Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء الكواليس... هل تعيد أميركا تشكيل الدور الفرنسي في لبنان؟

اعترف الكاتب والمتخصص في الشؤون الدولية سمير سكاف بوجود مشكلة بين الولايات المتحدة وأوروبا

رئيس الجمهورية (يسار) والسفير سيمون كرم (المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية)

ملخص

رفع لبنان ومعه أميركا وإسرائيل مستوى التمثيل إلى مدني داخل "الميكانيزم" باستثناء فرنسا التي بقيت ممثلة بعسكري، مما كان محل تساؤلات متكررة وتلميحات بوجود نيات متعمدة لتهميشها وإقصائها.

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 تحولت لجنة المراقبة المعروفة بـ"الميكانيزم" إلى محور اهتمام إقليمي ودولي متصاعد. فبعدما كانت مجرد آلية تقنية عسكرية يقتصر التمثيل فيها على ضباط من الدول الأربع المشاركة، أميركا وفرنسا ولبنان وإسرائيل، إضافة إلى ممثل عن قوات "يونيفيل"، شهدت اللجنة تطوراً نوعياً حين قرر لبنان رفع مستوى تمثيله من عسكري إلى مدني، بتكليف السفير السابق سيمون كرم برئاسة الوفد اللبناني إلى جانب العميد إدغار لاوندس من الجيش اللبناني.

هذه الخطوة اللبنانية انعكست أيضاً على التمثيل الإسرائيلي والأميركي، باستثناء فرنسا التي بقيت ممثلة عسكرياً فقط عبر نائب الرئيس الجنرال فالنتين سيلييه. وبينما تحتل باريس مقعداً ثابتاً في "الميكانيزم"، أصبحت مشاركتها المدنية، والتي قد تمنحها تأثيراً أكبر في المسار السياسي، محل تساؤلات متكررة وتلميحات بوجود نيات متعمدة لتهميشها وإقصائها.

 

وكشفت مصادر سياسية عن إشكال حصل خلال اجتماع سابق للجنة على خلفية تباين في الرأي بين رئيسها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد ونائبه الفرنسي، أدى إلى خروج الأخير، مما فسر على أنه جزء من ضغوط مستمرة لتقليص الدور الفرنسي. وفي هذا السياق أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في تصريح صحافي أن الاجتماع الأخير للجنة الذي اقتصر على الضباط من دون المدنيين جاء "نتيجة افتعال الأميركيين مشكلة بإبعاد الفرنسيين عن دور الشريك، كي يستأثروا هم وإسرائيل بعمل اللجنة ويعطلوه".

ويوجه كثر أصابع الاتهام إلى إسرائيل المدعومة من أميركا، معتبرين أنها تسعى إلى إبعاد أي طرف قد ينتقد سياساتها أو يعرقل مساعيها لتحويل اللجنة من إطار تقني لمراقبة وقف النار إلى منصة لفرض شروط سياسية وأمنية على لبنان.

ويرى محللون أن المشاركة الفرنسية في "الميكانيزم" تخلق توازناً ضرورياً للبنان في مواجهة الثنائي الأميركي - الإسرائيلي، خصوصاً في ضوء الانتقادات الفرنسية المستمرة للسياسات الإسرائيلية في غزة ولبنان، ومطالبة باريس الدائمة بالانسحاب الإسرائيلي من المواقع المحتلة في الأراضي اللبنانية، وتفهمها لتريث السلطات اللبنانية في تنفيذ قرار حصر السلاح الذي يشمل كل لبنان وليس فقط جنوب الليطاني.

وبينما يتمسك لبنان بالمشاركة الفرنسية باعتبارها عنصر توازن حيوياً في مواجهة الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، أكد مصدر دبلوماسي فرنسي أن احتمال مشاركة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان في "الميكانيزم" لا يزال قائماً، ومن المقرر أن يصل لودريان إلى بيروت منتصف هذا الأسبوع.

نفي فرنسي لاستبعاد باريس من المشاركة المدنية

ونفى مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى وجود أي توجه لاستبعاد فرنسا من التمثيل المدني في لجنة "الميكانيزم"، مؤكداً أن الجانب الفرنسي لم يتلق أي إبلاغ رسمي بهذا الشأن، واصفاً ما يتم تداوله بأنه "كلام إعلامي فقط". وحين سئل عما إذا كانت باريس قد طلبت المشاركة عبر ممثل مدني، اكتفى المصدر بالتذكير أن بلاده كانت ممثلة بدبلوماسيين منذ بدايات تشكيل ما كان يعرف قبل "الميكانيزم" بـ"قوات عمل سيدر" Task Forces Cedres إلى جانب العسكريين، لكن عندما أصبحت مهمة اللجنة ذات طابع تقني وعسكري بحت، لم تعد هناك ضرورة لوجود دبلوماسيين. وأضاف المصدر "فكرة استبعاد مدني فرنسي غير مطروحة ولا يوجد شيء رسمي في هذا الصدد، واحتمال مشاركة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان لا يزال قائماً".

سردية الاستبعاد تخدم إسرائيل

وفي رأي المصدر الدبلوماسي الفرنسي ذاته، فإن هذه الروايات تصب في خانة الأحاديث المتداولة التي لا صحة لها حول وجود تباين أميركي - فرنسي. واستعاد المسار الدبلوماسي السابق بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية برعاية أميركية عبر آموس هوكشتاين، والذي كانت فرنسا خارجه في مراحله الأولى، لكن ذلك لم يمنع من مشاركة السفيرة الفرنسية السابقة آن غريو في المراحل النهائية للاتفاق، وأكد "بالنسبة إلينا، الموضوع ليس موضوع جدل حقيقي بقدر ما هو مثار في الإعلام اللبناني فقط". ورأى أن هذه السردية يمكن أن تخدم أطرافاً عدة. فمن جهة، قد تخدم التوجه الإسرائيلي الذي يعتبر أن وجود فرنسا في لجنة "الميكانيزم" يشكل توازناً لمصلحة لبنان، كما يمكن أن تكون هذه الحملة ضمن إطار الجهات التي تتحدث عن تراجع الدور الفرنسي في لبنان وتأثير "الأم الحنون" (فرنسا) على بلاد الأرز، واعتبر أن هذه السردية قد تصب أيضاً في اتجاه الدفع نحو القبول بما يريده الجانب الأميركي وشروطه الأكثر صرامة، في وقت تبدو فيه فرنسا في موقف أكثر تفهماً للموقف اللبناني ولمصلحة لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إسرائيل تسعى إلى إقصاء فرنسا من آلية المراقبة بسبب مواقفها المنصفة تجاه لبنان

لم ينفِ النائب الرديف في البرلمان الفرنسي جوزاف مكرزل وجود محاولات لاستبعاد فرنسا عن آلية المراقبة، مؤكداً أن إسرائيل ترفض المشاركة الفرنسية على المستوى المدني في الآلية، وذلك بسبب رفض باريس للانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، ولأنها تضع الأمور في نصابها الصحيح من خلال تأكيد أن لبنان لم يعتد والتزم باتفاق وقف إطلاق النار، بينما لم تلتزم إسرائيل بذلك. وأشار مكرزل إلى أن فرنسا تطالب بانسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها في جنوب لبنان، وتعمل على إيجاد حلول لأزمة الفراغ المتوقع نتيجة رحيل القوات الدولية العاملة في الجنوب، من خلال السعي لتشكيل قوة دولية أو أوروبية، ليس بالضرورة تحت لواء الأمم المتحدة، تكون مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار.

أضاف أن فرنسا تسعى إلى عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني، مشيراً إلى أن الموقف الفرنسي المحق الداعي إلى التنفيذ الكامل لبنود اتفاق وقف إطلاق النار يثير انزعاج الجانب الإسرائيلي، خصوصاً أن فرنسا تعتبر أن الجيش اللبناني التزم ونفذ ما يجب القيام به في الجنوب، وأنه ليس من حق إسرائيل فرض مزيد من الشروط.

المشكلة تتخطى لبنان

وعلى عكس النفي الفرنسي اعترف الكاتب والمتخصص في الشؤون الدولية سمير سكاف بوجود مشكلة بين أميركا وأوروبا، وأوضح أن مسألة مستوى المشاركة الفرنسية في لجنة "الميكانيزم" لا تتعلق بلبنان بحد ذاته، بل تعكس حال التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وعزا الأمر إلى التدهور في هذه العلاقات وتهميش الأوروبيين عن مواقع صنع القرار على المستوى العالمي. ومن المؤشرات إلى هذا التهميش استبعاد أوروبا من قمة ألاسكا بين ترمب وبوتين، إذ جاءت المبادرة الأميركية لمصلحة روسيا من دون مراعاة المصالح الأوكرانية التي كان مطلوباً منها الاستسلام. وتنعكس هذه المواجهة بين ترمب والدول الأوروبية على ملفات عديدة، من بينها ملف الشرق الأوسط ولبنان ولجنة "الميكانيزم". ويمتد الخلاف بين الطرفين إلى ملف غزة، إذ تدعو الولايات المتحدة إلى تشكيل لجنة مستقلة لحكم القطاع، بينما يطرح الاقتراح الفرنسي ضم غزة إلى السلطة الفلسطينية لتتولى إدارتها، وما يجري على هذا المستوى يمثل خسارة ليس للدور الفرنسي وحسب، بل للدور الأوروبي برمته في لبنان والمنطقة.

استبعاد مدني فرنسي عن "الميكانيزم" يعني التصعيد

وأشار سكاف إلى اختلاف أسلوب التعامل مع الملف اللبناني بين الأميركيين والفرنسيين، "إذ يتبنى التوجه الأميركي فرض الشروط بالقوة، واستبعاد فرنسا عن طاولة المفاوضات يعد مؤشراً إلى الأسلوب الذي سيستخدم للوصول إلى حل"، ولفت إلى أن "الأمور تتجه نحو المواجهة، وأن رفض المشاركة الفرنسية في لجنة الميكانيزم ينذر بتصعيد عسكري إسرائيلي، ذلك أن اللجنة ستتبنى موقفاً أكثر انحيازاً لأميركا وإسرائيل، وستقدم تقييماً سلبياً في شأن تعاون السلطات اللبنانية و(حزب الله)، ما يوفر لإسرائيل ذريعة لتنفيذ ضربة عسكرية ضد لبنان"، غير أن سكاف استثنى الملف الإيراني من هذه القراءة، مؤكداً "دور أوروبا في إعادة تفعيل المفاوضات مع طهران حول البرنامج النووي"، من دون أن يستبعد ما يكون للتحالف الأوروبي، وتحديداً البريطاني - الفرنسي - الألماني، "دور في الضربة العسكرية المحتملة على إيران، بالنظر إلى أنهم من فعلوا آلية الزناد في مجلس الأمن".

في الختام أكد سكاف أن العلاقة بين أميركا والدول الأوروبية، وإن لم تكن مقطوعة تماماً، إلا أنها تمر بأسوأ مراحلها، وهو ما ينعكس على كل التفاصيل الدبلوماسية والآليات العسكرية الدولية، "وقد تجلى ذلك في الاعتراض الأوروبي على التطورات في فنزويلا، ورفضه ملف غرينلاند، والخلاف حول الحرب الروسية - الأوكرانية وطريقة إدارة ملفات الشرق الأوسط والعلاقات الاقتصادية، وكلها تداعيات تؤثر في ملفات المنطقة، بما فيها لبنان".

المزيد من تحلیل