ملخص
تحاكي هذه الموسيقى قصة الأرض والهوية والإنسان، وتعبر عن شعور إنساني مشترك تزول أمامه أسوار اللغة والانتماءات، ويعتبر إبراهيم آغ الحبيب المالي، أبرز مؤسسي هذا النوع من الفن، ومؤسس فرقة "تيناريوين" أي "أبناء الصحاري".
لا يزال مجتمع الطوارق يخفي كثيراً من الأسرار، وبقدر ما يثير الاستغراب والإعجاب، يطرح استفهامات وتساؤلات، وبعدما كان فضاء منغلقاً على نفسه اقتحم العالمية دون سابق إنذار، بفضل الموسيقى التي أصبحت تجوب مختلف بقاع العالم، ولعل "أسوف" واحدة من الأنواع التي حققت الشهرة وفرضت احترام الجميع، وأصبحت خير سفير للطوارق بين الأمم.
الحداثة تقتحم البساطة
في مجتمع محلي بسيط يعيش على هامش الحداثة، وعولمة عاصفة تهدد التقاليد والأعراف، تتحرّك موسيقى "أسوف" بين شباب الطوارق في الصحراء الممتدة بين دول الساحل والجزائر وليبيا، الذين جعلوا منها متنفساً وسط كثبان الرمال يحكي التهميش والحب والحلم والأمل، لكن ألحانها وإيقاعاتها المشبعة بسحر الصحراء دفعا بها إلى الخروج من الدائرة الضيقة إلى العالمية.
ولم يعد مثار استغراب ودهشة أن ترى أبناء الصحراء يتنقلون بين قاعات وخشبات مسارح العالم بآلاتهم بين البسيطة والعصرية، وصوتهم الدافئ من برلين إلى نيويورك ومن طوكيو إلى جوهانسبرغ، في عزف وغناء لقصائد وأشعار تروي حياة مجتمع يمتد إلى غابر الأزمان.
بين البلوز والروك والإيقاعات الطارقية
تعالج موسيقى "أسوف" الطارقية اليوم قضايا سياسية واجتماعية، من الحروب والصراعات إلى المطالب بالحرية والمساواة، فيما يشبه تمرد فني يكشف عن المعاناة ويتمسك بالأمل، فيما يشبه "البلوز" الأميركي، مما أسهم في اقتحامها العالمية عبر جيل دمج الإيقاعات التقليدية مع الغيتارة الكهربائية، مثل فرقة "تيناريوين" و"إيمرهان"، التي شارك أعضاؤها في الحرب الأهلية شمال مالي خلال التسعينيات ضد الحكومات المركزية في باماكو التي همّشت الطوارق وتركتهم خارج دائرة الاهتمام يعانون الفقر والجهل والأمراض والبطالة وغيرها من المشكلات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معنى "أسوف" حزن ممزوج بالوحدة، أو "تيشومارّة" وتعني البطالين، هي موسيقى مزيج بين البلوز والروك والإيقاعات الطارقية التقليدية، قوامها الغيتارة الحديثة الكهربائية، نابعة من عمق قبائل الأزواد والطوارق في المنطقة الحدودية بين الجزائر ومالي.
تحاكي هذه الموسيقى قصة الأرض والهوية والإنسان، وتعبر عن شعور إنساني مشترك تزول أمامه أسوار اللغة والانتماءات، ويعتبر إبراهيم آغ الحبيب المالي، أبرز مؤسسي هذا النوع من الفن، ومؤسس فرقة "تيناريوين" أي "أبناء الصحاري" باللهجة التماشقية الأمازيغية الطارقية، التي انطلقت من مدينة تمنراست، أقصى جنوب الجزائر، عام 1978، ومن ثم التقى لاحقاً ببقية الأعضاء في ليبيا خلال فترة الثمانينيات.
ثنائية الحنين والألم
يرى عبدالكريم، وهو صاحب وكالة سياحية تهتم بالرحلات والسفر نحو الصحراء، أن الموسيقى لها مكانة رفيعة وقيمة راقية في المجتمع الطارقي، إذ تعتبر فضاء للتعبير، مضيفاً أن الفن الطارقي لم يعد حبيس أسوار الأعراف والتقاليد بل أصبح يفرض نفسه في الدول التي ينتمي إليها مثل مالي والجزائر وليبيا إلى النيجر، وأكثر من ذلك أخذ يتطور عالمياً ضمن دائرة الكبار.
وأبرز أن السياح من مختلف الجنسيات الذين يتم نقلهم إلى جنوب الجزائر، يطالبون بسهرات غنائية من الفن الطارقي، لما له من إيقاعات متنوعة لا تتوفر في كثير من الموسيقى العالمية، والسياح المحليون من الجزائريين يتمتعون أيضاً بهذا النوع الغنائي الذي بات منتشراً بصورة لافتة.
