Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ليلة السكاكين" تكشف عن اهتزاز عنف السلطة

 السوري عروة المقداد يخوض عالم كوابيس تفوق التصور

من فيلم "300ميل" للمخرج والكاتب السوري عروة المقداد (ملف الفيلم)

ملخص

"ليلة السكاكين" للكاتب السوري عروة المقداد، الصادرة حديثاً عن دار نوفل (2025)، رواية حافلة بالأجواء الكابوسية والارتيابية. هذه الرواية القصيرة أو النوفيلا (171 صفحة) طالعة من جحيم سوريا وحروبها وصراعات أقوامها ومعارك سلطتها السابقة المرهبة مواطنيها على الخضوع أو الموت وسليلة واقع أغرب من الخيال، وأقسى من الكوابيس، بما لا يقاس.

أنجز الكاتب السوري عروة المقداد أفلاماً سينمائية عدة و وكتب قصصاً قصيرة، نال على إحداها جائزة معهد غوته لكتابة القصة القصيرة لعام 2014. وإذ يخوض اليوم في روايته القصيرة "ليلة السكاكين" غمار الدسائس، وسط عالم ريفي، فإنه لا يصدر عن وعي متعب، أو متألم وحسب، وإنما ينبع من وعي ممزق أيضاً. وكذلك عن ذات عاينت مآسي الكون مجتمعة في بقعة ريفية، هي قرية الراوي، كناية أو رمزاً لبلاد بأسرها، التي آثر ألا يذكرها بالاسم، أو يقترح اسماً اعتباطياً عليها، حفظاً لرمزية القصة، وإمكان انطباق دلالاتها على البلاد (سوريا)، والبلدان الواقعة تحت نير الاستبداد والقهر والتخلف.

ولما كان لازماً أن تصدر أحداث الرواية عن مكان وزمان معلومين، وجد الكاتب أن يحددهما في جملة واحدة، استهل بها الرواية، وألمح خطفاً إلى العقدة فيها.

"قتل ابن سلامة في قريتنا بعد 15 عاماً من غيابه عنها" (صفحة 7) وهذا من دلائل التمكن بلغة السرد، إيجازاً واختزالاً كافيين للقول إن أحداث الرواية واقعة في قرية الراوي التي لم يسمِّها، وأن زمن الحكاية الواقعي كان قد جرى لـ15 سنة خلت، قبل تاريخ تدوينها والذي لا نقدره سوى من الإشارات الدالة على الأدوات المستخدمة من قبل شخصيات الرواية (سيارة الدفع الرباعي ورشاش كلاشنيكوف ومسدسه وطاولة الماكياج والجوال، إلخ...)، وهي جميعها تشير إلى الزمن الواقعي المفترض، بين عام 1980 وعام 2000، وأكثر، وصولاً إلى الربع الأول من القرن الـ21.

ومع ذلك، لا ذكر لاسم شارع، ولا بلدة، ولا محل، ولا موقع عام، ولا مكان لقاء (مقهى أو مطعم أو مرفق عام...)، ذلك أن ما يجري، في حقيقة الأمر، بحسب جوهر القص لدى الكاتب، إنما هو في دواخل الشخصيات وفي مشاعرهم ونزوات الحكام ودسائس سكان القرية وتباغضهم في ما بينهم وإضمارهم الثأر بعضهم من بعض، كأن ليس هناك رادع، ولا حاكم بالعدل، ولا من يحزنون. وعلى رغم ذلك، يكون الفعل الدرامي (القتل) وما قبله، (الدس والإخبار والتآمر والتمرد) قابلين للتصديق، وجديرين بقبول القارئ والتفاعل معه.

الحبكة القصصية

يحكي الراوي العليم حكاية مقتل ابن سلامة على يد رجال السلطة المحلية، الخائفين منه، والمتضررين من صورة بطولته في نفوس الناس البسطاء والغرباء والمهمشين. ولئن يورد الراوي خبر مقتل ابن سلامة، في مستهل الرواية، عملاً بمنهج تجديدي في الرواية العربية، في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، على سبيل المثال، فإنه يجعل متن الرواية بأسرها كناية عن عرض مسهب لظهور البطل السلبي (ابن سلامة)، ابناً لامرأة تدعى سلامة، تركها زوجها حبلى بوحيدها، فاضطرت إلى العمل ليل نهار لتعيل ابنها، وتحفظه من كل شر. وكبر الولد وسط تشكيك الناس وشهوتهم إلى النميمة، ووسط تنمر زملائه في المدرسة عليه، ونمي على قيم والدته الخيرة، وبادلها الحب والبِر. ولما صار في الـ25 من عمره، وكان اضطر إلى ممارسة حرف مهنية عدة كسباً للعيش بكرامة، قررت والدته أن تزوجه، وتفرد له ولعروسه ركناً في منزلها المتواضع. ولكن حدثاً قلب حياته رأساً على عقب، إذ صادف، لدى مروره في ساحة القرية، جنوداً يقتحمون المنازل، ويقتلون من يجدونه أمامهم. فما كان منه إلا أن اندفع لمواجهة الجنود الذين كانوا ينوون قتل خطيبته ساجدة وأفراد عائلتها. ويفلح بنزع سلاحهم وقتلهم والفرار من أمام زملائهم والاختفاء عن الأنظار، في موضع ما.

وفي الأثناء، تشهد القرية، وعلى مدى 15 عاماً، صعوداً لنجم شخصية سلطوية، يدعى ابن فهد الذي كان والده اغتصب سلطة قيادة القرية، وسار على نهج أبيه ظلماً وقهراً وقتلاً للخصوم واستغلالاً لثروات القرية وملاحقة لمعارضي السلطة، وعلى رأسهم "ابن سلامة" الذي بلغ مرتبة الأسطورة في نظر العامة لشجاعته ولمثابرته على مواجهة الظلم. ويواصل كلا الفريقين المتصارعين مساره المرسوم له، فيطلب ابن فهد ساجدة للزواج، ويحصل ذلك بتشجيع من والدها، على رغم اعتراضها الضمني. ومن ثم، يوطد الأخير سلطانه بمزيد من أعمال القتل في خصومه والمخبرين وغيرهم، إلى أن يفلح في إقناع ساجدة بأن تمضي إلى منزل ابن سلامة، بعيد عودته للقرية من مخابئه النائية. فيوجه عصابة لقتله، ويتم له ذلك، في مشاهد مقززة ينقلها الراوي لجسده المشلع والممزق والمشوه.  

ديستوبيا القرية والرماد  

في خطاب الرواية، أعني في الخلفية الفكرية التي انطلق منها الكاتب عروة المقداد لصوغ عالم روايته، نقلة دراماتيكية لافتة، لناحية العبثية القائمة في الأمكنة، سواء الريفية منها والمدينية، فالريف بعامة، والقرية بخاصة، في منظور الراوي العليم، ومن ورائه الكاتب، ليست مكاناً لراحة المرء، ولا المجال المكاني المثالي، حيث يطيب للكائن الرومانسي أن ينصهر بالطبيعة الغناء، وإنما هي "مشغل للدسائس" على حد ما يطالعنا به، مستهل الرواية، لانشغال كل امرئ في تدبر خلاصه الفردي من الجحيم الذي فرضه الحاكم والزعيم على كل ذي نفس حية. ولعمري فإن ذلك ناجم عن كون الكاتب يصدر عن عبثية سوداوية، لا تتصل بنوع الديستوبيا الذي يسري على الروايات التي تصور الفساد والقهر الواقعين في مجتمع بعينه وحسب، بل أحسب أن الكاتب يذهب أبعد منها إلى تحميل الطبيعة البشرية نفسها أوزار الفشل في تحويل حضاري كان مرتجى كثر.

"ذكرى قصة ابن سلامة في ذلك اليوم البعيد، ذكرى لم تبدأ منه، لكنها بدأت مع محاولات كثير من أبناء قرانا تغيير حضارة نهشت قلوبهم، ولم تترك لهم مكاناً للحب والحق والعدل والخير والحرية، بل أعتمتها وحولتها إلى رماد" (صفحة 169).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالتأكيد، لقد شهد القرن الـ21 مئات، بل آلاف الأعمال الروائية العربية التي تسلط الأضواء على أوجه الفساد في عالمنا العربي، وما أكثرها! وتدفع القراء إلى اتخاذ المواقف المناسبة في شأنها ما بعد قراءتها والتأمل في مضامينها. ولكن، يحسن بنا السؤال، ها هنا، عما تقدمه رواية الكاتب السوري عروة المقداد من جديد إلى سجل الروايات الديستوبية الكثيرة التي طاولت النظام السوري البائد، بالرمز حيناً، وبالغمز أحياناً من قناته؟ للإجابة، نقول إن ما يميز هذه النوفيلا سبكها المتين، وإصرار كاتبها على نحت فصولها، بل مشاهدها الـ22 في كلام موجز وحوارات دالة على طبائع الشخصيات وسرد مشوق، يحافظ فيه الكاتب على درجة عالية من انتظارات القراء للآتي من الأحداث.

ولو تصفحنا الرواية، للمرة الثالثة، لوجدنا أن الكاتب ضمنها آراء كثيرة، تكاد تكون عناوين لأعمال لاحقة، يمكن تصنيفها بين مواضيع وأساليب، شأن ثورته على كل فئات المدعين، سواء كانوا رجال دنيا، أو رجال دين. مثلما نشهد فيها لعباً ماهراً ومضبوطاً في استخدام الراوي وإغفاله، بين الحين والآخر، فضلاً عن تلميحه إلى استخدام الحاكم الآثار التي تحفل بها البلاد مادة للإثراء، شأن الذهب والعملات النفيسة، وغيرها من الأمور.

وأياً يكن من هذا الأمر، فإن عروة المقداد يخط أول مساره إلى التألق في كتابة الرواية النقدية، بين الديستوبيا والرمزية المشغولة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة