ملخص
بينما كان محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي يتلو بيانه أمام الصحافة، متهماً الإمارات بإدارة "سجون سرية" في أعقاب استعادة القوات الحكومية المنطقة من سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، حتى هب عشرات الضحايا وذووهم يدلون بشهاداتهم مع حضور حقوقي وإعلامي واسع انشغل بتوثيق شهادات وآثار مادية مروعة، كشفت الستار عن أسرار هذا السلوك الرهيب.
حتى وقد غادرها على وقع خُطى قوات درع الوطن الحكومية التي هبت لتحرير حضرموت، ظلت آثار "أبو علي الحضرمي" شاهدة على مرحلة صادمة خلال فترة سيطرة قواته، تاركة بقايا عذاباتها تنقش وجه المكلا حاضرة الشرق وعمق اليمن التاريخي والاقتصادي.
رحل الرجل المثير للجدل قائد قوات "الحزام الأمني" في حضرموت، ولكن الجدران المفزوعة وشمت شهاداتها الدامية على ما صنعت يداه، خلال واحدة من أبشع الفترات التي عاشتها المنطقة الوديعة التي تنام باكراً في أحضان بحر العرب.
لقد روى المعتقلون الذين لا يُعلم مصير بعضهم أوجاعهم على جدران الحاويات الحديدية بأياديهم المثقبة، تاركين لها مهمة نقل أنينهم إلى "أيام الفرج"، ممهورة بعبارات مكلومة تُناشد السجان أن "ارحموني... يكفي ظلم" و"فرجك يا رب" و"أمي"، فيما أفصحت دماء وسياط الكابلات الكهربائية التي حفرت أخاديدها على جدران الزنازين الأسمنتية الضيقة عن معاناة لم تترجمها الحروف، لأن الأثر الدامي كافٍ لكشف هوائل أبلغ من الكلمات، مثل صرخة أحدهم "أنا مظلوم والله شاهد علي".
منهجية الهدف
بينما كان محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي يتلو بيانه أمام الصحافة، متهماً الإمارات بإدارة "سجون سرية" في أعقاب استعادة القوات الحكومية المنطقة من سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، حتى هب عشرات الضحايا وذووهم يدلون بشهاداتهم مع حضور حقوقي وإعلامي واسع انشغل بتوثيق شهادات وآثار مادية مروعة، كشفت الستار عن أسرار هذا السلوك الرهيب.
يرى حقوقيون أن ثمة دوافع خفية تهدف وراء قمع المجتمع تتعلق بمخطط ممنهج يتخذ من اللافتة الأمنية وسيلة لتطويع المجتمع لمشاريعه، مستغلاً حال الشتات والضعف الذي تعيشه الدولة اليمنية بفعل الانقلاب الحوثي الذي ضرب صميم السلم الأهلي وأخل بالقرار المركزي لجهات الضبط القانوني الرسمي.
يقول رئيس منظمة سام للحقوق والحريات توفيق الحميدي لـ"اندبندنت عربية"، إن السجون السرية التي أنشأتها الإمارات، بحسب وصفه، هي نفسها التي أُنشئت في عدن بعد طرد الحوثي.
هذه القبضة القمعية كانت تهدف، بحسب الحميدي، إلى "تغليب الأمن على الحياة العامة، وتسعى الإمارات من ورائه إلى ضبط المدن والناس بمفهوم الأمن، بما يمكنها من تحقيق كثير من الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية".
اللافتة الأمنية لتطويع المجتمع
ذلك جزء يسير من الآثار التي تركها "أبو لولو الحضرمي" وراءه، وفق ما تقوله شهادات حقوقية، داخل سجون سرية أنشئت وصُممت بعناية هندسية لغرض الإخفاء والتعذيب، كبعض الزنازين التي يعتقل الشخص بداخلها واقفاً بلا حراك، وتُدار من قبل "قوات الدعم الأمني" التابعة لما كان يسمى "المجلس الانتقالي" المنحل بقيادة الحضرمي، وهي ذات الفصائل التي تدير شبكة من السجون السرية بعيداً من أعين رقابة القضاء والقانون، ويقع بعضها تحت الأرض داخل كل من مطار الريان ومنطقة "الضبة" على ساحل حضرموت.
وكشفت تقارير مصورة حددت الموقع الجغرافي لبرج مراقبة، اطلعت عليها "اندبندنت عربية" من الفريق الحقوقي في المكلا، عن وجود منشأة احتجاز سرية إماراتية سبق وجرى الإبلاغ عنها داخل مجمع لواء الدعم الأمني SSB على قمة تل شمال محطة الضبة النفطية.
وكان لواء الدعم الأمني تحت قيادة العميد صالح علي بن الشيخ أبو بكر، المعروف أيضاً باسم أبو علي الحضرمي، الذي فر إلى أبوظبي بحسب تقارير إعلامية رفقة القوات الإماراتية التي غادرت المطار عبر طائرات نقل عسكري على عدة دفعات.
وعلى رغم ما عُرف عن هذه المحافظة من وداعة مجتمعية تعلي قيم التعايش عبر التاريخ، فإن ما رصدته أعين وعدسات الحقوقيين والصحافيين للمعتقلات داخل مطار الريان ومنطقة الضبة كان شاهداً على مرحلة بشعة امتدت على مدر 10 أعوام.
طعنة في غفلة الأيام
قصص المعتقلين على يد الدعم الأمني لخصت شيئاً من الألم والصدمة لحليف اتخذ مسارات لم ترد في الحسبان، مثلما لم تستطع شواهد الاندهاش أن تجيب عن الأسباب التي تدفع لتحويل المرفق المدني المتمثل في مطار المدينة إلى كابوس مرعب يتخطف الناس بمجرد الشك في ولائهم وهوياتهم، إلى الحد الذي دفع أبناء حضرموت لتجنب الاقتراب من مطارهم أو سلك الطرق المؤدية إليه خشية الوقوع في براثن الاعتقال العشوائي.
من المؤلم، بحسب توصيف محلي، أنه مع انشغال اليمنيين في المحافظات الشمالية بالحرب ضد الحوثي التي أنهكت ما بقي فيهم من عروق للحياة بضحاياها وسجونها، تأتي ممارسات القوات الإماراتية في مطار الريان لتضيف فصلاً مأسوياً جديداً في الجنوب، مستغلة حال الركون والائتمان الذي أفرزته ظروف اللادولة التي تعيشها اليمن خصوصاً داخل المناطق المحررة كحضرموت، لتنشأ في غفلة الأيام سجون رهيبة دون قانون وبلا رقابة ولا تندرج، وفقاً لوزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني، "ضمن أية منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة". وهي عبارة عن "معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني".
خلال حديثه للفريق الحقوقي والإعلامي الموجود في المكلا هذه الأيام، يقول معتقل سابق في سجون حضرموت إنه تعرض للتعذيب من ثلاثة أشخاص لهجتهم إماراتية يُكنون بـ"أبو خليفة" و" الكلباني" و"أبو أحمد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شرح المعتقل وسائل التعذيب التي تنوعت بين الجلد بالسياط والكابلات والركل إضافة إلى الإهانة المستمرة والتعدي بالألفاظ النابية.
ناهيك بالمنع من استخدام دورات المياه والاكتفاء بوضع "سطل" (جردل) في نفس الغرفة الضيقة التي يوجد فيها عدد من المعتقلين، ويستخدمونه لقضاء الحاجة.
يروي معتقلون آخرون صنوفاً شتى من العذاب كأن يناموا متلاصقين على الأرض داخل غرف يعمل فيها ضوء شديد على مدار الساعة، مع تغطية أعينهم حتى داخل الحجز بصورة دائمة.
مفهوم الدولة والتلاشي المفزع
وفقاً للحقوقي الحميدي لم تكن الإمارات تنظر إلى اليمن كمنطقة نفوذ كما يردد بعض، وإنما مسرح للتمدد، فسعت لذلك وتمددت فعلياً وأنشأت هذه السجون احتياطاً لقوى وأصوات ارتفعت تراها الإمارات تشكل خطراً على مشروعها المستقبلي.
