Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يناير وتراجع معدلات الطلاق: أرقام تثير حفيظة العراقيات

قراءة التفاصيل تثير جدلاً بين حقوقيين والمحتفيين بانخفاضات عام 2025

نساء رافضات للقانون الجعفري في تظاهرات بالعراق (مواقع التواصل)

 

ملخص

بحسب بيان مجلس القضاء الأعلى، بلغ مجموع عقود الزواج في يناير من العام الماضي (27002 عقد) في مقابل تسجيل (4888 حالة طلاق) في عموم المحافظات عدا إقليم كردستان. ولأن المقارنة انتشرت على هيئة "يناير مقابل يناير"، جرى وضع هذه الأرقام قبالة يناير عام 2024، حيث سجّل الشهر ذاته (28980 عقد زواج) و(5099 حالة طلاق)، ثم قُدمت النتيجة على أنها هبوط كبير.

"إن الخطاب الذي يُسوق اليوم حول "انخفاض الطلاق" خطاب مائل عن الواقع، لأنه يحول المرأة إلى سلعة في سوق السياسة والوعظ، وكأن الزواج والانفصال ملفان تديرهما النساء وحدهن. هذا التبسيط المقصود يختزل المجتمع كله في مشهد واحد، امرأة تُدان سلفاً، ثم يُعاد تفسير كل ارتفاع أو تراجع في الأرقام على أنه نتيجة "سلوكها"، بينما تُمحى من الصورة عوامل الاقتصاد والعنف الأسري وطبيعة القضاء وسرعة الفصل في الدعاوى، وحتى الطلاق الذي يحدث خارج المحكمة".

السطور السابقة تمثل جانباً من تعليقات ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، عقب نشر مجلس القضاء الأعلى إحصائية خاصة بشهر يناير (كانون الثاني) 2025. فبعد نشر هذا الخبر بدأ ترويجه بحدوث "انخفاض" في حالات الطلاق، إذ تحولت الإحصائية مباشرة إلى مادة دعائية تُقدم كبرهان سريع على "نجاح" التعديل المتصل بالمدونة الجعفرية من قبل سياسيين ورجال دين مروجين للقانون. ورافق ذلك اعتراض علني من ناشطين ومحامين اعتبروا أن هذه المقاربة تختزل قضية معقدة في رقم واحد، وتعيد تدوير خطاب يحمل المرأة وحدها معنى الزواج والطلاق، ثم يعيد توزيع اللوم عليها كلما تغير العداد، هذا إضافة إلى عدم مصداقيته.

وبحسب بيان مجلس القضاء الأعلى، بلغ مجموع عقود الزواج في يناير من العام الماضي (27002 عقد) في مقابل تسجيل (4888 حالة طلاق) في عموم المحافظات عدا إقليم كردستان. ولأن المقارنة انتشرت على هيئة "يناير مقابل يناير"، جرى وضع هذه الأرقام قبالة يناير عام 2024، حيث سجّل الشهر ذاته (28980 عقد زواج) و(5099 حالة طلاق)، ثم قُدمت النتيجة على أنها هبوط كبير.

من أين جاء خبر "الانخفاض" وكيف انتشر؟

دخلت شخصيات دينية على خط الترويج، وفي مقدمتها رشيد الحسيني، الذي يعرف حساباته الرسمية على أنها منصة لاستقبال الأسئلة الفقهية ونشر الإجابات. وعبر قناته في "تيليغرام" كتب أن حالات الطلاق سجلت "انخفاضاً حاداً" بعد تطبيق القانون الجعفري وانتصاراً للقانون، وهي صياغة التقطتها صفحات عدة وقدمتها كأنها خلاصة اجتماعية نهائية.

وتقدمت كذلك النائبة زهرة البجاري واجهة هذا الخطاب حين تحدثت علناً عن "انخفاض" في معدلات الطلاق. وفي الأسابيع التي سبقت ذلك، روج نواب في أوقات متفرقة إلى تكرار الفكرة نفسها بصيغ متقاربة، والتركيز على مفهوم "الانخفاض" وفي المقابل ظل مجلس القضاء الأعلى على نمطه المعتاد في نشر الجداول الشهرية بوصفها أرقاماً خاماً من دون إصدار تصريح منفصل يقرر وجود انخفاض بالمعنى المتداول أو يشرح معيار القياس الذي اعتمدته التصريحات السياسية، وهو ما فتح مساحة ترند بين مؤيد يرى في الرقم انتصاراً تشريعياً، ومشكك يعده قراءة انتقائية تسحب من الإحصاء سياقه وتُلبسه معنى لم يثبته القضاء نفسه.

الزواج موسمياً والطلاق شبه ثابت

تقول الناشطة تمارة محمد، إن ما جرى كان جزءاً من استمرار لصناعة جهل عام عبر عبارات محفوظة تتكرر حتى تتحول إلى "حقيقة" في أذهان الناس، غايتها شيطنة المرأة وتقديمها كأصل للمصائب، مع دفع الجمهور إلى التسليم بثقة مطلقة لمن يروج هذا القانون من رجال دين وسياسيين. وأضافت أن كثيرين يكتفون بما يُقال على المنابر والشاشات، ويمرون على نص القانون وآثاره مروراً سريعاً، من دون قراءة هادئة لما يفتحه من أبواب تمس حضانة الأطفال والنفقة وتثبيت الزواج وآليات التقاضي، وما يعنيه ذلك لحياة الناس اليومية.

وكل حديث عن "انخفاض الطلاق" يبدأ من سؤال القياس قبل سؤال الرقم. هل المقصود عدد الدعاوى المسجلة في شهر واحد، أم عدد الأحكام القطعية، أم نسبة الطلاق إلى عقود الزواج في الشهر نفسه، أم معدل قياساً إلى السكان. وتوضح تمارة أن الترويج يلتقط العدد المطلق لأنه أسهل تسويقاً، ثم يقدمه كتحول اجتماعي، مع أن الشهر يتأثر بموسمية الزواج وبطء الفصل وتراكم الملفات والتسويات التي تُغلق قبل حكم.

 

وترى أن المادة الثانية تفتح مساحة خطرة لتحويل طريق النزاع داخل المحكمة عبر طلب يقدمه أحد الطرفين في عقود سابقة على نفاذ المدونة، فتلتزم المحكمة بإطار مختلف، وهنا يتحول الإجراء إلى ورقة ضغط بيد الطرف الأقوى داخل العلاقة، وغالباً ما يكون الرجل.

عند هذا الحد، قد تنسحب امرأة من دعواها أو تقبل صلحاً تحت تهديد تغيّر شروط الحضانة أو النفقة، فينخفض "المسجل قضائياً" فيما التفكك الأسري مستمر من دون ختم رسمي. وعن هذا تشير تمارة في حديثها لـ "اندبندنت عربية"، إن "العنوان المضلل هو الذي يكتفي بعداد شهر واحد، أما القراءة المهنية فتحتاج سلسلة زمنية كاملة، وتفريقاً بين الطلاق والتفريق والخلع، ثم فحص مؤشرات الطلاق غير المسجل عبر قضايا النفقة والحضانة التي تظهر لاحقاً. لكن الآلية كانت بسيطة ومغرية لجمهور متعب من التفاصيل، أخذوا العدد المنشور عن يناير 2025، ثم قفزوا مباشرة إلى مقارنة شهر بشهر، من دون أي تدقيق في طريقة القياس أو معنى النسبة، فخرجت القراءة من باب التفسير الاجتماعي إلى باب التسويق السياسي".

هل الشهر كافٍ للإحصاء؟

وعقب انتشار الادعاء، قام عدد من المحامين والناشطين بإعادة احتساب المؤشر الذي يُفترض الاعتماد عليه مهنياً، نسبة الطلاق إلى عقود الزواج، فظهر أن "الانخفاض الحاد" يتبدد فور الانتقال من العدد المطلق إلى النسبة. فوفق أرقام يناير 2025، سجلت المحاكم 4888 حالة طلاق مقابل 27002 عقد زواج، أي قرابة 18.1 في المئة، في حين سجل يناير 2024 نحو 5099 حالة طلاق مقابل 28980 عقد زواج، أي قرابة 17.59 في المئة، ما يعني أن تراجع العدد وحده لم ينعكس تحسناً في النسبة.

وبالتوازي، نشرت منصة "التقنية من أجل السلام" شرحاً لطريقة الطرح التي تُستخدم في ترويج الانخفاض، وبينت أن اختيار رقم منفرد من دون نسبته إلى عقود الزواج، ثم تقديمه كاتجاه اجتماعي، يخلق قراءة مضللة تتجاهل سياق بقية أشهر السنة، وتغفل أثر مسارات التقاضي، وتترك خارج الحساب واقع الانفصال الذي يقع خارج المحكمة أو ينتهي بتسويات غير مسجلة.

ويعود تاريخ "القانون الجعفري" إلى التعديل الذي صوت عليه مجلس النواب في 21 يناير عام 2025 ضمن سلة تشريعات واحدة، وهي طريقة تصويت طُعن بها لاحقاً على أساس أنها جمعت قوانين متعددة في تصويت واحد، وهو ما فجر موجة احتجاجات وفتح الباب أمام مخاوف حقوقية تتصل بمكانة النساء والأطفال داخل منظومة الأحوال الشخصية.

وفي الرابع من فبراير (شباط) عام 2025، أصدرت المحكمة الاتحادية أمراً بتعليق تنفيذ القوانين الثلاثة موقتاً، ثم عادت بعد ذلك بأسبوع ورفضت الطعن ورفعت التعليق، لتبدأ مرحلة النفاذ الفعلي مع نشر التعديل في الوقائع العراقية ودخوله حيز التنفيذ في الـ17 من الشهر نفسه.

 

أما جوهر التعديل، وفق الناشطة تمارة محمد، فقد فتح الباب أمام نظامين متوازيين داخل المحكمة نفسها، قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 من جهة، ومدونة تُصاغ على أساس الفقه الجعفري من جهة ثانية، على أن يختار الزوجان عند تسجيل عقد الزواج أي نظام يحكم الزواج والطلاق وشؤون الأطفال والإرث، مع قيود تمنع تغيير هذا الاختيار لاحقاً وفق قراءة حقوقية للتعديل.

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد تحدثت عن إقرار "المدونة الجعفرية للأحوال الشخصية" في 27 أغسطس (آب) 2025، معتبرة أنها رسخت تمييزاً ضد النساء في ملفات الزواج والطلاق والإرث ورعاية الأطفال، وذكرت من ضمن ما وثقته أن المدونة تتضمن آليات تمنح الزوج مساحة واسعة في تحويل العقد ليخضع للمدونة من دون علم الزوجة أو موافقتها.

الانتصار على حساب النساء

ويقول المحامي صفاء اللامي، إن افتراض انخفاض الطلاق في الفترة المقبلة لا يصنع انتصاراً حقيقياً للقانون، حتى لو بدا الرقم مريحاً على الورق. يضيف، "فرضاً جدلاً، فإن الانخفاض سوف يتحقق عبر كلفة أعلى تدفعها المرأة حين تدخل المحكمة، مثلاً بالخوف من خسارة الحضانة أو تآكل النفقة أو تبدل شكل الدعوى تحت ضغط أدوات قانونية جديدة، فتلغي إمكانية إنصافها مقابل حماية أبنائها أولاً، حتى لو كان الثمن أذى طويلاً داخل علاقة متصدعة ومليئة بالظلم بحقها.

وفق إحصاءات مجلس القضاء الأعلى لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) والأشهر التي سبقته، يظهر أن المعدل الشهري لحالات الطلاق يدور غالباً بين خمسة آلاف وسبعة آلاف حالة. في المقابل تتذبذب أعداد عقود الزواج على نحو أوضح، إذ تنخفض في بعض الفترات المرتبطة بمناسبات دينية وأعراف اجتماعية شائعة بعدم إبرام العقود خلال رمضان أو محرم أو صفر، ثم ترتفع في أشهر أخرى، فيما يلفت النظر أن منحنى الطلاق يميل إلى الثبات أكثر من تأثره بهذه الموسميات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشرح صفاء اللامي أن القراءة الدقيقة تحتاج فهم تصنيفات المحكمة قبل الاستنتاجات المتسرعة. التفريق خطوة قضائية تُطلب من المحكمة وبطلب من الزوج أو الزوجة فتقضي به، أما الطلاق فيُوقعه الزوج وتختلف آثاره بين الرجعي والخلعي بحسب وقائع كل حالة. ويضيف أن جزءاً من القضايا ينتهي بصلح وعودة للحياة الزوجية، وهذه النهايات تُغلق كحالات صلح ولا تدخل ضمن عداد الطلاق أو التفريق المنشور. ثم يخلص اللامي إلى أن الجهة التي تملك حق إعلان وجود انخفاض من عدمه هي القضاء وحده، لأن ملفات الطلاق والتفريق محفوظة داخل المحاكم حصراً، وكل ما عدا ذلك يبقى تداولاً غير محكوم بقواعد الإحصاء القضائي.

ويبين اللامي، أنه ومنذ إقرار التعديل المتصل بالمدونة الجعفرية، ثم دخوله حيز التنفيذ، لم تظهر في الإحصاءات الشهرية لمجلس القضاء الأعلى قفزة حاسمة يمكن البناء عليها باعتبارها "صعوداً" أو "هبوطاً" بالمعنى الذي يُتداول على المنصات، بل أقرب إلى تذبذب ضمن نطاق معتاد، يتأثر بمزاج التقويم الاجتماعي أكثر مما يتأثر بعامل واحد.

ويضيف، "أعداد الزواج تتبدل تبعاً لمواسم دينية وأعراف شائعة تؤثر في توقيت إبرام العقود خلال رمضان ومحرم وصفر، ثم ترتفع الزواجات مثلاً في أشهر أخرى مثل عيدي الفطر والأضحى، بينما يميل منحنى الطلاق إلى ثبات نسبي، مع فروقات شهرية محدودة ترتبط أيضاً بتراكم الدعاوى وسرعة حسمها وتوقيت تسجيلها في المحاكم. لهذا، أي قراءة تحتفل "بانخفاض" اعتماداً على شهر واحد، أو تخوف من "ارتفاع" اعتماداً على شهر آخر، تظل قراءة انتقائية، لأن الحكم المهني يحتاج سلسلة زمنية أطول تقارن قبل التعديل وبعده، وتضع الرقم في سياقه بدل إخراجه كعنوان منفصل".

مكاتب رجال الدين غير مسجلة

الناشطة إيناس جبار، توضح، أن التعويل على إحصاءات المحاكم وحدها صار يعطي صورة ناقصة عن الواقع، لأن التعديل المتصل بالمدونة فتح باباً لعقود زواج تُبرم خارج المحكمة عبر رجال دين وتُعامل كعقود معتبرة، ومع هذا تدخل وقائع الزواج والانفصال إلى جهات غير رسمية خارج الرقابة.

وتقول إن ما يجري اليوم يخلق تداخلاً في السلطات، إذ غدت المؤسسة القضائية شبه معطلة عن جزء من مهامها مع تولي جهات أخرى التزويج والطلاق وإجراءات ملاصقة لهما، الأمر الذي يربك سؤال المصدر الإحصائي نفسه، بعدما كان واضحاً سابقاً أن المرجع هو بيانات مجلس القضاء الأعلى.

وترى جبار أن تشريع الزواج خارج المحكمة يفرض واقعاً جديداً على الإحصاء، فالوقائع تتوزع بين المحكمة ومكاتب رجال الدين وفضاءات الصلح الاجتماعي، من دون نظام توثيق موحد يضمن تسجيلاً قابلاً للتدقيق، وعندها تفقد أحكام "الانخفاض" و"الارتفاع" معناها حين تُحتسب على أرقام المحاكم فقط بينما جزء معتبر من القصص يحدث خارجها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير