Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تعيد الصين وأفريقيا هندسة الحوكمة العالمية؟

يتأرجح التعاون السياسي بين إرث الحياد ومتطلبات واقع دولي يدفع بكين نحو أدوار أكثر تفاعلاً في نظام عالمي شديد السيولة

قبل حفل افتتاح منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC)، بكين، 5 سبتمبر 2024 (أ ف ب)

ملخص

التحدي الأساسي يكمن في المواءمة بين مصالح التنمية المحلية للأفارقة ومتطلبات النفوذ الدولي، بحيث لا تتحول الشراكة الاقتصادية والسياسية بين الصين وأفريقيا إلى أداة لتعميق الاعتماد أو خلق اختلالات في ميزان المصالح.

انعقد الحوار الاستراتيجي التاسع بين الصين والاتحاد الأفريقي في الثامن من يناير (كانون الثاني) الحالي بمقر الاتحاد في أديس أبابا في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات وتزايد تداخل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، ما أضفى على اللقاء دلالة تتجاوز طابعه الدوري. جاء الحوار في مرحلة باتت العلاقة بين الجانبين محكومة باعتبارات أوسع من إدارة المصالح المباشرة، حيث تتقاطع قضايا التحديث والتنمية والحوكمة والسلام ضمن مشهد عالمي يعاد فيه توزيع الأدوار ومراكز التأثير. وفي هذا الإطار، مثل اللقاء مساحة لتقييم مسار الشراكة الصينية- الأفريقية كما تشكل خلال العقدين الماضيين، ومناقشة اتجاهاته المحتملة في ظل تصاعد التنافس الدولي على القارة الأفريقية وتزايد أدوارها في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.

استند هذا الحوار إلى رصيد سياسي تراكمي عززته القمة الصينية- الأفريقية التي عُقدت في سبتمبر (أيلول) 2024، والتي شهدت طرح رؤية تعاون تمتد حتى عام 2035، واضعة مفاهيم العدالة التنموية، والتحول الأخضر، وتكافؤ الفرص في النظام الدولي ضمن الإطار النظري الحاكم للعلاقة. وقد صاغ "إعلان بكين" آنذاك مفهوم "المجتمع الصيني- الأفريقي ذي المستقبل المشترك" باعتباره مرجعية عامة للتعاون، ما منح العلاقة بعداً تصورياً يتجاوز الأطر الثنائية التقليدية، مع إبقاء مساحات واسعة لاجتهادات التطبيق والتأويل بحسب السياقات السياسية والاقتصادية لكل طرف.

جاء الحوار التاسع ليبحث في تحويل هذه المرجعية إلى أجندة عملية، حيث حضرت قضايا التحديث بوصفها محوراً مركزياً يرتبط ببناء الدولة، وتعزيز القدرات الاقتصادية، وإدارة التحولات الاجتماعية، دون فصلها عن التحديات البنيوية التي تواجهها العديد من الدول الأفريقية. كما برزت الحوكمة العالمية كأحد موضوعات النقاش، في ضوء مطالب أفريقية متزايدة بإصلاح المؤسسات الدولية وتوسيع دوائر التمثيل والتأثير داخلها، إلى جانب سعي الصين إلى تنسيق مواقفها مع شركائها في الجنوب العالمي. واحتلت التنمية الإقليمية موقعاً متقدماً في جدول الأعمال، باعتبارها مدخلاً لمعالجة اختلالات مزمنة تتصل بالتكامل الاقتصادي والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي. وفي موازاة ذلك، طُرحت قضايا السلام والأمن ضمن تصور يربط بين الاستقرار والتنمية، مع نقاش الأدوار الممكنة للصين والاتحاد الأفريقي في إدارة النزاعات الإقليمية. وبهذا المعنى، يعكس الحوار الاستراتيجي التاسع مرحلة من إعادة ضبط العلاقة الصينية- الأفريقية، بما تحمله من فرص وتحديات وحدود يفرضها واقع دولي وإقليمي شديد التعقيد.

مسارات متعددة

تبلور الحوار الاستراتيجي بين الصين ودول الاتحاد الأفريقي بوصفه المسار السياسي الأكثر انتظاماً في العلاقات بين الجانبين، متدرجاً عبر تسع جولات عكست تحولات الأولويات الدولية وتبدل موازين القوة. انطلقت الجولة الأولى مطلع العقد الثاني من الألفية في سياق تثبيت الشراكة المؤسسية، مركزة على بناء قنوات التشاور السياسي وربطها بإطار منتدى التعاون الصيني- الأفريقي الذي تأسس عام 2000 كحاضنة شاملة للتنسيق. جاءت الجولة الثانية لتوسيع جدول الأعمال نحو التنمية والبنية التحتية وربط الاقتصادات الأفريقية بمشروعات النقل والطاقة، بينما كرست الجولة الثالثة مواءمة الرؤى بين أجندة أفريقيا 2063 ومبادرات الصين العابرة للأقاليم. في الجولة الرابعة برزت قضايا السلم والأمن ودعم أدوار الاتحاد الأفريقي في إدارة النزاعات، واتجهت الجولة الخامسة إلى تعميق التعاون في الحوكمة الاقتصادية، وبناء القدرات، وإصلاح المؤسسات القارية. أما الجولة السادسة فقد حملت اهتماماً بالتجارة والاستثمار وسلاسل القيمة والتمويل التنموي، وتبعتها الجولة السابعة التي وسعت النقاش إلى التحولات العالمية، والتعددية، وتمثيل أفريقيا في النظام الدولي. في يناير 2023 انعقدت الجولة الثامنة في أديس أبابا، مؤكدة الشراكة الشاملة، والتنسيق السياسي، وتسريع التنمية، وتعزيز المكانة الأفريقية في المحافل الدولية. وجاءت الجولة التاسعة هذه لتجمع ملفات التحديث، والحوكمة العالمية، والتجارة التفضيلية، والوساطة، والسلام في القرن الأفريقي، مرفقة بإطلاق عام للتبادل الشعبي يعمق الروابط الثقافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حضور بكين في أفريقيا يستند إلى جذور تعود إلى خمسينيات القرن الماضي حين راهنت بكين على الاستثمار والشراكة الممتدة لبناء حضور دائم، ثم تكرس منذ زيارة الرئيس الصيني السابق وقائد الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، جيانغ زيمين، لأفريقيا عام 1996 عبر مبادئ الصداقة والمساواة والتضامن والتنمية المشتركة والنظر إلى المستقبل. وقد وفر منتدى التعاون الصيني- الأفريقي الإطار التنفيذي لترجمة هذه المبادئ إلى برامج، وقمم، وخطط عمل، فصار منصة لصياغة المصالح المشتركة وتوسيع النفوذ المتبادل في عالم شديد التنافس. غير أن الممارسة السياسية أظهرت توازناً دقيقاً بين الطموح المعلن وحسابات الواقع، حيث اتخذت بكين مواقف حذرة في أزمات القرن الأفريقي ووسط القارة والساحل، متمسكة بحماية استثماراتها وبالتحرك ضمن هوامش توافق دولي أوسع. وتعكس جولات وزير الخارجية الصيني وانغ يي الأخيرة في أفريقيا هذا الإدراك البراغماتي، في لحظة دولية مشحونة بترقب تحولات السياسة الأميركية، لتغدو القارة مساحة اختبار مركزية لصمود الشراكة الصينية- الأفريقية وقدرتها على التكيف مع نظام عالمي متغير.

تعاون متأرجح

تشكلت ملامح التعاون السياسي بين الصين والدول الأفريقية متمثلة في الاتحاد الأفريقي عبر مسار اتسم بالحذر والبراغماتية، حيث ارتكزت السياسة الصينية تقليدياً على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة، وهو ما انعكس في مواقف اتسمت بالصمت أو الحياد إزاء أزمات أفريقية كبرى. خلال أزمة دارفور في عهد الرئيس السابق عمر البشير، اكتفت بكين بحماية مصالحها الدبلوماسية والاقتصادية داخل مجلس الأمن، متجنبة توظيف ثقلها السياسي أو استخدام حق النقض لصالح السودان، بما كرس صورة شريك يفضل الاستقرار والعلاقات الثنائية على الانخراط في تعقيدات النزاعات الداخلية. هذا النهج انسجم مع رؤية صينية تعتبر أن الشرعية الدولية تُبنى عبر التنمية والتعاون الاقتصادي، لا عبر الضغط السياسي أو إعادة هندسة الشؤون الداخلية للدول.

غير أن العقد الأخير شهد تحولات تدريجية في المقاربة الصينية، فرضتها تحولات النظام الدولي واتساع حضور الصين في فضاءات الجنوب العالمي. فمع تعاظم مصالحها العابرة للحدود، باتت بكين أكثر انخراطاً، ولو بقدر محسوب، في القضايا السياسية والأمنية التي تمس استقرار شركائها. يتجلى ذلك في توسع دورها داخل أطر جماعية بديلة، أبرزها منظمة "شنغهاي للتعاون"، التي انطلقت كمنصة أمنية إقليمية ثم تطورت إلى إطار سياسي يعزز التنسيق بين دول غير غربية حول قضايا السيادة ومكافحة الهيمنة والتعددية القطبية. وبالمثل، برز تجمع "بريكس" كتكتل اقتصادي- سياسي يسعى إلى إعادة توازن النظام المالي والاقتصادي العالمي، وتوفير مساحة أوسع لدول الجنوب للتأثير في قواعد الحوكمة الدولية، مع تنامي الحضور الأفريقي داخله.

في هذا السياق، تطور التعاون السياسي بين الصين والاتحاد الأفريقي ليشمل قضايا الحوكمة العالمية، والتحديث، والتنمية الإقليمية، والوساطة في النزاعات، ضمن خطاب يؤكد حماية مصالح دول الجنوب العالمي وتبادل الدعم في القضايا الجوهرية. وقد أتاح هذا التقاطع مجالاً لنقاش أوسع حول إمكانات هندسة مقاربات جديدة للحوكمة العالمية، تقوم على تعزيز التمثيل الأفريقي، وإعادة النظر في آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدولية، دون القطيعة مع الإطار القانوني القائم. وفي مناطق حساسة مثل القرن الأفريقي، تزايد الحضور الصيني سياسياً وأمنياً بالتوازي مع استثمارات البنية التحتية والوجود العسكري المحدود، في محاولة لربط الاستقرار الإقليمي بأمن التجارة والطاقة العالمية.

يتأرجح التعاون السياسي الصيني الأفريقي بين إرث الحياد وعدم التدخل، ومتطلبات واقع دولي يدفع الصين نحو أدوار أكثر تفاعلاً، ضمن معادلة دقيقة توازن بين المصالح، والسيادة، وحدود المسؤولية في نظام عالمي شديد السيولة. 

استمرار الاختلالات

في الإطار الاقتصادي، ركز الحوار الأخير على تنسيق الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة مع الخطة العشرية الثانية لتنفيذ "أجندة 2063" للاتحاد الأفريقي، وربط هذا المسار بالتزامات منتدى التعاون الصيني- الأفريقي، بما يخلق شبكة تخطيط عابرة للمستويات الوطنية والقارية. ويعكس هذا التوجه تصوراً يرى في أفريقيا مجالاً استثمارياً واسعاً، وفي الصين فاعلاً يمتلك أدوات التمويل والتنفيذ والربط بالأسواق العالمية.

ضمن هذا السياق، تبرز مبادرة "الحزام والطريق" كإطار ناظم للحضور الاقتصادي الصيني منذ 2013، حيث أعيد تعريف القارة كمحور للبنية التحتية العابرة للحدود، ومصدراً للمواد الأولية والمعادن، وسوقاً استهلاكية في طور التوسع. وقد شكلت مشاريع الطرق والموانئ والسكك الحديد والطاقة مؤشراً عملياً على عمق هذا الحضور، مع انخراط أكثر من 40 دولة أفريقية في المبادرة. غير أن هذا التوسع رافقته قراءات نقدية ترى أن نمط الاستثمار يكرس أدواراً تقليدية للقارة كمورد للمواد الخام، مع محدودية واضحة في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية المحلية.

 

وتمنح عضوية بعض الدول الأفريقية في تجمعات مثل "بريكس" ومنظمة "شنغهاي" بعداً إضافياً للتعاون، عبر فتح قنوات تمويل بديلة وتوسيع هوامش الحركة خارج الأطر الغربية، إلا أن تياراً نقدياً واسعاً يشير إلى أن هذه المنصات، رغم رمزيتها السياسية، لم تُترجم بعد إلى تحولات هيكلية في اقتصادات الدول الأفريقية المنضمة، حيث ظل الوزن التفاوضي غير متكافئ، واستمرت الاختلالات في ميزان التبادل التجاري لصالح الصين.

من زاوية أخرى، يُنظر إلى المكاسب الصينية بوصفها أكثر وضوحاً واستقراراً، سواء في تأمين سلاسل الإمداد للمواد الاستراتيجية، أو توسيع أسواق الصادرات، أو ترسيخ حضور الشركات الصينية في مشاريع كبرى مدعومة بضمانات سيادية. وتطرح آراء أخرى أن نماذج التمويل المعتمدة، القائمة على القروض طويلة الأجل، تثقل الموازنات الأفريقية وتحد من هامش القرار الاقتصادي، بما يعزز أنماط تبعية مالية يصعب الفكاك منها على المدى المتوسط.

وتشير دراسات تحليلية إلى أن العائد التنموي على الجانب الأفريقي ظل متفاوتاً ومحدوداً قياساً بحجم الموارد المقدمة، مع بقاء آثار المشاريع محصورة في البنية التحتية دون امتداد كافٍ إلى خلق فرص العمل المستدامة أو تنويع القاعدة الإنتاجية. وفي هذا الإطار، يُقدم التعاون الصيني- الأفريقي من قبل منتقديه كنموذج يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل نظام دولي متحول، حيث يسهم العامل الاقتصادي في إعادة هندسة الحوكمة العالمية، لكن وفق معادلات تميل إلى ترجيح مصالح الفاعلين الكبار على حساب الدول الأضعف، ما يجعل مستقبل هذا التعاون رهيناً بقدرة الأطراف الأفريقية على إعادة ضبط شروطه ومخرجاته.

حدود الإمكانات

تبرز إمكانات الصين ودول الاتحاد الأفريقي في هندسة الحوكمة العالمية باعتبارها جزءاً من إعادة توزيع موازين النفوذ الدولي في العقود المقبلة. تعتمد الصين في هذا المسار على أدوات اقتصادية وسياسية واسعة النطاق، تمتد من مبادرة "الحزام والطريق" إلى الانخراط في تكتلات صاعدة مثل "بريكس" و"شنغهاي"، لتطوير نموذج تعاون متعدد الأطراف يركز على احترام سيادة الدول، وتعزيز دور الجنوب العالمي في صياغة السياسات الدولية، وتخفيف الاعتماد على الهيمنة التقليدية للمراكز الغربية. يتيح هذا التوجه للاتحاد الأفريقي مساحة أكبر للمشاركة في رسم أولويات التمويل والتنمية والتجارة الدولية، وتوسيع نطاق التمثيل الأفريقي في مؤسسات مثل مجلس الأمن والبنوك التنموية، بما يعزز قدرة القارة على توجيه النقاش العالمي نحو مصالحها الاستراتيجية.

على صعيد الهيكلة، يمكن للعضوية في تجمعات مثل "بريكس" ومنظمة "شنغهاي" أن توفر للأفارقة أدوات للتنسيق المالي والتقني، وتطوير شبكة توافق سياسية مشتركة مع الصين ودول الجنوب الأخرى، بما يسمح بتقديم رؤى متماسكة حول الإصلاحات المطلوبة في نظام الحوكمة العالمية. يكتسب هذا المسار أهميته من قدرة هذه الدول على توظيف هذه المنصات لتوسيع النفوذ الأفريقي، وتعزيز الفرص التنموية، وخلق آليات أكثر مرونة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية في النظام الدولي.

مع ذلك، تبقى هناك حدود طبيعية لهذه الإمكانات، إذ إن التأثير الصيني مرتبط بالنفوذ الاقتصادي المباشر، بينما يعاني الاتحاد الأفريقي من ضعف التنسيق المؤسسي داخل المجموعة، ما قد يحد من قدرة القارة على تحويل هذا النفوذ إلى قوة قيادية مستقلة على مستوى الحوكمة العالمية. كما أن التحدي الأساسي يكمن في المواءمة بين مصالح التنمية المحلية للأفارقة ومتطلبات النفوذ الدولي، بحيث لا تتحول الشراكة الاقتصادية والسياسية إلى أداة لتعميق الاعتماد أو خلق اختلالات في ميزان المصالح.

يمكن أن يؤدي هذا التعاون إلى إعادة رسم ملامح النظام الدولي، بظهور نموذج متوازن أكثر بين القوى التقليدية والصاعدة، حيث تُمنح القارة الأفريقية دوراً أكبر في عمليات صنع القرار، وتصبح الصين شريكاً يسعى إلى تكامل مصالحه مع أولويات التنمية والاستقرار في الجنوب العالمي. يبقى النجاح مرهوناً بقدرة الأطراف على الحفاظ على التنسيق المؤسسي والسياسي، وبتطوير آليات لضمان توزيع المنافع الاقتصادية والسياسية بشكل مستدام، ضمن عالم متعدد الأقطاب يتسم بالتحولات السريعة والتحديات المعقدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل