Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هوس تسريح العمالة يعود إلى "وول ستريت"

البنوك الأميركية الكبرى تقلص وظائفها مع تباطؤ النشاط وارتفاع كلفة التشغيل

تشير الاتجاهات الحالية إلى أن موجة تسريح العمالة مرشحة للاستمرار خلال عامي 2026 و2027، لكن بوتيرة متفاوتة بين البنوك (أ ف ب)

ملخص

يرى محللون أن ما يجري في البنوك الأميركية لا يقتصر على إجراءات موقتة، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة إدارة الكلفة، فبعد أعوام من التوسع المدفوع بالسيولة الرخيصة، دخل القطاع مرحلة أكثر تشدداً، تفرض فيها أسعار الفائدة المرتفعة والمنافسة الرقمية والضغوط التنظيمية، نموذجاً مصرفياً أقل اعتماداً على العمالة وأكثر تركيزاً على الأتمتة والتكنولوجيا.

عاد شبح تسريح العمالة ليخيم على القطاع المصرفي الأميركي، بعدما سجل عام 2025 أكبر موجة شطب وظائف في أكبر البنوك منذ نحو عقد، فمع تباطؤ النشاط المصرفي وارتفاع كلفة التشغيل، أعادت البنوك الكبرى ترتيب أولوياتها، واضعة "الكفاءة" وخفض النفقات في صدارة استراتيجياتها، حتى لو كان الثمن تقليص القوة العاملة.

وبحسب بيانات نقلتها وكالة "بلومبيرغ"، بلغ إجمال عدد موظفي أكبر ستة بنوك أميركية ("جيه بي مورغان تشيس"، و"بنك أوف أميركا"، و"سيتي غروب"، و"ويلز فارغو"، و"غولدمان ساكس"، و"مورغان ستانلي") نحو 1.09 مليون موظف بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بانخفاض قدره 10600 موظف مقارنة بنهاية 2024.

ويمثل هذا المستوى أدنى عدد موظفين لهذه البنوك منذ عام 2021، فيما تعود آخر موجة خفض مماثلة إلى عام 2016 عندما جرى شطب نحو 22 ألف وظيفة خلال عام واحد.

من طفرة كورونا إلى انكماش ما بعد 2022

وشهد القطاع المصرفي الأميركي توسعاً كبيراً في التوظيف خلال فترة جائحة كورونا، مدفوعاً بطفرة غير مسبوقة في الصفقات، وأسواق رأس المال، والاندماجات والاستحواذات، غير أن هذا التوسع تحول إلى عبء مع بدء تباطؤ النشاط منذ عام 2022، في ظل تشديد السياسة النقدية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع الإصدارات والصفقات الكبرى، وبما أن بند الأجور والمزايا يعد أكبر عنصر في هيكل كلفة البنوك، أصبح خفض العمالة الخيار الأسرع والأكثر تأثيراً لتحسين الكفاءة والربحية.

وكان بنك "ويلز فارغو" المحرك الأكبر لعمليات تسريح العمالة خلال العام الماضي، في إطار عملية إعادة هيكلة واسعة يقودها الرئيس التنفيذي تشارلي شارب.

فقد انخفض عدد موظفي البنك بأكثر من 12 ألف موظف خلال عام واحد، ليصل إلى 205198 موظفاً، وهو أدنى مستوى منذ ما قبل استحواذه على بنك "واكوفيا" خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وخلال مؤتمر عبر الهاتف، أشاد شارب بموجة خفض الوظائف التي امتدت على 22 ربع عامٍ متتالٍ، مشيراً بوضوح إلى أن عملية التقليص لم تنته بعد.

في السياق ذاته، شطبت مجموعة "سيتي غروب" نحو 3000 وظيفة خلال العام الماضي، فيما كشفت "بلومبيرغ" أن المجموعة تعتزم شطب 1000 وظيفة إضافية خلال الأسبوع الجاري.

وأكدت الرئيسة التنفيذية جين فريزر ضمن مذكرة داخلية أن خفض الكلفة سيظل محوراً أساساً في استراتيجية البنك، في محاولة لإعادة هيكلة نموذج الأعمال وتحسين العائد على رأس المال.

هوس الكفاءة… هل هو دورة جديدة؟

إلى ذلك، يرى محللون أن ما يجري في البنوك الأميركية لا يقتصر على إجراءات موقتة، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة إدارة الكلفة، فبعد أعوام من التوسع المدفوع بالسيولة الرخيصة، دخل القطاع مرحلة أكثر تشدداً، تفرض فيها أسعار الفائدة المرتفعة والمنافسة الرقمية والضغوط التنظيمية، نموذجاً مصرفياً أقل اعتماداً على العمالة وأكثر تركيزاً على الأتمتة والتكنولوجيا.

وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن موجة تسريح العمالة مرشحة للاستمرار خلال عامي 2026 و2027، لكن بوتيرة متفاوتة بين البنوك، فمن جهة، ستواصل المؤسسات الكبرى تقليص الوظائف التقليدية، خصوصاً في الأنشطة الإدارية والداعمة، بالتوازي مع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

ومن جهة أخرى، قد يشهد القطاع طلباً انتقائياً على مهارات متخصصة في التكنولوجيا وإدارة الأخطار والامتثال، مما يعني أن "الهوس" بتسريح العمالة قد يتعايش مع إعادة توظيف نوعية بدل التوسع الكمي.

هل يعيد 2025 مشهد أزمة 2008؟

وعلى رغم تشابه مشاهد تسريح العمالة الحالية مع ما جرى خلال الأزمة المالية العالمية خلال عام 2008، فإن الدوافع والظروف تختلف جوهرياً بين المرحلتين، فخلال عام 2008 جاءت موجة شطب الوظائف نتيجة انهيار شامل في النظام المالي، وانفجار فقاعة الرهن العقاري عالي الأخطار، وتعرض بنوك كبرى لخسائر وجودية هددت بقاءها.

وكان تسريح العمالة آنذاك إجراء اضطرارياً للبقاء، رافقته عمليات إنقاذ حكومية واندماجات قسرية وانكماش حاد في الائتمان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما موجة التسريحات الحالية فتأتي في سياق مختلف، إذ يتمتع القطاع المصرفي الأميركي اليوم بمستويات رأسمال وسيولة أعلى بكثير مقارنة بما قبل عام 2008، نتيجة تشديد القواعد التنظيمية واختبارات الضغط الدورية.

ولا تواجه البنوك الكبرى خطر الانهيار، بل تسعى إلى تحسين الكفاءة والربحية في بيئة نمو أبطأ وكلف أعلى.

المفارقة أن بعض البنوك، مثل "ويلز فارغو"، أعادت عام 2025 مستويات التوظيف إلى ما دون تلك المسجلة قبل استحواذه على "واكوفيا" خلال أزمة 2008، لكن هذه المرة بقرار إداري استباقي، لا كرد فعل على صدمة مالية مفاجئة.

ففي حين كان تسريح العمالة بعد عام 2008 عشوائياً وواسع النطاق يستهدف تقليص الخسائر، يبدو خفض الوظائف الحالي أكثر انتقائية ويركز على الأنشطة الأقل ربحية أو القابلة للأتمتة.

وبينما أدت أزمة عام 2008 إلى أعوام من الانكماش الوظيفي في القطاع المصرفي، فإن موجة 2025–2026 قد ترسم مساراً مختلفاً، قوامه إعادة تشكيل سوق العمل المصرفي بدل تقليصه بالكامل، مع انتقال الثقل من التوظيف الكثيف إلى الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

تسريحات اليوم… إنذار الغد؟

لا تبدو موجة تسريح العمالة في القطاع المصرفي الأميركي مجرد تصحيح دوري في دورة الأعمال، بل تعكس تحولاً أعمق في منطق إدارة البنوك الكبرى لعلاقتها بالكلفة والأخطار والنمو، فحين يصبح خفض الوظائف شعار الكفاءة المرفوع في مؤسسات لا تعاني أزمة سيولة ولا نقصاً في الرسملة، فإن الرسالة الأهم لا تتعلق بالحاضر بقدر ما تتصل بتوقعات المستقبل.

على أية حال، تشير المعطيات إلى أن البنوك تستعد لمرحلة نمو اقتصادي أضعف، وتقلبات أطول في الأسواق، وتراجع مستدام في زخم الصفقات، بالتوازي مع تسارع الأتمتة واعتماد الذكاء الاصطناعي في العمليات المصرفية والاستثمارية.

وضمن هذا السياق، تتحول العمالة من أصل داعم للنمو إلى بند كلفة يخضع لإعادة تقييم دائمة، وهو ما يفتح الباب أمام موجات إضافية من التسريحات حتى في غياب صدمة مالية كبرى.

أما التحذير المهم أن توسع هذا النهج خارج القطاع المصرفي قد يعيد إنتاج حلقة انكماشية أوسع، إذ يؤدي تقليص الوظائف في القطاعات عالية الدخل إلى كبح الاستهلاك والاستثمار، مما يضغط بدوره على النمو ويغذي الحاجة إلى مزيد من الخفض في النفقات، وهنا يصبح "هوس الكفاءة" عامل خطر اقتصادي كلي، لا مجرد خيار إداري داخلي.

أما استشرافياً، فإن مسار 2026–2027 مرهون بقدرة الاقتصاد الأميركي على خلق محركات نمو جديدة تعوض تباطؤ المال والاستثمار، وبمدى نجاح البنوك في تحقيق توازن دقيق بين التحول التكنولوجي والحفاظ على قاعدة بشرية قادرة على إدارة الأخطار المعقدة، وفي حال فشل هذا التوازن قد تتحول تسريحات اليوم من إجراء وقائي إلى نذير أزمة أوسع، تتجاوز "وول ستريت" لتطال الاقتصاد الحقيقي.