Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حياء" المصريين ليس عاما لكن الخدش للجميع

"خدش الحياء" عبارة مطاطة يساء فهمها وبخاصة مع تغير اختلاف الأجيال وما يراه بعض خادشاً لا يكون كذلك بالنسبة إلى بعض آخر

يعتبر التحرش في الطريق العام واحداً من أفعال خدش الحياء (رويترز)

ملخص

ملايين المخدوشين والمخدوشات يقفون على قلب رجل واحد، ولسان حال حيائهم المخدوش يقول إن المصدر الأول والأخير لخدش الحياء أمور تتعلق بالمرأة، من ملابس ورقص وشعر وصوت وعلاقات جنسية أو حتى عاطفية

ضبط فتاة تنشر محتوى خادشاً للحياء لزيادة عدد المتابعين، اعتقال بلوغر ترقص بطريقة خادشة للحياء، الداخلية تتعقب سائقاً وضع ملصقاً خادشاً للحياء على باص نقل عام، إعلان خادش للحياء يثير ضجة، براءة تيك توكر شهير من تهمة نشر محتوى خادش للحياء، مراقبون يمنعون طالبة من دخول الجامعة لارتدائها فستاناً خادشاً للحياء، بلاغ للنائب العام ضد طبيب تجميل نشر فيديوهات خادشة للحياء لوجوه مريضات وأجزاء من أجسادهن، ماذا قال البلوغر فلان أثناء محاكمته بتهمة صناعة محتوى خادش للحياء؟ مشهد خادش للحياء في مسلسل رمضاني يفجر غضب المصريين، ضبط شخص اعتاد القيام بحركات خادشة للحياء في الشارع.

لا يمر يوم دون أن يخدش حياء المصريين، بحركة أو قول أو فعل أو تلميح أو إشارة أو رقصة أو ملبس أو مشهد درامي أو فاصل غنائي... القصة تُحكى والأمثلة لا تنتهي. صحيح أن العصر الرقمي جعل منظومة خدش الحياء تبدو وكأنها مسألة رقمية بامتياز، إلا أنها ليست كذلك. هي فكرة وثيقة الصلة بالثقافة والعادات والتقاليد مهيمنة على العقول، ومغروسة في البيت والمدرسة والمسجد والكنيسة والشارع، الجميع يتحدث عنها ويتطرق إليها ولا يمر يوم دون أن يصف أحدهم فعلاً أو عملاً أو إيماءة أو مشهداً أو محتوى بأنه خدش حياءهم.

ملايين المخدوشين والمخدوشات يقفون على قلب رجل واحد، ولسان حال حيائهم المخدوش يقول إن المصدر الأول والأخير لخدش الحياء أمور تتعلق بالمرأة، من ملابس ورقص وشعر وصوت وعلاقات جنسية أو حتى عاطفية، وخطوة وغناء وضحكة وبكاء وإيحاء وعمل، وزواج وتمثيل ووصف وشتيمة، وغيرها كثير قادر على خدش الحياء.

وعلى رغم الاتفاق المجتمعي على منظومة خدش الحياء والميراث الثقافي المتمحور حولها والرداء الديني الذي تختاره لنفسها بين وقت وآخر، وعلى رغم أن كثيراً من البلاغات المقدمة للشرطة تتعلق بأعمال أو أحداث "خدشت حياء" أحدهم، وعلى رغم أن أماكن الاحتجاز والحبس فيها كثير ممن يواجهون تهمة خدش الحياء، وقاعات المحاكم مليئة بقضايا موضوعها خدش الحياء، وعلى رغم التغطيات الإعلامية اليومية عما خدش حياء الناس اليوم، فإن مفهوم خدش الحياء يظل ضمن أكثر المفاهيم تعقيداً، وأكثرها إبهاماً، على رغم كونها الأكثر استخداماً.

سؤال واحد وإجابة واحدة

"اندبندنت عربية" خرجت من سؤال وجهته لكثر من الجنسين "ما التصرفات أو الأقوال التي تخدش حياءك؟"، بنتيجة مفادها أن الغالبية المطلقة تتحدث عن خدش الحياء وكأنه مفهوم معروف متفق عليه ولا يحتاج إلى تعريف أو توضيح.

"كل ما من شأنه أن ينافي الآداب العامة والدين" و"التصرفات والكلمات الخارجة على الآداب والدين" و"الألفاظ والإشارات النابية"، و"كل ما ينافي الدين والأخلاق والعادات والتقاليد والشرع" و"أي تصرف أو قول أو إيماءة تجعل الإنسان السوي الملتزم (المتدين) يشعر بعدم الراحة أو يخجل من وجود أسرته معه". غالبية الإجابات جمعت بين الآداب والدين والعادات. والغالبية أيضاً حين سُئلت عن أمثلة لتصرفات أو كلمات تخدش الحياء ذكرت المرأة أو الجنس أو كليهما بصورة أو بأخرى.

أما التعريف القانوني، كما حددته القوانين المصرية، التي تستند إليها آلاف البلاغات والقضايا التي تزخر بها أقسام الشرطة وقاعات المحاكم خلال الأعوام الأخيرة، فيظل موضعاً للاجتهاد، لا المعرفة. القانون المصري عامر بالنصوص المتعلقة بخدش الحياء، أو ما يتصل به من "فعل فاضح" أو "منافٍ للآداب". وتوجد نصوص خاصة بخدش حياء امرأة، وأخرى بخدش الحياء العام.

تنص المادة رقم 278 من قانون العقوبات المصري رقم 58 والصادر عام 1937 على أن "كل من فعل علانية فعلاً فاضحاً مخلاً بالحياء، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة، أو غرامة لا تتجاوز 300 جنيه".

 

وتوالت التعديلات خلال أعوام وعقود لاحقة، وما زالت، وذلك لمجاراة التغيرات المجتمعية والرقمية، فأجريت تعديلات على سبيل المثال لمعاقبة التحرش في الطريق العام أو عبر الهاتف أو أية وسيلة اتصال، ونشر محتوى مخل بالآداب عبر الإنترنت، وكذلك انتهاك حرمة الحياة الخاصة وإرسال رسائل إلكترونية بكثافة دون موافقة، أو الاعتداء على مبادئ وقيم الأسرة.

يشار إلى أن "قيم الأسرة المصرية" تحولت خلال العقد الأخير إلى منظومة قائمة بذاتها يتحدث عنها الجميع، ويتحول خرق هذه القيم إلى اتهام والحفاظ عليها إلى عمل عظيم، لكن تبقى شأنها شأن خدش الحياء ذات تعريف مبهم، يفسره الجميع كل بناءً على رأيه الشخصي، ويعتقد كلهم أنه "متفق عليه".

يشار أيضاً إلى أن "خدش الحياء" وتهديد أو خرق أو الإساءة لـ"قيم الأسرة المصرية" تحولت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى أدوات تأديب مجتمعية، ووسائل وصم وتشويه يستخدمها بعضهم لردع آخرين يقولون أو يكتبون أو يفكرون أو يتصرفون أو يبدعون خارج الحدود المتفق عليها مجتمعياً في هذين الشأنين. ويقوي من شوكة هذه الأدوات والوسائل غموض التعريف في القانون، وترك مساحة الاجتهاد مفتوحة للجميع، إضافة إلى هيمنة تيارات أيديولوجية أصولية دينية (ينعتها بعضٌ بالرجعية) على الشارع، وهو ما يلقي بظلاله على تعريف المجتمع نفسه لـ"التهمتين".

اللافت أن القلة التي تطالب بتعريف، أو تبحث عن قواعد تحدد المقصود بـ"خدش الحياء"، تواجه غالباً برفض وازدراء وتشكك من قبل المجتمع، على اعتبار أنها قلة بلا حياء أو تدعو إلى الفسق والفجور! هي قلة منفلتة في نظر الغالبية الملتزمة.

البحث عن تعريف

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وحيد عبدالمجيد كتب مُنتقداً هذه السيولة التعريفية في القانون "حفل قانون العقوبات بتهم غريبة يمكن أن تطول أي شيء وكل شيء بسبب صياغتها المطاطة، ومنها ما يطلق عليه خدش الحياء العام"، معتبراً تعريف التهمة بصورة محددة ومنضبطة، أو حتى لغوياً، في إطار قانوني أمراً مستحيلاً.

وأضاف عبدالمجيد ضمن مقالة عنوانها "اجتهادات خدش الحياء العام" (2016)، "الحياء يعني الخجل، وهو ما يشعر به الشخص في حالات مختلفة، منها أن يشاهد فعلاً أو يسمع كلاماً يخجله أو يستحي منه"، و"هذا شعور شخصي خاص، بالتالي يختلف من شخص إلى آخر"، مشيراً إلى أن معايير الحياء وما يخدشه في الريف مثلاً يختلف عنه في الحضر، لذلك "الحياء شعور خاص لا يجوز تعميمه. والقول إن هناك حياءً عاماً يحبس من يخدشه أمر غريب"، مؤكداً أن "مثلما لا نعرف معنى عاماً للحياء، لا نفهم أية معجزة تلك التي تجعل ملايين الناس يشعرون الشعور نفسه بصورة جماعية في وقت واحد".

وأشار عبدالمجيد إلى محاولة بذلها نائبان برلمانيان خلال ذلك العام لتعديل المادة 178 من قانون العقوبات لتنسجم والمادة 76 من الدستور، التي ألغت عقوبة الحبس في الجرائم التي تُرتكب لسبب النشر أو علانية المنتج الأدبي والفني والفكري.

وكان النائبان السابقان أحمد سعيد ونادية هنري تقدماً بهذا المقترح خلال عام 2016، لكنه قوبل بمقاومة واضحة ورفض من قبل غالبية أعضاء اللجنة التشريعية في المجلس. وقال وحيد إن ما يتعلق بـ"التهمة التي تُرتكب بسبب النشر أو خدش الحياء العام، والواردة في النص القانوني التي تعاقب من نشر أو صنع أو حاز مطبوعات أو رسوماً أو إعلانات أو صوراً، أو غير ذلك من الأشياء، إذا كانت خادشة للحياء العام.

قابل الشارع المصري هذا الرفض بكثير من الارتياح، على رغم عدم الإلمام بالضرورة بالنص القانوني الأصلي، أو التعديل المقترح، أو الغرض منه. فكل ما يتعلق ببناء مزيد من القلاع والسياج والقيود حول منظومة "الحياء العام"، مع ترويع كل ما من شأنه أن يخدشه، من الأمور المرحب بها كثيراً في الشارع، على رغم أن الشارع هو نفسه الذي تصدر منه الأفعال والأقوال والإيماءات والإشارات التي تخدش حياءه!

 

الرغبة المجتمعية الجامحة في بناء القلاع للحفاظ على الحياء العام، ومعها "قيم الأسرة المصرية" تشهد تصاعداً وتوسعاً وتجذراً. وهي رغبة توسعية تمضي في الاتجاه المعاكس لما كانت عليه مصر والمصريون قبل عقود، تحديداً قبل "صحوة" السبعينيات الدينية، التي تحولت إلى ثقافية.

يحلو لبعض الكتاب والفنانين والمثقفين، ومعهم مصريون عاديون، نشر صور ومشاهد ومقاطع من أعمال مصرية فنية وأدبية في زمن ما قبل الصحوة، والمقارنة بين ما تعكسه من انفتاح وليبرالية وترحيب المصريين بها، وبين ما آلت إليه الأوضاع المجتمعية والثقافية خلال عقود ما قبل السبعينيات، وتحول المجتمع المتسارع نحو "الالتزام" الديني، وفي قول آخر التزمت والتشدد والانغلاق.

صور النساء المصريات في الشارع والفنانات في الأفلام، وتحرر الأدب والفن والثقافة في الكتابة والتفكير والتناول، وذلك في ظل مجتمع ذي جوهر حديث متطور وسلوكات راقية وأخلاقيات سامية، ومظهر نظيف في الشوارع والأماكن العامة تقف، في نظر هؤلاء، على طرف نقيض من المظهر والجوهر المتغيرين والغارقين في "الالتزام" في ما بعد.

ويجري بين الحين والآخر طرح أسئلة افتراضية من قبيل ماذا لو عادت سامية جمال وهند رستم وهدى سلطان وأم كلثوم وغيرهن اليوم؟ وكيف سيستقبلهن المجتمع نفسه الذي كان يفخر بهن ويبجلهن ويقدر فنهن قبل عقود؟ وماذا لو عاد نجيب محفوظ ليكتب رواياته الرائعة مثل "الثلاثية" وغيرها اليوم؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل أعوام، قال الكاتب المصري سامح فوزي وتحديداً وقت رفضت اللجنة التشريعية في مجلس النواب مقترح تعديل النص المتعلق بـ"خدش الحياء" في القانون أيضاً تحت عنوان "خدش الحياء"، موضحاً أن أحد النواب قال أثناء مناقشة المقترح إن "السكرية" و"قصر الشوق" (من ثلاثية نجيب محفوظ) فيهما خدش للحياء، وأن نجيب محفوظ يستحق العقاب، إلا أن أحداً في ذلك الوقت لم يحرك دعوى جنائية.

وعلق فوزي قائلاً "بالطبع كان نجيب محفوظ الأديب المصري العالمي، الذي طبقت شهرته الآفاق وتُرجمت أعماله إلى عدد من لغات العالم محظوظاً، لأن لو قدم أحد ضده بلاغاً للنيابة ربما تعرض للسجن. ولو وقف أمام المحكمة التي دانت الروائي أحمد ناجى بالحبس عامين بتهمة خدش الحياء، ربما كان لا يزال خلف القضبان ينتظر عفواً أو نقضاً للحكم".

وأضاف أن تجريم أعمال أدبية أو فنية بتهمة "خدش الحياء" يشكل قيداً على حرية الرأي والتعبير، ويحتاج إلى مراجعة النصوص القانونية، لا سيما أن القاضي الذي ينظر في عمل أدبي قد لا تكون لديه الدراية الكاملة بالأدب، وقد لا يكون معنياً به من الأساس، بالتالي غير ملم بقواعد النقد الأدبي الذي ينظر إلى مجمل النص وسياقاته وظروف إنتاجه، ولا ينتزع أجزاء أو عبارات من سياقها. ولا ننتظر أن يكون القاضي ناقداً أدبياً، مثلما لا ننتظر من الناقد الأدبي أن يكون قاضياً.

وأشار إلى أن "خدش الحياء" عبارة مطاطة تحمل معاني كثيرة ويُساء فهمها، وبخاصة مع تغير الأزمنة واختلاف الأجيال، وتنوع أساليب التعبير اللغوي والحركي والفني، وأن ما يراه بعض خادشاً للحياء لا يكون كذلك بالنسبة لبعض آخر، مشيراً إلى أن المسألة نسبية وأن ما يثير الجذع أو الانقباض لدى بعض لا يعني شيئاً لبعض آخر.

حلبة خدش الحياء

خدش الحياء لا تدور رحاه ولا يتحول إلى حلبة مصارعة بين المخدوش حياؤهم وغير المخدوشين، في الأدب والفن فحسب، لكن المباراة تدور في كل تفاصيل الحياة، لا سيما الصغيرة ومتناهية الصغر في المجتمع المصري هذه الآونة. ويبدو كأن أحدهم وضع معايير واضحة ومحددة، لكن غير مكتوبة أو منطوقة، وحَّد بها ما يخدش الحياء.

ووصلت القاعدة العريضة من المصريين إلى اتفاق ينص على قبول هذه المعايير، والتلويح بها بين حين وآخر، وذلك لعوامل تتعلق ببيئة الخطاب الديني والثقافي من جهة، وأيضاً لترهيب المشككين في طبيعة وحقيقة الخدش، أو المطالبين بشرح المقصود به، وكذلك لوصم مسبق للمشككين في المنظومة برمتها.

يُشار إلى أن تياراً قليل العدد، عديم التأثير إلا في دوائره المغلقة، يطرح تساؤلات حول ما يعده "فصاماً مجتمعياً حاداً" بين ما يخدش حياء الغالبية من أمور معظمها يتعلق بالجنس والمرأة، في حين أن تلال القمامة والتفوه بشتائم نابية وأعمال النصب والاحتيال والمبالغة في الأسعار، وانعدام الرقابة وفوضى الشارع وعشوائية القرارات وغيرها لا تصيب الحياء بخدش ولو سطحي.

 

في هذه الأثناء، تسير المؤسسات الدينية الرسمية أيضاً على النهج نفسه، إذ يتطرق كثر من علماء الدين إلى رأي الشرع في ما يقترفه أو يتفوه به بعض من تصرفات أو أقوال خادشة للحياء، مع بقاء العبارة غامضة مبهمة، وفي الوقت نفسه "غير قابلة للمس".

الغريب أن على رغم وفرة المادة "الخادشة لحياء المجتمع"، لا سيما في العصر الرقمي وسطوة المنصات الرقمية، وما يزخر به من محتوى يثير شهية كثر للبحث والتنقيب فيه عما قد يكون من شأنه أن يخدش الحياء، وذلك ليتعقبه وفاعله، بعد أن يكون شاهده ربما عشرات المرات، هناك من يحلو له أن ينقب في التراث بحثاً عن خوادش حياء عتيقة.

"ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" تتربعان على عرش التنقيب، ثم تأتي كتب أقل انتشاراً مثل "نزهة العمر في التفضيل بين البيض والسمر"، و"شقائق الأترج في رقائق الغنج" وغيرها تنافس بين حين وآخر تيك توكر العمرانية وكذلك يوتيوبر الأنفوشي، وجيشاً جراراً من صانعات وصناع المحتوى مثل "لوشا" و"أم أيمن" و"أم رودينا" و"أم سعيد" و"أم سجدة" و"فراولة" و"منجاية" وغيرهن، وذلك ضمن رحلة البحث المجتمعي والعقاب القانوني على ما يخدش حياء الشارع، مع بقاء التعريف مبهماً والنقاش ممنوعاً والنقد محرماً ومجرماً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات