Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باحثة ألمانية تتناول الجدل بين أرنست رينان وعلماء مسلمين

تعرض برجيت شيبلر للمرة الأولى نصوص جمال الدين الأفغاني ونامق كمال وعطاء الله بايازيتوف

الشيخ العلامة جمال الدين الأفغاني (موقع "مفكرون مسلمون")

ملخص

أنجزت برجيت شيبلر، أستاذة كرسي تاريخ غرب آسيا في كلية الآداب في جامعة إرفورت الألمانية، دراسة بعنوان "مسلمون حداثيون، الأفغاني ونامق كمال وبايازيتوف يردون على رينان"، وقد نشرتها أولاً باللغة الألمانية، ثم باللغة العربية 2025 بإصدار مشترك لدار الفارابي والمعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت الذي ترأسته في السنوات الماضية.

تتناول الباحثة الألمانية  برجيت شيبلر قضية الجدل الذي دار إثر المحاضرة الشهيرة التي ألقاها العالم والمؤرخ إرنست رينان في السوربون سنة 1883 تحت عنوان "الإسلام والعلم".

كان الغرض من هذه المحاضرة التي ألقيت آنذاك في حرم الجامعة تحليل العقبات التي تحول دون تقدم المسلمين و"التدني الواقعي للبلدان الإسلامية"، علماً أن خروجها من قاعة التدريس ونشرها في صحيفة "لو جورنال دي ديبا" أثار ردود فعل على صفحات الصحف الفرنسية، لعل أبرزها نشر جمال الدين الأفغاني رداً عليها باللغة العربية في صحيفة "البصير" التي كانت تصدر في باريس، تصدى فيه لأطروحات رينان قبل أن يتبع هذا الرد بمقال آخر نشره هذه المرة باللغة الفرنسية في الصحيفة عينها التي نشر فيها رينان نص محاضرته، والتي أعقبها برد على الرد. وقد كان هذا السجال فاتحة دخول المثقفين في كل أنحاء العالم الإسلامي، العربي وغير العربي، في نقاش مع أطروحات رينان.

تتبع شيبلر خطوط تطور هذا السجال ومساراته حتى الوقت الراهن عارضة للمرة الأولى أهم ثلاثة خصوم لرينان ونصوصهم، وهم جمال الدين الأفغاني ونامق كمال التركي وعطاء الله بايازيتوف الروسي في مجلد واحد، مؤكدة أن الإسلام لم يطرح في هذا النقاش بوصفه تجربة تاريخية متعددة الأوجه، بل جرى اختزاله في صورة دين مقاوم بطبيعته للحداثة. ولئن برهنت الباحثة في تحليلها للخطاب الريناني وردود الفعل عليه أنه لم يكن رأياً فردياً، فإنها في الوقت عينه أكدت أن هذا الرأي كان تعبيراً عن بنية فكرية حداثية أوروبية قامت على ثنائيات حادة: عقل/ دين، علم/ وحي، حداثة/ تقليد، أوروبا/ الآخر. وقد ترتب على هذا التعبير أن وجد الفكر الإسلامي الحديث نفسه في موقع الدفاع، مطالباً بالإجابة عن سؤال لم يصغه هو، وبالبرهنة على أهليته العقلانية ضمن أفق معرفي لم يشارك في تحديد معاييره.

غير أن ما تكشفه العودة إلى نصوص المفكرين المسلمين في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، كما يوثقها كتاب شيبلر، هو أن هذه الردود لم تكن متجانسة ولا سطحية، بل انطوت على محاولات جادة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والعقل، وبين الإصلاح والهوية، في ظل اختلال واضح في موازين القوة السياسية والمعرفية.

الرهانات الفكرية

هذا ما تناولته إلى جانب كتاب شيبلر الذي يعتمد مقاربة نقدية للحداثة الأوروبية المركزية، دراسات عديدة اهتمت بموضوع علاقة العالم الإسلامي بالتحديث وفي كسب رهاناته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتي ما زال يؤرقها سؤال الحداثة والتنوير الأوروبي وواقع البلدان الإسلامية. ولعلها تظهر كلها برأي الباحثة أن تصوير الإسلام ككيان واحد جامد في تجاهل صريح لتعدديته التاريخية والفكرية، تصوير مجحف، علماً أن هذا السؤال بات اليوم أكثر تعقيداً، لا سيما بعد دخول الغرب في مرحلة ما بعد الحداثة والحديث عن إخفاقات المشروع الحداثي والتباس مفهومه على مستقبليه. وهذا ما انتبه إليه المؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه المهم "الدين في الديمقراطية"، الذي أكد على رغم ذلك عدم وجود تعارض بين الإسلام والديمقراطية.

في الواقع، لا تزال أطروحات رينان تجد من يدافع عنها، ولو أن المسلمين في بعض الدول الآسيوية والخليج العربي وسواها يقدمون اليوم نماذج حية للانفتاح على الحداثة الأوروبية وقيمها والمساهمة في تحقيقها، لكن كل الخطابات والردود التي سعت إلى تفكيك ادعاءات رينان اصطدمت بمأزق أعمق: القبول الضمني بفكرة أن الحداثة الأوروبية تمثل الشكل الوحيد الممكن للعقلانية. من هنا، نشأت نزعة دفاعية بالغت أحياناً في عقلنة الإسلام، أو في تقديم القرآن الكريم بوصفه كتاباً علمياً، في محاولة لإثبات الأهلية الحضارية ضمن معايير الخصم ذاته. وما هذه النزعة برأيي إلا نتاج لسياق الإقصاء والاستعلاء الثقافي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

باختصار، يؤكد كتاب شيبلر وسواه من الدراسات أن سؤال السجال حول الإسلام والحداثة ما زال راهناً وأن النقاش لم ينتهِ بعد. ولعله، يتكرر بصور جديدة في الخطابات المعاصرة، بخاصة لدى اليمين الشعبوي، على رغم تغير شروط طرحه وأفق معالجته. ولئن كان هذا السؤال قد تشكل في سياق صدمة التفوق الأوروبي وصعود أوروبا كـ"نموذج معياري" للتقدم، فإن تحولات العالم المعاصر لم تلغِ الإشكالية، بل أعادت صياغتها على مستوى أعمق وأكثر تعقيداً، بخاصة أن أوروبا لم تعد المرجع الوحيد والنموذج الحضاري الذي يملي على الآخرين مسارهم نحو التقدم.

أزمات الحداثة

 فقد النموذج الأوروبي سلطته الأخلاقية والرمزية، لا سيما بعد أزمات الحداثة نفسها ونشوب الحربين العالميتين، والحرب الباردة، والاستعمار، وظهور التوتاليتاريات القاتلة، ونهاية السرديات الكبرى، ثم أزمات الديمقراطية الليبرالية، والعنصرية البنيوية، وتفكك العقد الاجتماعي في غالبية مجتمعات القارة العجوز، وتحول الحداثة إلى "عولمة رأسمالية" بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، والحديث عن "عصر الفراغ" و"الحداثة الفائقة" بحسب تعبير جيل ليبوفتسكي، وقصور أوروبا عن استيعاب التجارب الحضارية الأخرى الواقعة خارج سياقها، لكن سقوط المرجعية لا يعني زوال الإشكال. فالحداثة، بوصفها منظومة تاريخية ومعرفية وسياسية (الدولة، القانون، الفرد، العقلانية، العلم، الحرية، الزمن التاريخي)، لم تكن مجرد "منتج أوروبي" يمكن استيراده أو رفضه دفعة واحدة، بل صارت شرطاً كونياً للعيش في العالم المعاصر. من هنا، يبقى سؤال علاقة المسلمين بالحداثة قائماً، ولكن لا بوصفه سؤال اللحاق بأوروبا أو تقليدها، بل بوصفه سؤال التكيف النقدي، وإعادة التأويل، وإنتاج صيغ حداثية متعددة لا تفترض مركزاً واحداً ولا مساراً خطياً للتاريخ.

لقد تغير موقع السؤال من "لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ كما صاغه أمير البيان شكيب أرسلان عام 1930 إلى "كيف نعيش الحداثة دون الوقوع في الاغتراب أو الاستلاب أو العنف؟" أو "كيف يمكن إنتاج حداثة نقدية من داخل السياقات العربية والإسلامية، حداثة لا تنكر التراث ولا تؤلهه، ولا تستنسخ النموذج الغربي ولا تعاديه بوصفه "آخر" مطلقاً؟" ولعل هذا التحول في صياغة السؤال بالغ الدلالة، إذ إن الرهان لم يعد اليوم معرفياً صرفاً ولا ثقافياً فحسب، بل سياسياً وأخلاقياً، يتعلق ببناء الدولة، وإدارة التعددية، وتعريف العلاقة بين الدين والمجال العام، ومكانة الفرد، وحدود السلطة، ومعنى الحرية بكل صورها.

هذا يعني أن الإسلام لم يعد يواجه كعائق جوهري أمام الحداثة، كما في الأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية، ولا كجوهر مكتف بذاته خارج التاريخ، كما في بعض الخطابات الدفاعية، بل كحقل تأويلي حي، تتصارع داخله قراءات متعددة للتراث ولمتطلبات الحاضر، وأن الحداثة نفسها لم تعد تفهم ككتلة متجانسة، بل كخبرات متنوعة، خاضتها مجتمعات غير أوروبية في آسيا، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا بطرائق مختلفة، ما يفتح أفقاً للتفكير في "حداثات بديلة" أو "حداثات متعددة". بعبارة أخرى، إن السؤال عن علاقة المسلمين بالحداثة ما زال مطروحاً، لكنه لم يعد سؤالاً عن أوروبا، بل عن الذات والتاريخ والمستقبل. إنه سؤال مفتوح على الاحتمال، لا على الوصفة الجاهزة، وعلى النقد، لا على الامتثال. وهذا، في حد ذاته، أحد معايير مشروع الحداثة الذي بحسب تعبير يورغن هابرماس لم ينجز بعد.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب