ملخص
تكشف هجمات ترمب المتكررة على حلفاء أميركا، من بريطانيا إلى أوروبا وكندا، مقابل تساهله مع خصوم استبداديين، عن تحول عميق في السياسة الأميركية يجعل "العلاقة الخاصة" وهماً قديماً، ويجبر الحلفاء على الاستعداد لعالم لم تعد فيه الصداقة مع واشنطن ضمانةً للأمن.
هذا هو مآل "العلاقة الخاصة" إذن. من الغريب كيف يعامل دونالد ترمب أصدقاءه وحلفاءه. وأعني بذلك، بشكل سيئ.
للمرة الأولى، تصرف ترمب علناً بشكل فظ وإن كان غير مباشر، تجاه كير ستارمر حين وصف اتفاقية جزر تشاغوس على النحو التالي "من الصادم أن حليفنا ’البارع‘ في حلف الناتو، المملكة المتحدة، يخطط حالياً للتنازل عن جزيرة دييغو غارسيا التي تضم قاعدة عسكرية أميركية حيوية، لصالح موريشيوس، دون أي سبب على الإطلاق".
يبدو الأمر وكأن البعض قد نجح في "التأثير" على ترمب، ربما أشخاص على صلة بنايجل فاراج أو حزب المحافظين الذين استخدموا وسيطاً لتقويض اتفاقية تشاغوس، من خلال ربطها بموضوع غرينلاند التي تشكل هوس ترمب الحالي. وتعد كلتا المنطقتين مهمتين عسكرياً بالنسبة إلى أميركا: فهما لا تتبعان لأراضي الولايات المتحدة، فيما يُزعم أنهما على وشك التعرض للغزو من قبل الصين أو روسيا. وربما الدولتين معاً. شيء من هذا القبيل.
لم يكن الوضع على هذا النحو منذ البداية. ففي مايو (أيار) 2025 فقط، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً باسم وزير الخارجية ماركو روبيو نفسه، أشاد فيه الرجل بمعاهدة تشاغوس التي أنهت نزاعاً طويلاً مع موريشيوس حول سيادة هذه الجزر المرجانية النائية في المحيط الهندي. وتكمن الأهمية الجيوسياسية لهذه الجزر في وجود قاعدة بحرية وجوية مشتركة ضخمة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة (معظمها أميركية) في دييغو غارسيا، أكبر جزر تشاغوس (إقليم المحيط الهندي البريطاني).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في البيان، أشار روبيو صراحة إلى معرفة ترمب بالمعاهدة مع موريشيوس، وإلى أنه تم إطلاعه شخصياً عليها من قبل ستارمر "هذا أحد الأصول الحيوية للأمن الإقليمي والعالمي. وقد أعرب الرئيس ترمب عن دعمه لهذا الإنجاز التاريخي خلال لقائه مع رئيس الوزراء ستارمر في البيت الأبيض".
لم ترد أي إشارة إلى أن مواطني موريشيوس قد يخونون شركاءهم الأميركيين والبريطانيين الآن بعد التوصل إلى تسوية في شأن المطالبات الإقليمية وإسقاط الإجراءات القانونية الدولية "تثمن الولايات المتحدة شراكتها مع كل من المملكة المتحدة وموريشيوس، ونحن على استعداد لمواصلة تعاوننا من أجل تعزيز السلام والأمن والازدهار في المحيط الهندي وما وراءه".
لكن الولايات المتحدة لم تعد تثمن هذه الشراكة بالدرجة نفسها الآن، وربما لم يعد ترمب يثمن العلاقة الودية التي كانت تربطه سابقاً بستارمر. في الأساس، تثير قضيتا غرينلاند وجزر تشاغوس السؤال نفسه. فإما أن تهتم بالقانون الدولي وحقوق الدول الصغيرة (غرينلاند/الدنمارك وموريشيوس وأوكرانيا) - أو لا تهتم بذلك (الولايات المتحدة اليوم وروسيا والصين وحلفاؤهم).
أحد التفاصيل الملفتة للنظر في المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس مع ستارمر في شأن غرينلاند هي اعتراف ترمب بأنه ربما يكون قد تلقى معلومات مغلوطة حول سبب إرسال القوات الأوروبية إلى هناك. اعتقد ترمب أن ما حدث كان عملاً عدائياً، بينما يصر البريطانيون على أنهم تشاوروا في شأن ذلك مع الولايات المتحدة عبر القنوات المعتادة. يبدو أن أحداً لم يخبر ترمب بذلك، أو أنه لم يفهم أو لم يستمع في حال أخبروه بالموضوع فعلاً. أمن المعقول أن يكون روبيو وستارمر قد شرحا له اتفاق تشاغوس فيما كان يغط في النوم من الملل؟
عندما اكتشف ترمب أن الفرنسيين والفنلنديين والألمان والهولنديين وغيرهم (بما في ذلك ضابط بريطاني أرسل في مهمة شرفية) كانوا في الجوار، جن جنونه. استطاع ستارمر أن يهدئ من روعه، لفترة وجيزة.
في سياق الهجوم الإلكتروني ذاته على ستارمر تقريباً، نشر ترمب لقطات لشاشة المحادثة الخاصة التي دارت بينه وبين إيمانويل ماكرون. كان الرئيس الفرنسي قد دعاه للقاء قادة آخرين من مجموعة دول السبع في دافوس ولحضور عشاء فاخر في باريس. قوبل العرض بالرفض والسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، في تكرار لأداء ترمب المحرج عند تقليده لهجة ماكرون (بما في ذلك لهجته الفرنسية عند قوله "ألو، ألو" بدل "هللو") خلال تجمع لأنصار حركة "ماغا". هذه انتهاكات للثقة الدبلوماسية مصحوبة بنزعة من الحقد الصبياني. أخشى ما قد يتعرض له ستارمر في الأيام المقبلة.
لا حليف في مأمن. تلقى رئيس الوزراء النرويجي رسالة إلكترونية متهورة حول عدم منح ترمب جائزة نوبل. وفي الوقت ذاته، يستهزئ حلفاء ترمب، في الأرجح برضاه، بالدنمارك على رغم معدل الخسائر البشرية المرتفع بالنسبة إلى عدد سكان البلاد الذين سقطوا في صفوف حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان. ورغم أن غرينلاند تابعة للدنمارك منذ قرون، يقول ترمب "لقد أرسلنا قوارب إلى هناك أيضاً". أما كندا، فيصفها بأنها "مجرد خط عشوائي على خريطة رسمها ’شخص ما‘". وقد قيل لرئيس الوزراء الإيرلندي ميشيل مارتن في المكتب البيضاوي إن بلاده "تخدع" أميركا. أما فولوديمير زيلينسكي، الذي كان صديقاً وحليفاً في يوم من الأيام، فقد تعرض للإذلال من قبل ترمب وأعوانه داخل المكتب البيضاوي، في لحظة عار على أميركا. وتتعرض الدول ذات الغالبية المسلمة، حتى تلك الصديقة والغنية بالنفط، لحملات كراهية دورية.
قارنوا ذلك بسلوك ترمب المتملق للقادة الذين يصفهم علناً بأنهم يشكلون خطراً على الأمن. هذا لا يبدو منطقياً.
فإذا كانت روسيا تشكل تهديداً من هذا النوع، لماذا يتنازل ترمب فعلياً لها عن جزء كبير من أوكرانيا؟ وإذا كانت الصين في طريقها نحو التفوق على القوة الأميركية، لماذا يتعامل ترمب بتساهل مع احتمالها فرض سيطرتها على تايوان؟ وكيف يمكن أن تربطه "علاقة رائعة" بالرئيس شي في خضم حرب تجارية؟
إن ترمب على علم بالجرائم ضد الإنسانية التي يُتهم هذان الرجلان بارتكابها، بل ويتذمر منها أحياناً، ومع ذلك يفرش لهما السجاد الأحمر دائماً. عومل بوتين في ألاسكا على قدم المساواة، على رغم أنه لم يقدم أي شيء لترمب، والآن دُعي بوتين والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو للانضمام إلى "مجلس السلام" السخيف الذي أنشأه ترمب، وهما على ما يبدو مستعدان لدفع رسوم قدرها مليار دولار لترمب نفسه مقابل الانضمام. لكن ماكرون رفض الدعوة، فقام ترمب، أثناء توجهه إلى طائرته، بالإعلان بشكل عفوي عن فرض رسوم جمركية بنسبة 200 في المئة على النبيذ والشمبانيا الفرنسيين.
هذا هو الواقع الذي نتعامل معه، ولا يزال أمامنا ثلاثة أعوام أخرى. كل ما يمكن فعله هو أن يواصل ستارمر وماكرون وكارني وآخرون بذل قصارى جهدهم في مواجهة الواقع، لأنه ما من شخص آخر، أي شخص طبيعي، يمكن مخاطبته. فالآخرون، مثل روبيو وويتكوف أو حتى كوشنر، ليس لهم أهمية تذكر.
كان الأميركيون يعلمون ما الذي ينتظرهم عندما اختاروه رئيساً مرة أخرى، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. إن ترمب لا يمثل أميركا بأكملها، ولا شك في أنه لا يمثل أفضل ما فيها، ومعدلات تأييده منخفضة. لكنه بالفعل يمثل ويجسد تحولاً في الطريقة التي تريد أميركا التعامل بها مع العالم. وعندما يرحل ترمب، سيبقى هذا التغيير قائماً.
© The Independent