ملخص
مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل"، يؤكد السفير الإيطالي في بيروت فابريتسيو مارتشيللي في مقابلة مع "اندبندنت عربية"، استعداد بلاده لمواصلة وجودها العسكري في لبنان، كاشفاً عن أن الأمر قد يحصل بصيغ عدة، من قوة دولية جديدة إلى مهمة أوروبية أو ثنائية، بالتوافق مع السلطات اللبنانية. وأبدى السفير الإيطالي تقدير بلاده لجهود كل من الجيش اللبناني في حصر السلاح والحكومة اللبنانية في إقرار الإصلاحات، مؤكداً أن العمل "يجب أن يستمر بالوتيرة نفسها".
ماذا ينتظر لبنان بعد انسحاب قوات "اليونيفيل" من جنوبه؟ هل يبقى الجيش اللبناني وحيداً في مواجهة الجيش الإسرائيلي في منطقة حدودية من الأكثر اضطراباً في الشرق الأوسط؟ سؤال يطرح بقوة في بيروت، حيث تسعى السلطات اللبنانية إلى إيجاد بديل يسد أي فجوة أمنية محتملة بعد انسحاب قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بحلول نهاية 2027.
في مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون إبداء عدد من الدول الأوروبية رغبتها في إبقاء قوات بعد انسحاب قوة حفظ السلام وترحيب لبنان بهذا الأمر. رئيس الحكومة نواف سلام شدد بدوره في تصريحات علنية على الحاجة إلى نشر قوة دولية على الحدود مع إسرائيل تمزج بين المراقبين وعناصر حفظ السلام عقب انسحاب "اليونيفيل". في الأثناء، تكثر في الأوساط الصحافية تسريبات عن العمل على إيجاد صيغة جديدة تنتشر تحت مظلتها قوات دولية جنوب لبنان.
وسط كل الغموض الذي يحيط بهذا الملف على رغم أهميته لاستقرار لبنان والشرق الأوسط عموماً، لم يخرج بعد أي موقف واضح وصريح من الدول المعنية في هذا الشأن، باستثناء إيطاليا التي أعلنت مباشرة على لسان وزير دفاعها غوايدو كروستو، خلال زيارته إلى لبنان في ديسمبر (كانون الثاني) 2025، استعدادها لإبقاء قوات في جنوب الليطاني بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، مشيراً كذلك إلى استعداد دول أوروبية أخرى القيام بالأمر نفسه.
في ضوء هذا التصريح اللافت، قابلت "اندبندنت عربية" السفير الإيطالي في بيروت فابريتسيو مارتشيللي للوقوف عند رؤية بلاده للوضع في لبنان والصيغة التي يمكن أن تبقي من خلالها قواتها في الجنوب.
استقرار الشرق الأوسط
نبدأ حديثنا معه عن قوات "اليونيفيل"، التي يتولى قيادتها حالياً اللواء الإيطالي ديوداتو أبانيارا وتشارك فيها إيطاليا بأكبر قوة بشرية مع أكثر من 1100 عنصر من أصل نحو 8300 من 48 دولة. كيف تقيّم روما عمل هذه القوة وهل كانت مع قرار إنهاء مهمتها؟
يشير مارتشيللي إلى أن الجنود الإيطاليين انضموا إلى قوات "اليونيفيل" بشكل متواصل منذ تأسيسها عام 1978 وتعاقب على الخدمة فيها عشرات الآلاف منهم، مؤكداً أن "استقرار منطقة البحر المتوسط مصلحة أساسية لإيطاليا التي تقع على الضفة الشمالية للمتوسط، وتعتبر لبنان بلداً محورياً لاستقرار" المنطقة. ويوضح السفير الإيطالي أن بلاده كانت من مؤيدي تمديد مهمة "اليونيفيل"، وكذلك فرنسا "صاحبة القلم" في القرار الدولي 1701، لكن معارضة دولة أخرى في مجلس الأمن حالت دون ذلك، في إشارة إلى الولايات المتحدة التي رفضت حينها التمديد.
وفي ما يتعلق بتقييم أداء "اليونيفيل"، يسأل مارتشيللي "ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك ’اليونيفيل‘ كقوة عازلة بين ’حزب الله‘ وإسرائيل؟"، مضيفاً "أعتقد أن الحرب كانت ستندلع قبل عام 2024 بكثير"، في إشارة إلى تحول الصراع بين الطرفين إلى حرب مفتوحة في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام. ويشير السفير الإيطالي أيضاً إلى أن إسرائيل طلبت مراراً انسحاب "اليونيفيل" لكن القوة الأممية "لم تمتثل لهذه الطلبات، فقد بقيت في مواقعها، وتعرضت لإطلاق نار من الجانبين، من إسرائيل وحزب الله‘، وسقط عدد من الجرحى في صفوفها، ومع ذلك استمرت في أداء مهامها طوال شهري الحرب" المفتوحة.
إيطاليا ترغب بالبقاء ولو بمهمة "ثنائية"
نسأل السفير الإيطالي عن تصريح وزير دفاع بلاده في شأن رغبة روما في إبقاء قوات في جنوب لبنان بعد انسحاب "اليونيفيل"، بأي شكل وتحت أي صيغة يمكن لهذا الوجود العسكري أن يتم؟
يؤكد مارتشيللي رغبة إيطاليا هذه إذا طلبت منها ذلك السلطات اللبنانية، ويوضح، "نحن نفضّل البقاء ضمن إطار قوة متعددة الأطراف، ويفضل أن تكون تحت مظلة الأمم المتحدة، ليس بالضرورة تحت مظلة ’اليونيفيل‘، بل من خلال قوة جديدة، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فهناك احتمال إطلاق مهمة أوروبية، مدنية أو عسكرية أو الاثنين معاً". ويتابع، "وإذا تعذّر ذلك أيضاً، فنحن نرغب في البقاء تحت العلم الوطني الإيطالي عبر مهمة ثنائية"، مشيراً بالفعل إلى وجود البعثة العسكرية الإيطالية الثنائية في لبنان "ميبيل" (MIBIL) منذ عام 2015، وهي مهمة تهدف إلى دعم الجيش اللبناني من خلال التدريب وتقديم المعدات وليس من خلال مهام المراقبة. وفي ما يتعلق بالمهام التي يمكن أن تتولاها أي مهمة ثنائية من هذا النوع في لبنان ومناطق انتشارها سواء تشمل جنوب الليطاني أو باقي الأراضي اللبنانية، يقول مارتشيللي إن "هذا الأمر يقرره في النهاية الجانب اللبناني".
قوة دولية باسم جديد
لكن ماذا لو عارضت إسرائيل بقاء قوات أجنبية في لبنان، هل إيطاليا مستعدة حينها لإبقاء قوات لها؟ يوضح مارتشيللي أن الأمر حينها يعتمد على طبيعة المهمة، "فإذا كان الأمر متعلقاً بقوة حفظ سلام أو قوة مراقبة منتشرة على طول الخط الأزرق (الحدودي بين لبنان وإسرائيل)، فلا بد من موافقة إسرائيل، وإلا فلن تكون قوة حفظ سلام فعلية"، لكن إذا كان الأمر متعلقاً بـ"مهمة ثنائية كالموجودة حالياً لدعم الجيش اللبناني بطلب من الحكومة اللبنانية، فنحن لا نسأل إسرائيل إن كانت توافق أم لا".
وتابع السفير الإيطالي، "من المرجّح أن تبقى قوة دولية أخرى في لبنان تحت مسمى مختلف، لأن دولاً أوروبية عدة، وليست فقط إيطاليا، مثل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، مستعدة لمواصلة المشاركة في مهمة في لبنان لمساعدته على تحقيق الاستقرار والسلام".
تقييم "إيجابي" للجيش اللبناني
في ظل الأوضاع الأمنية في الجنوب والمرحلة المفصلية التي يعيشها الشرق الأوسط عموماً، تبدو حاجة لبنان إلى ضمانات أمنية ودعم دولي لبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيه ملحة أكثر من أي وقت مضى. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، تواصل إسرائيل من جهة شن ضربات عسكرية تستهدف حسب قولها عناصر وبنى تحتية لـ"حزب الله" الذي تتهمه بالعمل على إعادة التسلح، فيما يؤكد الحزب المدعوم من إيران تمسّكه بسلاحه ورفضه المطلق التخلي عنه. أما الحكومة اللبنانية فتؤكد إصرارها على تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة، وقد أعلنت إتمام المرحلة الأولى من هذه الخطة التي تشمل منطقة جنوب نهر الليطاني. وفيما تبقى نقاط عدة في الاتفاق عالقة حتى الآن، بما فيها انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط الحدودية التي تحتلها في الجنوب، وملف الأسرى اللبنانيين، وترسيم الحدود البرية بين البلدين، تسري أنباء عن رغبة أميركية في إنهاء عمل لجنة "الميكانيزم" الخماسية التي تشرف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، أو أقله استبعاد فرنسا و"اليونيفيل" منها، مما يضع مصير الاتفاق برمته في خطر.
في خضم كل ذلك، نسأل السفير الإيطالي عن رأي بلاده بأداء الجيش اللبناني حتى الآن، فيجيب " تقييمنا إيجابي جداً، لقد أنجز الجيش اللبناني نزع السلاح جنوب نهر الليطاني، من دون أن يدفع الأمور بشكل متسرع، همّ الجيش الأساسي هو الحفاظ على السلم الأهلي، وهذا أمر بالغ الأهمية للتوازن الداخلي بين المكونات اللبنانية، لذلك من الضروري الحفاظ على هذا الاستقرار من دون استعجال العملية".
وعن الاستهدافات الإسرائيلية المستمرة لقوات "اليونيفيل" بعد وقف إطلاق النار، فأمل مارتشيللي في أن تكون "حوادث غير مقصودة" وفق ما تقول تل أبيب. أما تلك التي تطاول أهدافاً لـ"حزب الله"، فيوضح السفير أنه لا يمكن الجزم إذا ما كانت تشكل خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن "هناك جزءاً غير معلن من الاتفاق تم بين الطرفين تحت إشراف الولايات المتحدة، ولا نعلم تفاصيله، خصوصاً إذا ما كان يسمح لإسرائيل بمواصلة استهداف مخازن أو عناصر تابعة لـ’حزب الله‘".
نسأل السفير الإيطالي عن معلوماته في شأن استمرارية عمل لجنة "الميكانيزم" والأنباء عن الرغبة الأميركية في تعدليها أو إلغائها، فيقول ألا علم له بوجود خلافات بين أعضائها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الاقتصاد: الاتفاق مع صندوق النقد أساس
من الملف الأمني والعسكري، ننتقل في حديثنا إلى الشق الاقتصادي وإعادة الإعمار والمطلوب من لبنان على هذا الصعيد، فيؤكد مارتشيللي أن "هناك إجماعاً دولياً على ضرورة المضي في الإصلاحات للوصول إلى دولة يسود فيها حكم القانون الكامل، ووضع مالي سليم، وسلم داخلي بين المكونات، وسلام مع الدول المجاورة"، مضيفاً أن "هذا حلم قابل للتحقق، ولبنان يخطو خطوات مهمة في هذا الاتجاه".
ويضيف أن المجتمع الدولي يقدم دعماً كاملاً للبنان بشتى الأشكال، من خلال دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية على الصعيد العسكري والمنح التي تقدم على الصعيد الاقتصادي، مشيراً في هذا السياق إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تعد أكبر المانحين للبنان بفارق كبير عن الدول الأخرى "لأن استقرار لبنان أساس لاستقرار كامل منطقة المتوسط".
نسأل مارتشيللي هل تمويل إعادة الإعمار مشروط بتنفيذ لبنان إصلاحات معينة؟ فيجيب بأنه بمعزل عن الهبات، القروض هي المشروطة نوعاً ما، ويوضح، "القروض مهمة جداً ولن تكون ممكنة إلا في حال توصل لبنان إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهذا بدوره يعتمد على إقرار قانون الفجوة المالية، عند التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد يصبح باقي أعضاء المجتمع الدولي أكثر استعداداً لتقديم قروض بشروط ميسّرة جداً للبنان، وهذه القروض ضرورية لإعادة إعمار البلاد".
أما في ما يتعلق بأداء الحكومة، فيرى السفير الإيطالي أن "لبنان يسير على الطريق الصحيح لتعزيز استقراره، لديه اليوم مؤسسات تعمل، وحكومة تؤدي عملها بصورة جيدة، وبدأت الإصلاحات المالية، وأجرت الانتخابات البلدية"، مضيفاً أنه "من المهم الاستمرار في هذا المسار، وإجراء الانتخابات العامة والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي... الحصيلة إيجابية عموماً، على رغم أن العمل لم يكتمل بعد، لكن يجب الاستمرار بالوتيرة نفسها".
التطورات في إيران وانعكاسها على لبنان
في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، لا سيما الاحتجاجات في إيران والتهديد الأميركي بشن ضربات عسكرية ضد النظام، نختم حديثنا مع السفير الإيطالي ببحث انعكاسات كل ذلك على لبنان.
ويقول مارتشيللي، "الوضع الحالي في إيران قد يفتح باباً لحل سلمي، فإذا دخلت إيران في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وفرضت واشنطن شرطها على طهران بوقف دعم الوكلاء، فإن إيران قد تتوقف عن دعم ’حزب الله‘، في هذه الحال سيُجبر الحزب على التحول إلى حزب سياسي بالكامل، والتخلي عن جناحه العسكري ونزع سلاحه بالكامل، مما يشكل حلاً مثالياً للتوترات الإقليمية القائمة حالياً". ويضيف، "هذا أيضاً يشكل وسيلة لإيران لتجنب أي هجوم محتمل من الولايات المتحدة أو إسرائيل"، وأكد السفير الإيطالي أن بلاده تتمنى "أن يشهد النظام الإيراني إصلاحاً سلمياً يأخذ في الاعتبار احتياجات الشعب".