ويتابع عبدالكريم أن موسيقى "أسوف" التي تنتمي إلى الفن الطارقي المتنوع تدفعك إلى محاورة الذات والتأمل الصامت في الهموم، في ثنائية الحنين والألم، التي تعتبر جوهر الموسيقى الطارقية، والقاسم المشترك بين جميع الفرق الفنية الطارقية في الجزائر ومالي والنيجر.
ويضيف أن "أسوف" ليست مجرد غناء، بل هي اعتراف بالمشاعر والحنين، وطريقة للتواصل مع الذات والآخرين، مشيراً إلى أن هذا النوع من الموسيقى بات يحظى برعاية واهتمام عالميين، منذ فوز فرقة "تيناريوين" بجائزة "غرامي وورلد" للموسيقى العالمية في 2012، وقبلها جائزة المجلة البريطانية المرموقة "إينكوت" في 2009.
تلعب المرأة دوراً محورياً ولكن...
تعتمد الأنماط الموسيقية التقليدية لقبائل الطوارق على التكرار الإيقاعي والنغمات البسيطة التي تحاكي إيقاع السير في الصحراء، وأغنياتهم تعتمد كثيراً على الأشعار المنظومة بلغة "تماشق"، وتحكي الهوية والصحراء والحرية والحب والمقاومة، وفي النهاية ليست مجرد فن للترفيه.
وفي فضاء الطوارق، تلعب المرأة دوراً محورياً في حفظ التقاليد وتعليم الأبناء، وتمتلك الحق في اختيار الزوج وحتى تطليق نفسها، في حين ينتقل الإرث المادي عبر النساء، في نظام فريد انعكس على الموسيقى، إذ ظلت الآلات التقليدية في يد النساء لعقود، حيث ارتبطت أغانيهن بالحياة اليومية والحب والحروب، ومع دخول الغيتار الصوتي ثم الكهربائي، انتقل جزء من الإرث الموسيقي إلى الرجال، على رغم أنه فتح الباب أمام تجارب نسائية جريئة مزجت بين الأصالة والحداثة.
هموم وتطلعات شعب مشرد في الملاجئ
في سياق متصل، يقول الفنان المالي اللاجئ في موريتانيا، حم آغ أويسون، إنه لا يسعى وراء إشباع رغبة عادية في الاستماع إلى الموسيقى أو الاستمتاع بالأداء، فبعد أعوام من الغربة واللجوء، لم يبق من رابط بالوطن سوى الكلمات والألحان، مضيفاً أنه كفنان يحمل هموم وتطلعات شعب مشرد في الملاجئ، فليس الحزن والحنين وحدهما ما يتصارعان في صدور اللاجئين، بل كذلك الحقوق السياسية والاقتصادية.
ويتمنى آغ أويسون، أن يسمع العالم أفكاره، وهو يرسمها من خلال فنه وأغانيه، محاولاً تقديم صورة صادقة عن معاناة شعبه المثقل بالحروب والصراعات، مشيراً إلى أن هناك أطفالاً جائعين، ونساء معذبات، وشباباً عاطلين من العمل، ولكن كما في كل أرجاء العالم، هو شعب يريد الحياة، ولا يكاد يجد إليها من سبيل سوى الكلمات والألحان.
قالوا عن الطوارق
منح الباحثون والرحالة مكانة لمجتمع الطوارق، إذ يقول الرحالة ابن خلدون، "إن الطوارق هم الملثمون المواطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب، أبعدوا في المجالات هناك منذ دهور قبل الفتح لا يعرف أولها، فاصحرّوا عن الأرياف ووجدوا بها المراد وهجروا التلول وجفوها، واعتاضوا منها بألبان الأنعام ولحومها انتباذاً عن العمران، واستئناساً بالانفراد، وتوحشاً بالعز عن الغلبة والقهر، فنزلوا من ريف الحبشة جواراً، وصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزاً، واتخذوا اللثام خطاماً تميزوا بشعاره بين الأمم".
ويصف المؤرخ ابن عذاري المراكشي، الطوارق بأنهم قوم لا يكشفون عن وجوههم، ولذلك سموهم الملثمين، وهي سنة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، بينما يفسر الأديب إبراهيم الكوني، اتخاذهم اللثام لا حماية للرأس من عوامل الطبيعة كما يروّج الجهلاء، ولكن لإخفاء الفم، لإخفاء عار الفم وهو اللسان، أي للحكم بالمنفى على عضلة لئيمة لا تضبط.