إضافة إلى "تجريف الحياة بصورة عامة وفق إدارتها". وأمام هذا السلوك المشبوه يأتي السؤال عن دور الحكومة الشرعية ومفهوم الدولة والإدارة المدنية التي "لم يعد لها مكان في ظل وجودها، بينما أصبحت اللافتة الأمنية هي التي تحكم المدينة عبر ضباط إماراتيين أو تشكيلات أنشأها باسم مكافحة الإرهاب".
قوة أجنبية تخرق القانون
وحتى وإن كان ثمة إجراءات على الإرهاب فالقوانين، وفقاً للقوانين الدولية، لا تجيز بأية حال أن تأتي دولة أخرى لتنشئ سجوناً سرية خارج الأطر الرسمية للدولة وعلى يد ضباطها ومجنديها.
هذا الاتهام أكده الوزير الإرياني ضمن تصريحاته للصحافيين، عندما قال إن "الدولة لم تفوض أي طرف خارجي أو محلي بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون".
كلام الوزير يكشف عن أن اليمن والإمارات لم يوقعاً أي اتفاق أمني مشترك في هذا الخصوص وهو ما يدين، بحسب توصيف حكومي، أبوظبي والقوى التي عملت بتمويل منها.
وعلى رغم أن هذه "الوقائع تمثل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية وما تشكله من خرق للقانون الدولي والإنساني"، فإن الوزير اليمني تحاشى ذكر الإجراءات المزمع اتخاذها في الملف القانوني ضد من يقف خلف هذه الانتهاكات، سواء كانوا محليين أم دوليين.
لكن رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان إشراق المقطري أكدت ضمن إحاطة رسمية توثيق الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون، تمهيداً لرفع قضية دولية في شأنها تدين الجهات المتورطة.
الحوثي ليس في حضرموت
بعدما انحرفت مهمة الحليف عن محاربة الحوثي إلى سطوة عسكرية توسعية داخل السواحل والمناطق الاستراتيجية البعيدة شرق اليمن، اتخذت من الموانئ والمطارات ثكنات عسكرية، تُثار الأسئلة عن الأسباب لكل هذه الممارسات اللاإنسانية والجدوى المنتظرة منها، في حين تقدر المسافة عن أقرب جبهة مع جماعة الحوثي بأكثر من 1000 كم في أطراف محافظة الجوف.
فضلاً عن بقاء حضرموت خارج إطار العمل المعلن للتحالف العربي الداعم للحكومة الشرعية نحو استعادة العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة لها من قبضة ميليشيات الحوثي، وظلت بمنأى عن أي صراع مسلح. هذا الدافع وفقاً للحميدي "ناتج عن توجه جاد باستهداف السعودية من خلال اتخاذ حضرموت نقطة توسع مركزية وهو ما استفز صانع القرار السعودي للاتجاه نحو الحسم الفوري وكشف حقيقة هذا الدور الذي كان من ضمنه تلك السجون السرية وما وثقته من انتهاكات واغتيالات".
يرى أن الرياض انتفضت لدرء هذا الخطر بعد دروس ماثلة في السودان وصومالي لاند والحوثيين "ولو تم الأمر للانتقالي فستبقى السعودية محاصرة من جميع الجهات".
نفي وأمر معتاد
وأمام هذه التهم لم يكن بوسع أبوظبي سوى نفي هذه التهم، وقالت وزارة الدفاع الإماراتية أول من أمس الثلاثاء ضمن بيان، إن "المرافق المشار إليها ليست سوى ثكنات عسكرية وغرف عمليات وملاجئ محصنة، بعضها يقع تحت سطح الأرض وهو أمر معتاد ومعروف في مختلف المطارات والمنشآت العسكرية حول العالم، ولا يحمل أية دلالات خارجة عن السياق العسكري الطبيعي"، دون أن تتطرق إلى المسوغ الذي منح هذه القوات حق إنشاء معتقلات سرية وممارسة مهام حجر واعتقال مواطنين يمنيين على أراضيهم بلا صفة قانونية.