ملخص
على خلاف كثير من الأفلام الجزائرية يأتي فيلم L’effacement "الامحاء" للمخرج كريم موساوي، والمقتبس عن رواية للكاتب سمير تومي، بثيمة مختلفة عما يطرح عادة في السينما الجزائرية.
يبتعد الفيلم عن تناول مواضيع تاريخية سبق طرحها، تمجد الثورة الجزائرية أو توثق مآسي العشرية السوداء، ليتخذ طابع الأفلام النفسية الغامضة، ويغوص في ثيمة وجودية تكشف عن صراعات الفرد الذاتية، بين ما هو مطالب بأن يكونه من العائلة والقبيلة، وبين استقلالية كيانه وحقه في عيش حقيقته من دون التأثر بأحد، وهو أبرز ما يطرحه الفيلم. والعنوان "الإمحاء" يعبر عن حال الزوال أو التلاشي اليي تعبرها الشخصية الرئيسة للعمل بعد تأثرها بظروف معينة.
غياب الهوية وعقدة الأب
في بداية الفيلم، تبدو قصة رضا بلعمري عادية، ومشابهة في نمطها لحياة الشباب الأثرياء البرجوازيين في الجزائر، ممن يتواصلون باللغة الفرنسية في محادثاتهم اليومية، ويتعلمون في مدارس خاصة، ويعيشون الحياة السهلة بصخبها ويسرها، مع سهولة الحصول على الامتيازات والوظائف المضمونة بفضل الوساطة والمحسوبية. يتعرف المشاهد على رضا، شاب هادئ يوظف باتصال من والده في "سوناباك" (شركة كبيرة للطاقة والمحروقات) على رغم انعدام خبرته وضعف كفاءاته، وبعد فترة وجيزة يجد نفسه مضطراً لأداء الخدمة العسكرية التي لم يستطع التملص منها بالوساطة، إثر تضييق الحراك الشعبي على عدد من المسؤولين السابقين بتهم الفساد.
وقبل ظهور العقدة في منتصف الفيلم، يمكن تقسيمه إلى مرحلتين، فالشاب رضا كان منذ البداية خاضعاً ومطيعاً لوالده في كل خياراته، ومتأثراً به إلى حد الذوبان في شخصية الأب، بحيث يعجز عن اتخاذ أي قرار يخصه من دون العودة إليه. هذا على عكس شقيقه الأكبر المتمرد الذي غادر البلاد بعد شجار مع والده وانتقاده لتسلطه الأبوي. يتضح إذن ضعف شخصية رضا بلعمري من المشاهد الأولى للفيلم، غير أن الوعي بهذا الضعف وبغياب الهوية الفردية لا يتحقق إلا بعد حادثتين محوريتين في حياته: الأولى وفاة والده، والثانية د تعرضه للاعتداء الجنسي في غرفة الاستحمام أثناء أدائه الخدمة العسكرية، وحينها فقط تظهر حالاً من التيه والتشتت التام، يتبعها سلوك عنيف وعدواني في ردود فعله مع خطيبته، وضد المعتدين الذين يقرر الانتقام منهم على طريقته، بدلاً من رفع شكوى وربما تجنباً للفضيحة والعار المرتبطين برجولته وسمعة والده.
تمثل المرحلة الثانية من الفيلم الوعي بحال الإمحاء، إذ يظهر هذا التيه في مشاهد رمزية تعيشها شخصية رضا بلعمري حين يفقد انعكاسه في كل مرآة يقف أمامها. تعكس المرآة كل شيء إلا وجهه في إحالة إلى الصراع النفسي وأزمة الهوية التي يمر بها بطل الفيلم بعد فقدانه الأب الذي كان يخطط لمسار حياته، فضلاً عن فقدانه كرامته الإنسانية والذكورية نتيجة الاعتداء. تتصاعد هذه الأزمات إلى جانب معاناته السابقة من عقد قديمة، مثل عقدته من النساء وضعفه في التواصل مع الأنثى، كما لو كانت عالماً موصداً بالنسبة إليه، عجز عن فهمه وولوجه والتعامل معه.
رضا بلعمري: غموض الشخصية المركبة
اختار المخرج كريم موساوي لأداء شخصية رضا بلعمري، ممثلاً مغموراً ووجهاً غريباً عن الجمهور الجزائري والفرنسي على حد السواء، هو سامي ليشيا، وقد نجح في أداء دور صعب ومركب على رغم خبراته المتواضعة، إلا أن موساوي أوضح أنه رأى فيه الموهبة وأنه الأنسب لتجسيد الشخصية الرئيسة.
يؤدي سامي دوره معتمداً على النظرات والتعابير ولغة الجسد، وهو ما ينسجم مع شخصية رضا الانطوائية، قليلة الكلام التي لا تحسن التعبير عن نفسها ومشاعرها، وتظهر كل أشكال انفعالاته من حزن أو غضب أو عدوانية في سلوك وردود الأفعال، أكثر مما تعبر عنها اللغة وحوارات الفيلم، مع الإشارة إلى أن السيناريو كتبه المخرج نفسه بالتعاون مع مود أملين.
يكمل كريم موساوي غموض هذه الشخصية من خلال إدارته لتقنيات التصوير والإضاءة بما يخدم كل مشهد، فيظهر سامي ليشيا مثلاً في بعض اللقطات والإضاءة تعرض نصف وجهه بينما يغطي الظل نصفه لآخر، لتغدو الإضاءة نفسها أداةً لتوظيف رمزية صراعات البطل. كما ترافق المشاهد موسيقى تصويرية بعضها كلاسيكي وهادئ من عزف الموسيقية فلورنسيا دي كونسيليو، إضافة إلى توظيف موسيقى إلكترونية في حفلتين شبابيتين، الأولى أقيمت في بداية الفيلم والثانية في مشاهده الختامية، وتؤدي هذه الموسيقى الصاخبة دوراً صوتياً مكملاً للصورة، وتعكس بصورة أخرى الفوضى الداخلية التي يحملها رضا بلعمري.
كريم موساوي: ضد التلقين والتفسير
قد يبدو فيلم "الإمحاء" غامضاً ونخبوياً، عملاً يناسب المهرجانات وشريحةً معينة من المشاهدين مستعدة لتلقي تجربة مختلفة، ولا يربكها التأمل والمشاركة في بناء الحدث وتحليله. فهذا الفيلم بلا شك ليس جماهيرياً أو تجارياً، ولا يرتكز على حبكة جاهزة ومباشرة. يتعمد كريم موساوي وضع حبكةً معقدة، وبناء شخصيات مركبة تتواصل عبر حوارات محدودة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد أكد المخرج في مكالمة خص بها "اندبندنت عربية" إيمانه بهذه المدرسة الفنية، فهو كمشاهد قبل أن يكون مخرجاً، لا يستسيغ ما تقدمه السينما الأميركية من توجيه للمشاهد، إذ لا تكتفي بسرد القصة، بل تعمل على تشكيل وعيه وذائقته، وقد تغير مواقفه السياسية والإنسانية بطرق غير مباشرة، فيتحول الفن إلى خطاب مؤدلج يمارس تأثيراً بالغاً على جمهور يعتاد الكسل الذهني، ويتلقى ما يتلقاه من دون امتلاك موقف مستقل عن صناع العمل أنفسهم. ورداً منه على سؤالنا عن خياره حذف دور الطبيب النفسي، قال كريم موساوي إنه تردد في تضمينه وألغاه في اللحظة الأخيرة بعد الإعداد له، لأنه لم يرغب بتفسير حال الشخصية الرئيسة للمشاهد ولا أن يسلمه مفاتيحها، أراد تقديمها كما هي بغموضها وصمتها وظروفها وأفعالها، وترك حرية الفهم والتفسير للمتلقي.
جرأة غير مسبوقة
يتضمن فيلم "الإمحاء" لقطات حميمية جريئة، تعرض علاقة جسدية كاملة بين الممثل سامي ليشيا والممثلة الإيرانية زار أمير إبراهيمي، وهو مشهد لم يعرض من قبل في السينما الجزائرية، التي بالكاد حضرت فيها مشاهد عناق وقبلات. نفذ المخرج مشهداً قصيراً من زوايا معينة وبإضاءة خاصة بحيث يخدم السياق الدرامي للفيلم متجنباً الاستفزاز والإثارة المجانية. ووفقاً لكريم موساوي، كان ذلك المشهد ضرورياً ومكملاً لحكاية رضا بلعمري، الذي عانى من عقدة في تعامله مع الأنثى. فالعلاقة التي جمعته بمليكة، شكلت منعطفاً فارقاً، إذ جسدت للمرة الأولى خياره الشخصي، كامرأة أحبها من دون أن يفرضها عليه أحد كما فعل والده حين رتب له زيجةً توطد العلاقات العائلية. يصبح الحب هنا أكثر من حاجة بيولوجية وعاطفية بل رحلة ذاتية تتجاوز الجسد، فيرى رضا في الصباح التالي وجهه في المرآة بعد أيام طويلة من غياب انعكاسه فيها.
لم يعرض فيلم "الإمحاء" بعد في صالات السينما الجزائرية، ومن المستبعد أن تسمح الرقابة بعرضه، لا بسبب المشهد الحميمي فحسب، إنما لجرأة أفكار الفيلم عموماً، التي تتناول صراعات شاب ثري من عائلة ذات نفوذ وسلطة في البلاد، في فترة حساسة تزامنت مع الحراك الشعبي. غير أن الفيلم حظي بإشادات ونقاشات مهمة من نقاد السينما، عقب عرضه في قرطاج وفي عدد من صالات السينما الأوروبية.