Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روبليوفكا... تاريخ ودليل "مستعمرة بوتين"

روضة الأثرياء الروس ومركز صنع القرار وملجأ الزعماء الهاربين من بلادهم وبينهم بشار الأسد

تثير اهتمام كثر وتدفعهم إلى فضول التعرف إلى القلاع الضخمة ذات الطراز الغجري فيها (Barvikha Luxury Village)

ملخص

تقع هذه المنطقة التي تعتبر من أرحب رياض روسيا، على بُعد 10 كيلومترات غرب موسكو، وتُعد موطناً للسياسيين الروس والأوليغارشيين والجنرالات وقادة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وشخصيات بارزة في عالم الفن.

روضة روبليوفكا في روسيا ليست مجرد منطقة عقارية باهظة الثمن بل هي ظاهرة تاريخية: مكان تمتزج فيه مظاهر البذخ القيصري، والنخبة السوفياتية، والأوليغارشية الروسية المعاصرة، إن الأجواء هناك أقرب إلى الريفييرا الفرنسية الأوروبية منها إلى حي راقٍ في موسكو.

فروبليوفكا المحاذية لعاصمة روسيا الاتحادية موسكو، التي صارت تعتبر رمزاً لها وجزءاً لا يتجزأ من مظاهر الثراء فيها، منطقة تثير اهتمام كثر وتدفعهم إلى فضول التعرف إلى القلاع الضخمة ذات الطراز الغجري فيها، ومراكز التسوق الفاخرة، والمطاعم الباهظة الثمن مع البيوت الخشبية الأنيقة، وعلى وجوه وحياة ورغد أثرياء روسيا وأكثرهم نفوذاً.

تقع هذه المنطقة التي تعتبر من أرحب رياض روسيا، على بُعد 10 كيلومترات غرب موسكو، وتُعد موطناً للسياسيين الروس والأوليغارشيين والجنرالات وقادة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وشخصيات بارزة في عالم الفن.

وُصفت منطقة روبليوفكا الشهيرة في برنامج الكوميديا الروسي الشهير "ناشا روسيا" بأنها "حيّ روبليوفكا الراقي، حيث تقدم المطاعم قائمة الطعام الحمراء بدلاً من قوائم الطعام الورقية"، وقد خُصّصت حلقة كاملة منها لرجلَي روبليوفكا المشردين، سيفون وبورودا، اللذين كانا يعثران باستمرار على حقائب "غوتشي" الباهظة الثمن، وبطاقات رحلات إلى مصر وتركيا وغيرهما في القمامة، ويُطعمان القطط الضالة الكافيار الأحمر المُهمل.

 

تضم روبليوفكا منازل ريفية فخمة لشخصيات سياسية وتجارية وفنانين مشهورين، إضافة إلى منازل السفارات والفيلات الصيفية الحكومية (الداتشا)، وتتميز المنطقة ببنية تحتية متطورة، تشمل مجمعات سكنية مسوّرة ومدارس خاصة ونوادي رياضية ومتاجر ومطاعم وعيادات. قربها من مركز موسكو، وجمالها الطبيعي الخلاب، وإجراءاتها الأمنية المشددة، جعلت من روبليوفكا واحدة من أغلى وأكثر الأماكن المرغوبة للسكن في روسيا.

فهذا الحي المترامي الأطراف يُعتبر من أغلى وأرقى أحياء العاصمة، وموطناً للأثرياء والمشاهير، إذ يحتل التميز مكانة خاصة، فالأمر لا يقتصر على الملابس الفاخرة أو السيارات الفارهة أو القصور الفخمة، بل إن مكان السكن يؤدي دوراً حاسماً أيضاً. ويُعتبر طريق روبليفو- أوسبنسكوي السريع بحق أرقى مكان للسكن في عاصمة القياصرة.

والمفارقة أن روبليوفكا هو الاسم غير الرسمي للمنطقة الواقعة غرب موسكو، التي تشمل طرق روبليفو - أوسبنسكوي، وبودوشكينسكوي، وإيلينسكوي، والطريقين السريعين الأول والثاني لأوسبنسكي، وتصطف على جانبيها قصور فخمة، ومجمعات سكنية راقية، ومساكن مسؤولين حكوميين، كذلك تقع فيها أيضاً منازل الراحة الصيفية "الداتشا" الخاصة بالنخبة السوفياتية السابقة.

فالوحدة الإدارية "روبليوفكا" غير موجودة في السجلات العقارية الحكومية، ولكن هذا المصطلح يستخدم بنشاط من قبل موظفي وكالات العقارات في الضواحي والصحافيين وحتى في الأفلام.

تاريخ روبليوفكا

كثيراً ما اعتُبر هذا الطريق طريقاً ملكياً، وعلى طوله كان النبلاء من ذوي الأصول النبيلة يؤدون حجهم إلى دير زفينغورود، وفي أواخر القرن الـ18 بدأت تظهر على امتداده قرى لعائلات نافذة كعائلات غوليتسين ويوسوبوف وشوفالوف، فكانت تلك بداية لطابع القرية الراقي.

كان موقع طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع الحالي يقع في السابق على طريق القيصر، الذي يربط موسكو بمدينة زفينغورود الواقعة على مسافة 40 كيلومتراً إلى الغرب من العاصمة، وهي مدينة ذات نفوذ وثراء كبير، في القرن الـ18 بنت النخب المؤثرة - من كونتات وأمراء - عقاراتها هناك.

لكن تاريخ روبليوفكا الذي نعرفه اليوم بدأ مع ستالين، فمباشرة بعد الثورة استحوذ على عقار في المنطقة، وسرعان ما حذا حذوه بلشفيون آخرون وبدأوا بالاستقرار في منازل النبلاء والتجار والصناعيين السابقة. امتلك رئيس الشرطة السرية وقائد الاستخبارات فيلكس دزيرجينسكي، ووزير الدفاع في عهد ستالين، كليمنت يفريموفيتش فوروشيلوف، منازل ريفية (داتشا) في منطقة روبليوفكا، واستقر رئيس المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD) يزوف، قرب قرية جوكوفكا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تدريجاً، إضافة إلى النخبة السياسية، أصبحت المنطقة المحيطة بما يُعرف اليوم باسم روبليوفكا وجهة لقضاء العطلات للمثقفين السوفيات من علماء وكتاب وموسيقيين، كذلك شُيِّد فيها عديد من المصحات والفنادق، في ذلك الوقت كانت روبليوفكا منطقة مغلقة لا يمكن للعامة الوصول إليها.

حتى عام 1918 لم يكن هذا الطريق يُعتبر مرموقاً جداً، ولكن مع بناء مقر إقامة ستالين هناك تغير كل شيء، ومنذ ذلك الحين سعى كثر إلى الاستقرار قرب الزعيم. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي اجتذبت القرى الواقعة على طول طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع المشاهير والفنانين والسياسيين والأوليغاركيين وغيرهم من الشخصيات الشهيرة والثريّة.

في تسعينيات القرن الماضي، وبعيد انهيار الاتحاد السوفياتي وتسيّد الرأسمالية المتوحشة في روسيا، شهدت أسعار العقارات ارتفاعاً جنونياً مما جعلها مرموقة وباهظة الثمن، وظهرت عبارات شهيرة مثل "حسناوات روبليوفكا" و"زوجات أمراء روبليوفكا" و"أوليغاركي من روبليوفكا" وغيرها. ويعود هذا الارتفاع الكبير في الشعبية إلى رغبة الأثرياء في العيش قرب قادة الدولة والمشاهير، وعزل أنفسهم عن الطبقات الأخرى ليشكلوا نوعاً من نادي النخبة الذي يصعب الدخول والانتماء إليه إلا بشروط معقدة وصعبة ومكلفة جداً.

بلغت شعبية روبليوفكا ذروتها عام 2004، حين ارتفعت أسعار الأراضي فيها بنسبة تراوح ما بين 20 و30 في المئة شهرياً، وبيعت العقارات بسرعة فائقة وبأسعار باهظة، حتى إن متوسط سعر المنزل، وفقاً لمعايير الشخص العادي، بلغ 3 ملايين دولار في الأقل. وفي السوق الشعبية التي كانت تُقام في "جوكوفكا" كانت أسعار المواد الغذائية أغلى بـ1.5 إلى ضعفين، وذلك ببساطة بسبب موقعها. وبلغت الأسعار ذروتها عام 2005، إذ وصل سعر 100 متر مربع من الأرض في جوكوفكا إلى 500 ألف دولار.

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 تراجعت شعبية روبليوفكا فترة وجيزة. ويعود ذلك ليس فقط إلى الوضع الاقتصادي الدولي الصعب عموماً، بل أيضاً إلى الاكتظاظ السكاني للأثرياء والمشاهير وأصحاب الحظوظ الذين كانوا يتوالدون كالفطر يومياً في روسيا، فقد اكتظ الطريق السريع الضيق نسبياً، مما تسبب في اختناقات مرورية مستمرة، كذلك فإن البنية التحتية للقرى كانت دون المستوى المطلوب، إذ كان عدد المدارس ورياض الأطفال وصالونات التجميل والمراكز الصحية غير كافٍ، ومنذ عام 2008 بدأ السكان الأكثر ثراء بانتفاضة عمرانية لتأمين البنى التحتية الحديثة والمتطورة لقصورهم في روبليوفكا وشراء عقارات أخرى لتوفير عناء الانتقال إلى خارج هذه المنطقة النخبوية الفاخرة التي لم يكن لها مثيل ليس في موسكو وحدها، بل وفي عموم روسيا الشاسعة المساحة والمترامية الأطراف.

 

عام 2008 شُيّد مجمع بارفيخا الفاخر، وهو مجمع تسوق وترفيه يبيع سيارات فيراري وبنتلي على طول الطريق السريع في جوكوفكا، وفي العام نفسه أحيا إلتون جون حفلاً هناك، وتبعه كريس دي بورغ، وإنيو موريكوني، وبلاسيدو دومينغو. وكان عدد المشاهير العالميين الذين زاروا روبليوفكا هائلاً، كانت الحياة نابضة بالحيوية: مؤسسات جديدة، وحفلات باذخة، ومنسقو أغانٍ عصريون، في غضون أعوام قليلة تحولت روبليوفكا من عالم مغلق وسري إلى ملتقى للأثرياء والمشاهير.

بعد عام 2011 صار حلم أثرياء روسيا بالعيش في روبليوفكا وامتلاك عقار شاغر فيها شبيهاً بحلم المؤمنين بدخول الجنّة، لم تكن هذه العقارات سهلة المنال بسبب أسعارها الباهظة التي لا يمكن لغير أصحاب المليارات التفكير فيها، واشتعل هذا الإقبال لا سيما بعدما بدأ المطورون بتطوير البنية التحتية لطريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع، وقد جرى بناء مدارس ورياض أطفال ومتاجر كبرى وصالونات تجميل ومنتجعات صحية وفروع بنوك، إضافة إلى كثير من المرافق الضرورية الأخرى. وانخفضت الحاجة إلى التنقل المستمر إلى العاصمة مما خفف من الازدحام المروري على الطريق السريع، بخاصة بعد تنفيذ خطط توسيع مسار الطريق لتسهيل التنقل من وإلى المدينة.

منذ عام 2011 بدأت أسعار العقارات الباهظة الثمن في روبليوفكا بالاستقرار تدريجاً، مما جذب مزيداً من المستثمرين والمشترين المحتملين. وانطلقت دعاية تجارية عبر محطات التلفزة ولافتات الطرق تقول "إذا كنت ترغب في شراء قطعة أرض في روبليوفكا فسارع بالحجز، مع توسعة الطريق سترتفع الأسعار مجدداً".

روضة الأثرياء

تُعتبر منطقة روبليوفكا اليوم من أرقى المناطق وأكثرها فخامة، وكلما اقتربت من موسكو ارتفعت قيمة الأراضي. وتُعقد الاجتماعات الدولية لرؤساء الدول الزائرين لروسيا في قلعة مايندورف الحديثة، الواقعة قرب قرية بودوشكينو، وقد عُرفت أخيراً باسم "بارفيخا"، المقر الرسمي لرئيس الاتحاد الروسي.

تميزت فترة الألفية الثانية، أي فترة تربع فلاديمير بوتين على عرش الكرملين، بالبناء السريع والهجرة الجماعية إلى روبليوفكا من قبل رجال الأعمال الناجحين، الذين كانوا حريصين بأي ثمن على الحصول على مئات الأفدنة من الأراضي على مقربة من أولئك الذين في السلطة، وذلك من أجل الانضمام إلى دائرة النخبة والمؤثرين والاندماج معهم في مجتمع واحد.

