ملخص
لعلها من التجارب النادرة التي تكون فيها رسوم الكاريكاتير موضوعاً لعرض مسرحي بعنوان "فردة حلم" من تأليف رائد خليل وإخراجه. في تجربته هذه ارتكز الفنان خليل إلى السخرية كقاسم مشترك بين هذين الفنين.
تأتي المقاربة في المسرحية عبر حكاية سقراطوس (غسان الدبس) ماسح الأحذية الذي يحلم أنه ذات يوم سيحجز له مقعداً تحت قبة البرلمان، وأثناء عمله عند زاوية أحد الأحياء الدمشقية تمر به شخصيات هي ذاتها كانت موجودة في رسوم حققها خليل للجرائد السورية والعربية.
هكذا دبت الحياة في رسومات الكاريكاتير على الخشبة، والحقيقة أن هذه المقاربة بين فن محسوب على الصحافة وآخر ينتمي لفن الفرجة لم تكن الأولى من نوعها في البلاد، فلقد حقق الفنان زيناتي قدسية عام 2002 عرضاً بعنوان: "ليلة عربية خاصة مع حنظلة". جاء العرض وقتها من تأليف الروائي السوري نبيل ملحم. واقتبس ملحم ثماني شخصيات شهيرة كان الرسام الفلسطيني الراحل قدمها في رسوماته، ومنها: "صابر" و"أبو الهم" و"أبو التعتير" و"حارس المقبرة الباكستاني".
وتناولت تجربة قدسية حكاية الطفل "حنظلة" الذاهب إلى مدينة لندن ليزور قبر أبيه هناك، مستعيداً مراحل من المأساة الفلسطينية منذ نكبة 1948 مروراً بهزيمة 1967 ووصولاً للاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وخروج مقاتلي منظمة التحرير من المدينة.
وبالعودة إلى عرض "فردة حلم" يمكن التقاط عدد من القفشات الساخرة على ألسنة الشخصيات، ولعل أبرزها شخصية ديوجين الكلبي (400 – 323 ق. م)، الفيلسوف الذي عارض أفكار سقراط وأسس في ما بعد لما سمي بالفلسفة الكلبية، فانتقد ديوجين الأعراف والتقاليد واعتبر نفسه مواطناً عالمياً لا ينتمي لوهم المحلية. أفكار الفيلسوف اليوناني الساخرة جاءت مطابقة لفلسفة بطل العرض، والذي نراه يحمل مصباحاً في وضح النهار للبحث عن إنسان نزيه واحد في المدينة التي غمرها الفساد والمحسوبية.
مفارقات ساخرة
مفارقة تلاها عدد من المفارقات التي حاول رائد خليل تجميعها وانتقادها، وأولاها شخصية المثقف القابع في برجه العاجي. بدا ذلك في العرض عبر طرح شخصية كاتب (جمال الدين زعير) قادمة من تسعينيات القرن الماضي، فصوره "فردة حلم" المثقف شخصاً مفلساً يتأبط على الدوام صحيفة لا يقرأها، بل ويلقي أشعاراً فيها كثير من الأخطاء النحوية. هذا التنميط لشخصية مثقف التسعينيات اقترب من الكاريكاتير الذي كان يظهر على شاشة في عمق المسرح، ومثله شخصية الطبيب (طلال محفوض) الذي يعاني هو الآخر عرجاً في قدمه، وذكر عبارات مفككة وغير مترابطة. يحلم الطبيب الأعرج أن يقضي على فيروس خطر تقوم مراكز أبحاث طبية غامضة بصناعته من أجل إفناء البشرية.
وبرزت في العرض شخصية الشاب (كريم خربوطلي) الذي يحلم بالهجرة إلى أوروبا، وهو نموذج من شبان صدره "فردة حلم" على أنه شخص فقد هويته، فيضع على الدوام حقيبة سفر على ظهره، ويعاني بطالة مزمنة. شاب لا يملك حتى ثمن قوته ولا يريد العمل في أية مهنة عضلية بات يحتقرها، فلماذا العمل إذا كانت الهجرة ستوفر له مسكناً وراتب لجوء وطبابة وتأمين صحي بالمجان؟
نعرف بعدها أن كل هذه الشخصيات كانت تدور في مخيلة ماسح أحذية، لنكتشف في نهاية المطاف أن هذا "البويجي" الفيلسوف كان ضحية أيضاً لإحدى منصات التواصل الاجتماعي، والتي أوهمه القائمون عليها بأنه سيصبح سيناتوراً، لكن ذلك سيتكشف عندما تخبره مذيعة شابة (مادونا صباغ) أنه لم يحظ بمراده، وأن مكافأته عبارة عن ترخيص يسمح له أن يكون ماسح أحذية قبالة مبنى البرلمان، وأن المقابلة التي قامت الفتاة (البلوغر) بإجرائها معه كانت بمثابة فقرة من برنامج كاميرا خفية فقط لا غير.
بهذه الصورة ينقلب حلم ماسح الأحذية إلى كابوس، فلقد كان الرجل بمثابة عين على واقع يمور بأحلام متكسرة. شخصيات فقدت الأمل من أي تغيير في حياتها، لكن "فردة حلم" وعلى رغم هذه المحاولة الطيبة لتحقيق مادة فنية، ظل بعيداً من معالجة درامية تجعل منه عرضاً مسرحياً متكاملاً، بل بقي في إطار الاسكتشات والنمر المتواصلة، والتي شاركتها شخصية ماسح الأحذية المقيم على قارعة الطريق قرب إشارة مرور ضوئية. حاول رائد خليل أن يخلق مناخاً بصرياً للوحاته عبر إسقاط ضوئي لشارع من شوارع دمشق، ونزع إلى استعراض رسومات كاريكاتير خاصة به، لكن هذا لم يكن كافياً كما يبدو لإنجاز عرض مسرحي، بل اقترب خليل في عمله من أسلوب اللوحات المنفصلة المتصلة، وبقيت حوارات الشخصيات عبارة عن مونولوغات متجاورة تخللتها بعض المناكفات والمشاحنات مع الشخصية الرئيسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالنظر إلى توجه الأداء الذي راهن خليل عليه في "فردة حلم"، يمكن ملاحظة تشتت الأسلوب، والقفز بين نمط أداء وآخر، فشخصية الفيلسوف المتشرد بقيت وكأنها تؤدي مونودراما خاصة بها، أما الشخصيات الأخرى فكانت دخيلة على هذا التوجه، إذ إنها سرعان ما كانت تروي قصتها وهمومها على سقراطوس وتمضي في حال سبيلها دون ترك أي أثر يُذكر.
بهذا المعنى راهن "فردة حلم" على تجاور في الأداء لم يستطع كاتبه ومخرجه السيطرة على عناصره، مما أسهم في تراخي إيقاع العرض، والتعويل على اللعب اللفظي لشد الجمهور لكن دون جدوى، فالمسرح ليس لوحة كاريكاتير مشخصة على الخشبة وليس تلاعباً بالألفاظ والعبارات الشعبية، بل هو قبل كل شيء صراع درامي له شخصياته وقصته، ثم إن الحوار الدرامي ليس ثرثرة أو دردشة أو مشاحنة، وإنما هو حوار نعني به جمهوراً، ومن خلال هذا الحوار يمكن معرفة ماضي القصة والأسباب التي دفعت الشخصيات لتسلك هذا السلوك، أو تقع في الخطأ التراجيدي الذي يدفع الأحداث قدماً.
لعل الأبرز في "فردة حلم" هو محاولة إنعاش نوع من أنواع الفرجة التي اختفت من المسرح السوري، وهو نمط يذكر بحفلات التعارف التي كانت سائدة في المسرح الجامعي ومسارح الهواة خلال تسعينيات القرن الـ20. وبناءً عليه، يمكن ملاحظة الشطط الحاصل في توظيف الإضاءة والمؤثرات السمعية والبصرية للعرض، والتي أتت كتعليق مباشر على الحدث، من مثل أغنية فيروز: "طيري يا طيارة طيري" التي استخدمها المخرج هنا كتبرير لمضي الأحداث وانقضائها.
ولكن ظلت الأزياء محايدة إلى حد كبير، واقتصرت على ملابس عادية حملت إشارات مقتضبة لشخصيات نمطية، من مثل مريول أبيض لمساعد الطبيب، وسراويل من الجينز لمعظم الشخصيات، في حين ارتدت شخصية ماسح الأحذية ملابس أنيقة وغير منسجمة مع منطقها ومنبتها الاجتماعي. كل ذلك جعل مساحة الفرجة مشوشة وغير منضبطة، لا سيما في التعاطي مع الإسقاط الضوئي الذي زاحم الممثلين في أدائهم، فجاءت رسومات الكاريكاتير كشرح لما يقولوه على الخشبة، وتبرير لأفعال وردود فعل بدت هي الأخرى فائضة على الحاجة، فوسعت الهوة بين الدرامي والجمالي، وجاءت كعناصر تزيين لا أكثر.