Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا والطاقة... هربت من روسيا فباتت في أزمة مع أميركا

دراسات تحذر من تحول غاز الولايات المتحدة إلى أداة نفوذ جيوسياسي في ظل سياسة ترمب الحمائية وتراجع بدائل أوروبا

بات الغاز الأميركي يشكل نحو 59% من إجمال واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال (رويترز)

ملخص

تكشف تحليلات حديثة أن أوروبا، بعد فرض العقوبات على روسيا، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الغاز الطبيعي المسال الأميركي، مما يمنح واشنطن نفوذاً استراتيجياً واسعاً، فسياسات دونالد ترمب الحمائية وهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى ألقتا بظلالهما على منتدى "دافوس" والاقتصاد العالمي.

في مشهد المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" هذا العام برز الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كأكثر القوى تأثيراً وهيمنة، في وقت بات فيه المنتدى الاقتصادي العالمي خاضعاً بدرجة متزايدة لمصالح عمالقة التكنولوجيا العالمية، على حساب قضايا أخرى لا تقل أهمية.

وفي موازاة ذلك، أظهرت تحليلات حديثة أن ترمب بات يمتلك نفوذاً واسعاً على إمدادات الطاقة في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، بعدما استبدلت أوروبا باعتمادها السابق على روسيا اعتماداً متزايداً على الولايات المتحدة.

وبحسب دراسة مشتركة أعدها معهد "كلينغنديل" في لاهاي، ومعهد "إيكولوغيك" في برلين، والمعهد النرويجي للشؤون الدولية، فإن الحرب في أوكرانيا وفرض العقوبات على الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب دفعا الدول الأوروبية إلى الاعتماد بصورة متزايدة على شحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركي.

وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول ينطوي على أخطار كبيرة، خصوصاً في ظل انتقال ترمب نحو نهج أكثر صراحة قائم على المصالح القومية، وسياسات حمائية، ومقاربات أيديولوجية مشحونة.

ويأتي ذلك في وقت هدد فيه الرئيس الأميركي أخيراً باستخدام الرسوم الجمركية على التجارة مع حلفاء أوروبيين للضغط عليهم من أجل القبول بمساعيه إلى ضم غرينلاند، التابعة للدنمارك، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

وكانت ورقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي نشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قد أكدت صراحة أن البيت الأبيض يسعى إلى تحقيق "هيمنة أميركية في مجال الطاقة"، معتبرة أن هذه الهيمنة "تمكن الولايات المتحدة عند الضرورة، من إسقاط قوتها ونفوذها".

وتظهر البيانات أن واردات المنطقة الاقتصادية الأوروبية من الغاز الطبيعي المسال الأميركي (غاز يتم تبريده إلى درجات منخفضة جداً لتسهيل نقله) ارتفعت بنسبة 61 في المئة خلال عام 2025.

وتشمل المنطقة الاقتصادية الأوروبية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى آيسلندا وليختنشتاين والنرويج.

وبالمقارنة مع عام 2019 ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى المنطقة بنسبة 485 في المئة، فيما بات الغاز الأميركي يشكل نحو 59 في المئة من إجمال واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال، وفق بيانات تدفقات الغاز الصادرة في ديسمبر (كانون الثاني) 2025.

أما في المملكة المتحدة فقد غطت عام 2024 نحو 50 في المئة من حاجاتها من الغاز عبر الإنتاج المحلي، و33 في المئة عبر واردات من المنطقة الاقتصادية الأوروبية، بينما اعتمدت في بقية حاجاتها على الغاز الطبيعي المسال، الذي شكلت الشحنات الأميركية منه نحو 68 في المئة من إجمال الواردات.

وفي المقابل كانت واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب تمثل نحو 60 في المئة من إجمال واردات الغاز إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية عام 2019، إلا أن هذه النسبة تراجعت بحلول عام 2025 إلى نحو ثمانية في المئة وحسب.

هيمنة الطاقة الأميركية في عهد ترمب

وقال البروفيسور كاتسبر شوليتسكي، من المعهد النرويجي للشؤون الدولية، لصحيفة "الغارديان"، إن على أوروبا الاعتراف بـ"الواقع الجديد المتمثل في هيمنة الطاقة الأميركية في عهد ترمب"، داعياً إلى التعامل بحذر شديد مع واردات الطاقة.

وأضاف أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 تصف صادرات الطاقة صراحة باعتبارها وسيلة لإسقاط النفوذ والقوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار شوليتسكي إلى أن الولايات المتحدة حاولت اتباع نهج مشابه في ثمانينيات القرن الماضي خلال رئاسة رونالد ريغان، عندما سعت إلى إقناع الشركاء الأوروبيين بالابتعاد عن تجارة الغاز مع الاتحاد السوفياتي، إلا أن غياب تكنولوجيا تسييل الغاز في ذلك الوقت جعل أوروبا بلا بدائل حقيقية عن الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب.

أوروبا قد تواجه أزمة طاقة حادة خلال الأشهر المقبلة

وحذر من أخطار قصيرة الأجل تتمثل في ارتفاع فواتير الطاقة نتيجة التوترات السياسية الراهنة، موضحاً أن احتياطات الغاز في الاتحاد الأوروبي حالياً هي الأدنى منذ أعوام، وأقل حتى مما كانت عليه في بداية الحرب في أوكرانيا، مضيفاً أنه في حال تزامن شتاء قارس مع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وما يرافقه من ارتفاع إضافي في الأسعار واستنزاف الاحتياطات، فقد تواجه أوروبا أزمة طاقة حادة خلال الأشهر المقبلة.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس إمكان الرد على رسوم غرينلاند عبر إعادة النظر في اتفاقات تجارية مع الولايات المتحدة، غير أن صناع القرار في بروكسل يقرون في الوقت ذاته بعدم وجود بدائل حقيقية حالياً عن الغاز الأميركي.

من جانبه قال معد التقرير والباحث البارز في معهد "إيكولوغيك" رافاييلي بيريا، إن المملكة المتحدة، على رغم خروجها من السوق الأوروبية الموحدة، تبقى عرضة للأخطار نفسها التي تواجهها دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية.

وأوضح أن بريطانيا مندمجة بالكامل، من الناحيتين الفيزيائية والاقتصادية، في شبكة وسوق الغاز الأوروبية، مضيفاً "الاتحاد الأوروبي دفع ثمناً باهظاً لاعتماده السابق على روسيا في تجارة الطاقة بعد حرب أوكرانيا، وأن الولايات المتحدة بدت في البداية بديلاً موثوقاً، إلا أن التدخلات الحكومية الأميركية في أسواق الغاز للضغط على أوروبا كانت تعد تاريخياً أمراً غير وارد، وهو افتراض بات اليوم موضع شك في ظل السياق الجيوسياسي الراهن".

ويخلص التقرير إلى أن أوروبا مطالبة بالتحرك سريعاً، في ظل تحول صادرات الطاقة، ولا سيما الغاز، إلى أداة متزايدة الأهمية للنفوذ الاستراتيجي.

وعلى المديين المتوسط والطويل يدعو التقرير إلى تسريع الانتقال نحو نظام طاقة حديث وفعال، يقوم على مصادر متجددة محلية، بما يقلل من الارتهان الجيوسياسي ويعزز أمن الطاقة الأوروبي.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز