Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء توجس ترمب من المحكمة العليا والرسوم الجمركية

يخفي الرئيس الأميركي خلف صراخه العلني شعوراً حقيقياً بالقلق في وقت تدرس فيه المحكمة العليا مشروعية الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها، إذ إن أي حكم ضده سيكون مكلفاً ومهيناً وذا تداعيات سياسية خطرة

حول دونالد ترمب الرسوم الجمركية إلى سلاحه المفضل (غيتي)

ملخص

تواجه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب اختباراً حاسماً أمام المحكمة العليا، وسط مخاوفه من حكم قد يكلفه مليارات ويقوض هيبته السياسية، فيما تبقى الشركات والأسواق معلقة بين احتمالات السداد، وتصاعد التوتر، ومستقبل تجاري غارق في الضبابية.

يعرف عن دونالد ترمب أن الدليل الحاسم على قلقه الحقيقي يظهر عندما يبدأ بالشكوى والعويل بصوت مرتفع. فالرجل يحب، عبر منصته "تروث سوشال"، أن يطلق تحذيراً قبل وقوع الحدث فعلياً، ويختار كعادته الكتابة بلغة تنذر بالكوارث وحروفاً كبيرة. إنها إشارة إلى توتره واضطرابه الداخلي، وأن الأمور لا تسير كما يشاء.

وهذا تماماً ما يفعله مع اقتراب صدور قرار المحكمة العليا الأميركية المنتظر في شأن نظام التعريفات الجمركية الذي فرضه، فقد كتب "نحن في ورطة هائلة"، محذراً من "فوضى كاملة" إذا ما رفض القضاة استراتيجيته. وقد تتمكن الشركات من المطالبة باسترداد أموال الرسوم الجمركية التي دفعتها، مما يفاقم قلق ترمب، الذي أضاف "سيستغرق الأمر سنوات عديدة لمعرفة المبلغ الذي نتحدث عنه، وحتى من سيدفع له ومتى وأين".

إن الموضوع المطروح أمام المحكمة، بناء على طلب مجموعة من الشركات الصغيرة وبعض الولايات الأميركية، هو شرعية الرسوم الجمركية "الطارئة" التي فرضها ترمب بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية International Emergency Economic Powers Act وأعلنت في "يوم التحرير".

وتشمل هذه الرسوم أيضاً الإجراءات المفروضة على صادرات كندا والمكسيك والصين بدعوى مكافحة تهريب الفنتانيل، ويستثنى من ذلك الرسوم التي فرضت لدواعي "الأمن القومي" على منتجات مثل الصلب والألومنيوم، أو تلك التي فرضت رداً على ممارسات أجنبية اعتبرت غير عادلة. ولن تبت المحكمة في الرسوم المفروضة بعد "يوم التحرير"، عن طريق اتفاقات تجارية أبرمت في وقت لاحق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، فإن الرسوم قيد الدرس لا تزال تمثل نحو نصف تعريفاته الجديدة. وإذا أمرت إدارته بإعادة المبالغ المدفوعة، فإنها ستتكبد خسارة كبيرة تصل إلى 130 مليار دولار. والأهم من ذلك هي الضربة الهائلة التي ستلحق بهالة الرئيس.

حالياً، تتوقع الأسواق أن احتمال فوز ترمب لا يتجاوز 30 في المئة، إذ خسر سابقاً في محكمتين أدنى درجة. وفي جلسة استماع عقدت في نوفمبر (تشرين الثاني)، شككت غالبية قضاة المحكمة العليا في البلاد بشدة في حجج الحكومة، ولم يبد القضاة المحافظون مقتنعين بها. ولهذا السبب يشعر ترمب بالتوتر، ولهذا السبب أيضاً هاجم الدعوى القضائية مراراً وتكراراً، مصعداً من لهجته مع اقتراب صدور الحكم.

في الواقع، كثيراً ما كان موقفه ضعيفاً. لم يسبق لأي رئيس أن استخدم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 بهذه الطريقة من قبل. وقد بذل وزير التجارة في حكومة ترمب سكوت بيسنت جهداً كبيراً لتقديم تبرير غير مقنع، مؤكداً أن "الطوارئ الوطنية مطلوبة من أجل تجنب حالة طوارئ وطنية قد تحدث"، وهذا بالضبط موضوع البحث هنا: استخدام الرسوم الجمركية سلاحاً في معركة غير موجودة سوى في خيال ترمب.

ويحاجج الساعون إلى إلغاء الرسوم الجمركية بأن مصطلح "رسوم جمركية" غير وارد حتى في قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، وبموجب الدستور الأميركي فإن الكونغرس هو الجهة المخولة فرض الضرائب وليس الرئيس بمفرده.

استعدوا إذاً لمزيد من الصراخ والغضب، ولن تردعه حقيقة أن المستثمرين سيكونون سعداء وأن الأسهم سترتفع نتيجة لذلك. ومن المرجح أن تزيد الشركات من طلبيات الاستيراد وتسرع في تنفيذها، بغرض الاستفادة من الأسعار المنخفضة، وستفعل ذلك لعلمها بأن هذا الرئيس عنيد ولا يعتزم التراجع، لأن مجموعة من المحامين لا توافق على قراره.

كما لا يمكنها أن تتوقع استرداد أموالها في أي وقت قريب، فقد أكد ترمب هذا الأسبوع أن سداد هذه المبالغ سيكون "شبه مستحيل بالنسبة إلى بلدنا، وأي شخص يقول إنه يمكن سدادها بسرعة وسهولة يقدم إجابة خاطئة أو غير دقيقة أو مغلوطة تماماً على هذا السؤال الكبير والمعقد".

لقد اتخذ من الرسوم الجمركية سلاحه المختار، وهو ما رأيناه مرة جديدة حديثاً في قضية غرينلاند. بدلاً من التراجع عن موقفه، من شبه المؤكد أن ترمب سيتمسك به أكثر، ويجعل الرسوم موقتة وخاصة بمنتجات معينة بموجب قانون آخر، هو قانون التجارة لعام 1974، وسيتيح له هذا القانون رفع الرسوم الجمركية بنسبة تصل إلى 15 في المئة لمدة 150 يوماً.

سبق أن رأينا ترمب يتراجع، لكن نظراً إلى الأهمية القصوى التي يوليها للرسوم الجمركية، يعتقد متابعو شؤون البيت الأبيض أنه لن يتزحزح عن موقفه. وقد بدا ذلك واضحاً في دافوس، إذ ساد انطباع عام بأن الرسوم الجمركية ستبقى مهما حصل. فترمب متمسك بها لأنه يفهمها، ولأنها لا تتسبب في مقتل أو إصابة أحد، على رغم ما تخلفه من تداعيات اجتماعية واقتصادية حتمية، لكن ذلك لا يهمه. فهي عصا يمكنه التلويح بها، تؤثر بصورة مباشرة في أنصاره داخل حركة "ماغا"، وعلى ما يعتبره استغلالاً لأميركا وخيانة لها.

وفي المقابل، فإن الاضطرار إلى تعويض هذه الرسوم من شأنه أن يتسبب في ضرر مالي. وإحدى النقاط الأقل تداولاً من هجومه هي إمكان تحقيق عائدات من هذه التعريفات. فيما صور ترمب الرسوم على أنها رد على أولئك الذين نهبوا أميركا وظنوا أن ثروتها وقوتها أمر مفروغ منه، إلا أن الهدف منها هو أيضاً ضخ الأموال في خزانة الحكومة الفيدرالية.

ما يعنيه ذلك بالتالي، هو مزيد من عدم اليقين والتقلب. قد ترفض المحكمة سياسته فيما سيبحث عن طريق آخر لضمان استمرارها، في الأقل بصورة مقبولة، وستكون أولويته القصوى هي تجنب الاستسلام المهين على الصعيد الشخصي. وسيستغرق الأمر وقتاً حتى تهدأ الأمور وتتضح الصورة، هذا إن حدث ذلك مع هذا الرئيس. وسيؤثر هذا الوضع في الأعمال التجارية في جميع أنحاء العالم، التي ستبقى في حالة من عدم اليقين من دون أن تعرف ما الذي ينتظرها في المستقبل. وسيؤدي أيضاً إلى تعليق قرارات الاستثمار، التي اتخذت بالفعل وتأثرت في كثير من الحالات بعدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي.

قالت القاضية آيمي كوني - باريت، التي عينها ترمب في المحكمة العليا، إن رد الرسوم الجمركية سيكون "فوضى عارمة"، وهي كلمات اختار ترمب نفسه أن يرددها. كان الكلام يتعلق بالسداد، ولا يعني ذلك أن النظام نفسه خاطئ.

سيستشيط غضباً وسيكون من حق الشركات أن تشعر بالارتياح، لكن عليها ألا تعيش في الوهم، إذ تماماً كما يحدث في أفلام الرعب، من المرجح أن يكون هناك تتمة للأحداث. قد لا تعجب المحكمة العليا بالرسوم الجمركية، لكننا لم نسمع بعد آخر ما قرارات ترمب في شأنها.

© The Independent