2022 عندما خالف شي الأعراف الداخلية الراسخة لتأمين ولاية ثالثة في المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي، ويضيف "لقد خرق شي كثيراً من القواعد والمحرمات الراسخة داخل الجيش أيضاً، حين قام بترقية حلفاء موثوق بهم في وقت أبكر من المعتاد من أجل تأمين سلطته".
لكن شين يجادل بأنه بعد حملة مكافحة الفساد الأولى ضد الجيش، ربما شعر تشانغ بأنه محاصر ومهدد بصورة متزايدة، على رغم أنه لم يكن هدفاً في البداية.
هنا يبدو من الواضح أن شي جينبينغ لم يعد يثق في تشانغ، وعليه فإن التكهنات حول سبب سقوط الجنرال اللامع من منصبه – سواء كان ذلك بسبب الفساد أو الرشوة أو حتى التجسس المزعوم لمصلحة أجهزة استخبارات أميركية – لا طائل منها ما بقيت الثقة، لكن بمجرد زوال الثقة تصبح التهمة المحددة مجرد إجراء شكلي.
في تغطيتها قضية تشانغ، اتهمته صحيفة "جيش التحرير الشعبي" بإساءة استخدام السلطة الممنوحة له من قبل رئيس الأركان بصفته القائد العام للقوات المسلحة، وأكدت الصحيفة أن أية رتبة عسكرية لا تمنح حصانة، وأن أي شرف عسكري لا يوفر الحماية من الملاحقة القضائية.
ماذا يعني هذا الكلام؟
باختصار، هذا يشير إلى أن تشانغ ربما قد يكون بالفعل قد بدأ في بناء شبكة من المؤيدين المخلصين داخل الجيش، بحسب ما يقول تشونع تشيه، وهو باحث أيضاً في معهد تايوان لأبحاث الدفاع والأمن القومي، ويضيف "من المرجح أن شي جينبينغ كان ينظر إلى هذه الشبكة على أنها تهديد محتمل، ولا بد أن مصالح شي أو الحزب الأساسية كانت على المحك".
ويضيف تشونغ أن أي شخص يشكك في سلطة شي كرئيس، يواجه خطر اتهامه بعدم الولاء أو حتى التمرد.
هل تعني إقالة الجنرال تشانغ أنه لا أحد الآن في القيادة العسكرية الصينية بات بمأمن من حملة التطهير التي يخوضها الرئيس بينغ؟
يبدو ذلك، وهذا ما يؤكده جوناثان تشين، من معهد "بروكينجز" في واشنطن، الذي وصف الأحداث الأخيرة في الصين بأنها "مثيرة وخطرة".
ويضيف تشين الذي أمضى أعواماً كمحلل صيني بارز في وكالة الاستخبارات المركزية، وشغل منصب مدير الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي في الفترة من 2021 إلى 2023، أن التحقيق يمثل تحولاً عميقاً في السياسة الصينية.
الفوضى أم الاستعداد للهجوم على تايوان؟
السؤال المتقدم يبدو أنه محور اهتمام كثيرين حول العالم، لا سيما في شرق آسيا، حيث باتت الصين تمثل كتلة وازنة في جميع الأحوال.
تبدو عملية التطهير في صفوف القيادات العسكرية الصينية، وكأنها تدخل الجيش الصيني في حال من الفوضى، بل وتثير تساؤلات حول تايوان.
هل جاءت عملية اتهام الجنرال تشانغ كتذكير مباشر من الرئيس بينغ بأن الولاء السياسي يأتي قبل الاستعداد القتالي بكثير؟
المعروف أن الرئيس بينغ قد ضاعف موازنة وزارة الدفاع الصينية منذ توليه منصبه، في محاولة لجعل بكين قوة عسكرية "عالمية المستوى" بحلول عام 2049.
وبحسب الاستخبارات الأميركية، فقد أمر بينغ جيش التحرير الشعبي بـ"الاستعداد لغزو تايوان بحلول عام 2027"، وهو ما كان قد أشار إليه عام 2021 الأدميرال الأميركي ديفيدسون.
هنا السؤال المثير الأكثر خطورة: "هل قرر الرئيس بينغ التسريع بعملية إعادة تايوان إلى الحضن الأم في العام الحالي 2026، وعلى هذا الأساس، عمل بسرعة وحسم كبيرين على تنقية صفوف الجيش من أي شوائب يمكن أن تعوق تحقيق أغراضه؟".
المعروف أنه في إشارة إلى استياء الرئيس بينغ من التقدم المحرز نحو إدراك الأهداف الخاصة بتايوان وبوضعية الجيش الصيني على مستوى العالم، فإن بينغ فصل تسعة من كبار جنرالاته في أكتوبر الماضي، بمن فيهم هي وبدونغ نائب الرئيس السابق للجنة العسكرية المركزية.
في هذا السياق، يصرح لايل موريس وهو زميل بارز في معهد سياسات جمعية "آسيا"، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أن "عملية التطهير التي تجري الآن داخل صفوف جيش التحرير الشعبي قد اكتملت بالفعل، إنها عملية تنظيف شاملة بل أكبر عملية تطهير في التاريخ الصيني منذ عام 1949".
قراءة السيد موريس ربما تقدم تفسيراً مغايراً لفكرة الهجوم على تايوان، إذ يرى أن إحدى النتائج المرتبة على اتهامات الجنرال تشانغ، وكذلك تخفيض عدد أفراد اللجنة المركزية العسكرية، هي ترك جيش التحرير الشعبي في حال من الفوضى وتأخير أي تحرك من أجل تايوان.
من هذا المنطلق يعتقد أنه على الأميركيين "أن يناموا قريري العين أعواماً، انطلاقاً من أنه لا يمكن لجيش التحرير الشعبي أن يقوم بتنفيذ خطة طوارئ في تايوان، من غير وجود قيادة عسكرية على رأسها جنرالات كبار مسؤولين، وقادرين على خوض واحدة من المعارك العسكرية الشديدة الخطورة والوعورة، التي يمكن أن تقود الصين إلى الدخول في مواجهات عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية، وربما حرب إقليمية لا تنفك تضحى عالمية".
هل انتهت الأسئلة عند هذا الحد؟
قطعاً لا، ذلك أن كثيراً من الضباب يخيم على الداخل الصيني، ولا أحد يعلم نيات شي جينبينغ، وبخاصة في ظل أن ولايته الثالثة ستنتهي عام 2027، وعليه تبقى تساؤلات أكثر حول أهدافه التي يريد تحقيقها، وهل يتطلع على سبيل المثال لأن يكتب اسمه في تاريخ القادة الصينيين العظام مثل ماوتسي تونغ ودينغ شياو بنغ، من خلال مغامرة تايوان التي تضع العالم أمام حقيقة مؤكدة، وهي أن الجزيرة جزء من الصين الأم الموحدة؟
في كل الأحوال، تبقى السياسات الصينية الداخلية لغزاً داخل أحجية، ضمن سر كبير ملقى في بئر عميقة حتى إشعار آخر.