كان ذلك وقت أن بدأت مجتمعات سكنية جديدة بالظهور، فبينما كان البناء سابقاً يتم بشكل رئيس في التعاونيات والقرى القائمة، بدأ الآن منح الحقول والغابات للمطورين العقاريين، وفي بعض الأحيان، كان يتم تخصيص الأراضي بطريقة غير شفافة، وكان البناء يتم في مناطق وغابات محمية، وقد أدت هذه السياسة إلى استيعاب سريع واختفاء المناطق الترفيهية.

 

كانت للبلدات الجديدة بنية وتنظيم مختلفان جذرياً: لوائح تطوير موحدة، وإدارة صيانة خاصة بها، وأسوار متوسطة الارتفاع، وبدأت أخيراً في استقطاب مهندسين معماريين أجانب ذوي خبرة للمشاركة في عملية التصميم.

لا شك أن المشاهير وشخصيات عالم الفن كان لهم تأثير كبير في شعبية روبليوفكا، وقد أثارت رواية أوكسانا روبسكي "كاجوال"، التي تتناول حياة الأثرياء اهتماماً متزايداً، مما جعل روبليوفكا حلماً وهدفاً مدى الحياة لأي فتاة من الريف يسهل التأثير فيها.

فهي تقول في روايتها "أصبح عنوان بطاقة هويتي فجأة محط أنظار الجميع، فبينما كنتُ في السابق أسجل دخولي في فنادق محلية، ولم يكن أحد في مكتب الاستقبال يكترث للختم الذي يحمل عبارة (طريق روبليوفو - أوسبنسكوي السريع)، بدأتُ في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية أتلقى أسئلة من قبيل: هل أنتِ حقاً من روبليوفكا؟ هل تعرفين كسينيا سوبتشاك؟ وهل رأيت بوتين؟".

وتضم روبليوفكا القرى والبلدات الراقية التالية: بارفي، وديسكورد، وجوكوفكا- 2، وجوكوفكا- 3، وإيلينسكي داشاس، وأوسوفو، وغوركي- 2، وباينز- 15، رومانوفو، وبكين، وغوركي- 10، ودبلوماسي، وأوسبنسكي داشاس، وبودوشكينو، ونيكولينا غورا، وأشجار الصنوبر، وغابة الصنوبر، وطريق القطط الصغيرة، وبيتروفو دالني، وتُعد هذه القرى والبلدات مكونات لبنية مشتركة تُعرف شعبياً باسم روبليوفكا.

حقائق مثيرة

وروبليوفكا مكان غامض إلى حد ما، فكل ما يحدث فيه تقريباً يبقى طي الكتمان داخل حدوده، ومع ذلك، هناك بعض الحقائق المعروفة:

ظهرت أول فضيحة تتعلق بالرفاهية خلال العهد السوفياتي في وقت مبكر من عام 1973، واعتُبر منزل الفنانة فورتسيفا في جوكوفكا فخماً للغاية، وتم الاستيلاء عليه وحرمانها من ممتلكاتها الشخصية بأمر من المحكمة.

كانت هناك عصابة من اللصوص متخصصة في عمليات السرقة داخل قرى وبلدات روبليوفكا، واستخدم اللصوص المحترفون صور الأقمار الاصطناعية وأجهزة الرؤية الليلية لسرقة منازل ذوي النفوذ، ولكن أُلقي القبض على العصابة عام 2009.

يقع مقر إقامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضاً على طريق روبليفو - أوسبنسكايا السريع، غير بعيد من أوسوفو، ويُعرف باسم نوفو – أوغاريوفو، ويقيم بوتين هناك بشكل دائم منذ عام 2000، وكثيراً ما اعتُبر طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع والمستوطنات الكبيرة الواقعة على طوله رمزاً للمكانة الاجتماعية والدخل المرتفع.

وروبليوفكا ترمز في روسيا إلى الثروة والشهرة والنجاح، بالنسبة إلى كثر يعني العيش في روبليوفكا العيش في جنة، وكثيراً ما كان هذا الحي رمزاً للفخامة والرفاهية، فاللوحات الإعلانية على طول الطريق السريع مثيرة للاهتمام بشكل خاص، فقط في روبليوفكا يمكنك أن ترى إعلانات عن يخوت في موناكو، ومدرسين خصوصيين من كامبريدج، ومربيات فيليبينيات وديعات.

يبدأ طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع من محطة مترو كونتسيفسكايا في الطرف الغربي لموسكو، لا يوجد كثير من الطرق السريعة الجميلة كهذه في روسيا، يظن كثر أن روبليوفكا قرية كبيرة واحدة، لكنها في الواقع جزء من منطقة موسكو قرب طريق روبليوفو - أوسبنسكوي السريع، وتضم هذه المنطقة مجموعة من القرى والبلدات الصغيرة، ومع ذلك فإن قرية روبليوفو، التي سُمي الطريق السريع والحي الراقي باسمها، ليست جزءاً من روبليوفكا، بل هي جزء من موسكو منذ زمن طويل.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قامت النخبة السياسية الجديدة بخصخصة منازل الدولة (الداتشا) باستخدام أساليب احتيالية متنوعة، علاوة على ذلك بدأ الأوليغارشيون بالانتقال إلى روبليوفكا، حتى إن أول رئيس لروسيا، بوريس يلتسين، كان يمتلك مقر إقامة هناك.

بحسب شهود عيان، قضى يلتسين إجازته هناك برفاهية وترك وراءه كثيراً من الأساطير، أشهرها قصة سقوطه من جسر أسومبشن وهو ثمل.

في العقد الأول من القرن الـ21، وصلت روبليوفكا إلى ذروة بريقها، وبدأ كثير من نجوم عالم الفن في الاستقرار هناك إلى جانب رجال الأوليغارشية الفاحشي الثراء.

ربما كانت روبليوفكا في الماضي مكاناً ممتعاً يعج بالحفلات الصاخبة، لكنها الآن تُعطي انطباعاً بأنها مكان اختفت منه حياة المباهج الشفافة والمكشوفة، لأن جميع السعداء اختفوا وتواروا خلف أسوار عالية لممارسة طقوس حياتهم التي لا تشبه في شيء طقوس حياة المواطنين العاديين البسطاء.

قريباً من بوتين

أجرى متخصصون من مجموعة "أر أر جي" الروسية دراسة قسمت منطقة روبليوفكا حسب أسعار المنازل ومستويات دخل السكان في هذه الضاحية الراقية من ضواحي موسكو، وكشفت الدراسة أن سكان طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع يتميزون بتنوع كبير في خصائصهم الاجتماعية والديموغرافية.

شملت الدراسة مجموعة واسعة من الأساليب، بدءاً من التحليل الخرائطي وصولاً إلى التفسير البصري لصور الأقمار الاصطناعية، ونتيجة لذلك حصلوا على صورة كاملة لهيكل المخزون السكني والسكان على طول طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع حسب مستوى الدخل، واستند تصنيف القرى والأحياء إلى خصائص غير مباشرة: مساحة المباني السكنية الفردية وحجم قطع الأراضي، كما يقول رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات "أر أر جي" دينيس كولوكولنيكوف.

تُظهر خرائط البحث أن المنطقة التي يقع فيها مقر إقامة الرئيس الروسي في نوفو - أوغاريوفو (قرب قرية أوسوفو) مصنفة كمجموعة، حيث تكون أسعار العقارات أقل إلى حد كبير من بارفيخا أو قرب الطريق الدائري لموسكو على سبيل المثال، وذلك بسبب التعقيدات والأخطار الأمنية واللوجستية للاقتراب من مكان الإقامة المفضل لـ"القيصر".

 

على بُعد بضعة كيلومترات من مقر إقامة بوتين، على طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع، يعيش أثرياء روسيا، ومن بينهم الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وغيرهم من زعماء ورؤساء حكومات فارين من شعوبهم، فقد أفادت وسائل إعلام روسية أن يانوكوفيتش اشترى عقاراً في قرية بارفيخا ضمن مجمع "حدائق مايندورف" السكني، ويقتصر الدخول إلى العقار على تصريح خاص أو تصريح موثق من السكان المحليين، ومن بين جيرانه في هذا المجمع السكني الفاخر الزوج السابق لكريستينا أورباكايت، روسلان بايساروف، ووالد زوجة رومان أبراموفيتش، وألكسندر جوكوف، وعائلتا الرئيسين السابقين لشركة "روسنفت" سيرغي بوغدانتشيكوف وآرا أبراميان.

وتوجد بحيرات وغابة صنوبر في الجوار، وعلى بُعد أمتار قليلة من الأسوار العالية، أقل من كيلومتر واحد، تقع "قلعة مايندورف" مقر إقامة رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، وقرب القلعة يوجد نهر وكنيسة صغيرة.

منفى الأسد

كما أن عائلة الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد إطاحته، تعيش حياة مترفة في موسكو، وقد كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن تفاصيل حياتهم، نقلاً عن شهادات أقارب وزملاء سابقين للرئيس السوري السابق.

ويعيش بشار الأسد في روبليوفكا، حيث يدرس طب العيون واللغة الروسية، وقد نشرت صحيفة الـ"غارديان" هذا الخبر الإثنين الـ15 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نقلاً عن صديق للرئيس الهارب، وبحسبه فإن الأسد يدرس الطب واللغة الروسية بنشاط حالياً، مضيفاً أن الزعيم السوري السابق "لا يحتاج إلى المال على ما يبدو"، وأن طب العيون "شغفه القديم".

وبحسب التقارير الأولية، يسكن الأسد بجوار الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، ويعيش حياة هادئة، واستأنف الرئيس السوري السابق، الذي تلقى تدريباً طبياً في شبابه وتخصص في طب العيون في لندن، دراسته، ربما بهدف العمل في موسكو، وتشير بعض المصادر إلى أنه قد يعالج في المستقبل أعضاء النخبة الروسية.

 

إضافة إلى ذلك، يدرس بشار الذي منحه بوتين حق اللجوء الإنساني في روسيا وليس السياسي، اللغة الروسية بنشاط، ووفقاً لمعارفه فإنه يفعل ذلك "من أجل ترويض الروح وطمأنتها"، من دون السعي إلى الشهرة أو العودة إلى السياسة.

وبحسب تقارير إعلامية، تعيش عائلة الأسد في مجمع سكني فاخر مُسوّر في روبليوفكا، ويُوصف نمط حياتهم بأنه "رفاهية هادئة"، إذ لا وجود لوسائل التواصل الاجتماعي، ولا ظهور علني، ولا تصريحات سياسية.

ووفق صحيفة الـ"غارديان"، تفضل زوجة الأسد (أسماء) ممارسة الرياضة، وصالونات التجميل، والتسوق، كذلك فإن الأسرة ككل لا تتواصل إلا قليلاً مع الغرباء.

وكان الظهور العلني الوحيد في الآونة الأخيرة في حفل تخرج ابنة الأسد من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، حيث حصلت على شهادة في العلاقات الدولية.

صائدات الغنى

بعض الناس في العالم يعملون بجد ويكسبون كثيراً، وبعضهم يستغلون الناس بلا خجل ويصبحون أثرياء، وبعضهم يتمتعون بالجمال ويتوقعون جني الملايين جراء ذلك، هؤلاء هنّ فئة النساء المعروفات بصائدات رجال الأوليغارشية.

يتزايد عددهن في الآونة الأخيرة في روبليوفكا، ويساعد الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر أخبار هؤلاء النساء الجميلات ومساعدتهن في العثور على أزواج أثرياء، بل توجد دورات تدريبية خاصة حول كيفية العثور على أزواج أثرياء.

يُطلق على هؤلاء الشابات لقب "الباحثات عن الثراء"، وهو مصطلح مركب من الكلمة الإنجليزية "gold digger"، يحلمن بأن يكنّ مُعالات، ويعتقدن أنهن يستحققن ذلك لمجرد جمالهن، تؤمن الفتيات بأن كل من لا تسعى إلى العثور على رجل ثري وتعيش حياة الترف هي إما ناقصة الذكاء والفطنة، أو ببساطة غير محظوظة بجمالها.

 

وتبدو جميع الفتيات متشابهات تماماً: شفاه ممتلئة، وصدور سيليكون، وشعر مستعار. ويتساءل المرء إن كان الأثرياء لا يفضلون أي نوع آخر من النساء، ولكن للإنصاف، دعونا نلاحظ أن بعض الفتيات يسعين أيضاً إلى تحسين مستواهن الفكري ليتمكنّ من إجراء محادثة مع الرجل الثري الذي ينفق عليهن، في هذه الحال، هناك احتمال ألا تكون هذه المرأة مجرد لعبة عابرة، بل شريكة حياة طويلة الأمد.

بعد التحضير، تسير الأمور عادة على المنوال نفسه: تخرج الفتيات "للبحث عن شريك" في روبليوفكا، يعرفن الأماكن التي يُرجّح أن يلتقين فيها برجل ثري ويلفتن انتباهه، يصلن، يُعرّفن بأنفسهن، يتغازلن، وإذا حالفهن الحظ يغادرن معاً في المساء، وفي الصباح، يرى المارة في شوارع الأحياء الراقية فتيات متعبات، مُهملات المظهر بعد ليلة صاخبة، لقد استنفد هؤلاء الرجال الأثرياء جاذبيتهن وتخلصوا منهن، وفي المساء يتكرر الأمر نفسه.

أحيانًا، يحالف الحظ فتاة فتصبح حبيبة دائمة لا مجرد تسلية موقتة مهمتها أن تكون متاحة دائماً، مستعدة لاستقبال مليونيرها، وخدمته، والاستماع إليه، وهي تصف دورها بفخر بأنه "إلهام رجلها".

كل هذا هو ثمن الحياة الرغيدة في روبليوفكا، من إجازات على متن اليخوت وفي المنتجعات الفاخرة، إلى المجوهرات الثمينة والسيارات الفارهة، عندما ترغب الحسناوات في الحصول على كل شيء من دون عناء، أما إن كان الثمن باهظاً أم لا فالأمر متروك لكل واحدة منهن لتقرر بنفسها.

عالم آخر

للوهلة الأولى، تبدو معظم القرى التي تضم قصور المشاهير والأغنياء وفيلاتهم وكأنها مجرد طريق بين أسوار وجدران عالية، لأن الأثرياء ورجال الأوليغارشية والسياسيين الحاليين والسابقين يفضلون إخفاء مظاهر الترف التي يعيشونها.

تعد روبليوفكا في موسكو رمزاً للفخامة والنجاح والمكانة المرموقة، يجذب هذا الحي الأنظار بمنازله الفخمة وسكانه المشهورين وأجوائه الفريدة، فروبليوفكا ليست مجرد رمز للرخاء، بل هي أيضاً مكان رائع للعيش والاسترخاء.

موسكو، عاصمة روسيا الاتحادية، مدينة مترامية الأطراف، حيث يحتل التميز مكانة خاصة، فالأمر لا يقتصر على الملابس الفاخرة، أو السيارات الفارهة، أو القصور الفخمة، بل إن مكان السكن يؤدي دوراً حاسماً أيضاً، ويُعتبر طريق روبليفو - أوسبنسكوي السريع بحق أرقى مكان للسكن.

 

قد تكون لروبليوفكا معانٍ عدة، فبالنسبة إلى البعض، هي المكان الذي عمل فيه الكاتب الكبير ألكسندر سولجينيتسين، لذا تُعد روبليوفكا ملتقى للمثقفين، والركيزة الذهبية للعلوم والثقافة الروسية.

يجلس رجال الأوليغارشية الروسية بهدوء خلف أسوار قصورهم وفيلاتهم في روبليوفكا، يستذكرون الرؤساء - الحاليين والسابقين - والنخبة الحاكمة على مر العصور، ثم تصبح روبليوفكا، وليس موسكو حتى، المركز السياسي للبلاد. هنا يبدأ أقطاب الأعمال مثل بيوتر أفين، وميخائيل بروخوروف، وأركادي نوفيكوف، ودميتري بيسكوف، ودميتري ميدفيديف، وغيرهم من حاشية الكرملين رحلتهم اليومية نحو ثروات طائلة. روبليوفكا أيضاً بحر من المال، يحمل روادها على أمواج الرخاء المالي، حتى تهب أول عاصفة.

كل هذا هو موطن لأشخاص جمعتهم الشهرة والقدرة على التنقل في عالم روبليوفكا، الخاضع لعدد لا حصر له من القواعد. من المستحيل ألا تلعب لعبة روبليوفكا، عدم اللعب لا يعني أنك تقف على الهامش أو تعيش حياة خاصة، بل يعني أنك خاسر.

فكما ينام لاعب الكمبيوتر الشاب أربع ساعات يومياً ويقضي بقية وقته يلعب عبر الإنترنت خوفاً من التخلف عن منافسيه، كذلك يُنسق سكان روبليفكا كل فعل يقومون به - سواء كان مفاوضات عمل، أو لقاء رومانسياً، أو حتى نزهة في الغابة - مع تقدم اللعبة، الأمر لا يتعلق بالمال، بل بمواكبة اللعبة.

أهم قاعدة في روبليوفكا هي "قاعدة المرآة"، فالمرآة تعكس اليسار واليمين، ولكنها لا تعكس الأعلى والأسفل، هذا يعني أنه يجب عليك دائماً كسر القواعد الأفقية، وليس الرأسية، كن غريب الأطوار مع أقرانك، ولكن لا تكن كذلك مع رؤسائك أو خدمك، إذا رأيت لافتة "ممنوع الدخول" فعليك المرور من تحتها، لكن إذا توقفت سيارتك على الطريق السريع للسماح لموكب بوتين بالمرور، فلا يجوز لك أبداً، تحت أي ظرف من الظروف، عبور الموكب، لأن ذلك يضعك، وأنت بلا شك أدنى مرتبة، في مواجهة بوتين.

وقد يكشف لون السيارة ونوعها كثيراً عن مالكها، أو قد يكونان مضللين، فالأسود لون السلطة، وسيارة مرسيدس سوداء من أحدث طراز تدل على الانتماء للحكومة الحالية، أما سيارة الدفع الرباعي السوداء الكبيرة فترتبط بالجيش، وتشكل سيارات "غيلاندواغن" السوداء موكب الرئيس، وينبغي لرجل دولة جاد أن يقود سيارة مرسيدس سوداء حديثة الطراز، ولكن ليس خلف المقود.

هذه هي القواعد، وهي أهم من قواعد المرور، وأخطر ما في روبليوفكا هو امتلاك سيارة "لادا" مستعملة رخيصة، بخاصة إذا كنتِ شابة وابنة ملياردير، هذا يعني أنكِ اشتريتها بأموالك الخاصة، وليس بأموال والدك، وهو دليل قوي على دخولكِ المستقل إلى عالم المال. يجب على زوجة رجل أعمال ناجح أن تقص شعرها في صالون ألدو كوبولا في جوكوفكا، إذا لم تفعل فإنها تُرسل إشارة استغاثة للعالم: إما أن الأسرة على وشك الانهيار، أو أن الزوج في ورطة كبيرة، أو مريض بشدة، وينطبق الأمر نفسه على الألماس: ففي كل رأس سنة، ينبغي على الرجل الناجح أن يُهدي زوجته أو حبيبته ألماساً من مجموعة "شوبارد" الجديدة، إذا لم يقم بذلك أو أهداها ألماساً من مجموعة العام الماضي، فهذا يعني إما أن الزوجة على وشك الطلاق، وإما أن العمل التجاري مُعرّض للانهيار. يمكنك سجن منافس أو عدو أو خصم بتهم ملفقة إذا كنت تملك السلطة والموارد، ولكن عليك أيضاً تحذيره مسبقاً، تم تحذير أنطون دريل، وميخائيل خودوركوفسكي قبل سجنه، وكل لاعب من لاعبي روبليوفكا مُقدّر له أن يُسجن تم تحذيره وتحضيره مسبقاً. ووفقاً للقواعد: إذا استجاب للتحذير فلديه متسع من الوقت للهرب إلى لندن والعيش هناك بسلام، أما إذا لم يفعل فسيزجّ به في السجن لعقوبة طويلة الأمد تتزايد باستمرار.

لن تصادف في روبليوفكا أيديولوجيات أو رؤى عالمية، باستثناء ثقافة عبادة المال، أو حتى استنتاجات بسيطة عن روبليوفكا. 99 في المئة من محادثات روبليوفكا تنتقل من موضوع إلى آخر، وكلمة "موضوع" هنا هي مصطلح عامي في روبليوفكا يُشير إلى خبر ما، ظاهرة مهمة تستحق النقاش بينما تُزال المقبلات ويُقدّم الطبق الرئيس، ثم يُقيّم ويُصنّف وفقاً لرؤية عالمية.

من الأسهل فهم نظام قواعد روبليوفكا ليس كمجموعة من القوانين غير المكتوبة، بل كمجموعة من المهارات اللازمة لمواصلة اللعب. يشبه الأمر قيادة السيارة أو التزلج، فالشخص المتخصص يضغط على دواسة الوقود، ويكبح، ويغير التروس، ويشغل إشارات الانعطاف، ويدير المدفأة أو المكيف من دون وعي، أما المبتدئ فلا يستطيع فعل كل هذا لأنه يحاول القيادة بوعي لا ببديهية، وبالمثل لا يستطيع مبتدئو روبليوفكا مواكبة القواعد المتغيرة، لذا فهم خارج اللعبة.

المزيد من تحقيقات ومطولات