Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى "صوماليلاند"؟

تل أبيب تمضي نحو تعميق أزمة الاعتراف بالإقليم الانفصالي وعينها على "إعادة هندسة" المنطقة وتحركات إقليمية وأفريقية لإجهاض الخطوة

يعزز الحضور الإسرائيلي في "صوماليلاند" من قدرات تل أبيب العسكرية وزيادة الخيارات العملية لقواتها الجوية ضد من تصفهم بـ"الخصوم" (أ ف ب)

ملخص

أمام ما تروجه الدولية العبرية من أن الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة "ليس استفزازاً، بل فرصة لتعزيز الاستقرار الإقليمي"، تبقي الأهداف الإسرائيلية البعيدة من القفز المعلن في تلك المنطقة محل مخاوف وقلق بالنسبة إلى غالبية دولها.

أضفت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى صوماليلاند، كأرفع زيارة لمسؤول إسرائيلي إلى الإقليم الانفصالي منذ اعتراف الدولة العبربة به كـ"دولة مستقلة" قبل نحو أسبوعين، مزيداً من التعقيد على أزمة الإقليم الواقع في منطقة البحر الأحمر، والتي تشهد تنافساً إقليمياً ودولياً محموماً ووجوداً أمنياً وعسكرياً لدول متنوعة بعضها يتعارض في المصالح والأهداف.

وبقدر ما أثارته زيارة ساعر إلى صوماليلاند من تفاقم للمخاوف على المستويين الإقليمي والأفريقي تجاه الحضور الإسرائيلي داخل تلك المنطقة ذات الأهمية الجيوستراتيجية البالغة، وما تنذر به كـ"سابقة خطرة ذات تداعيات بعيدة المدى على السلام والاستقرار في جميع أنحاء القارة" وفق كثر، بقيت رسائل الزيارة وأهدافها الأكثر حضوراً في القراءات والتحليلات الراصدة للتفاعلات السياسية والعسكرية في منطقة القرن الأفريقي، لا سيما أنها جاءت بعد نحو 10 أيام فقط من الاعتراف الإسرائيلي بالإقليمي الانفصالي.

وخلال الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستعترف بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، لتصبح إسرائيل بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تمنحها اعترافاً دبلوماسياً كاملاً، ووقع الجانبان إعلاناً مشتركاً للاعتراف المتبادل يتضمن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وخططاً لفتح سفارات، وتعاوناً في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية، وهي الخطوة التي لاقت رفضاً واستنكاراً إقليمياً وعالمياً واسعاً.

تعميق لأزمة "الاعتراف"

على رغم حجم الاعتراض والإدانة والاستنكار لخطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند، كأول دولة تعترف رسمياً بالإقليم الانفصالي، الواقع ضمن منطقة القرن الأفريقي التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، حيث يطل على أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم وهو البحر الأحمر، عمقت زيارة وزير خارجية الدولة العبرية جدعون ساعر إلى هرجيسا الثلاثاء الماضي، من "أزمة الاعتراف" الإسرائيلي بصوماليلاند التي أثارتها على المستويين الإقليمي والأفريقي.

 

زيارة ساعر التي جاءت وفق بيانات رسمية من تل أبيب وهرجيسا عاصمة الإقليم الانفصالي، بدعوة من "رئيس أرض الصومال" عبدالرحمن محمد عبدالله، "أديرت بصورة سرية بناءً على توجيهات الجهات الأمنية" بحسب ما ذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إذ سافر ساعر على طائرة تتبع الطيران الروماني من تل أبيب إلى هرجيسا مروراً بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وشملت الزيارة وفق ساعر عقد لقاءات مع رئيس الإقليم الرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله وكبار مسؤولي إدارته.

وبحسب ساعر فإن زيارته إلى صوماليلاند حملت رسائل، إذ كتب على منصة "إكس"، "نحن مصممون على تعزيز العلاقات بين إسرائيل والصومال بقوة... اليوم، أجرينا مناقشات جوهرية مع الرئيس وكبار أعضاء حكومته حول نطاق علاقاتنا الكامل، مضيفاً "الاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لا يوجه ضد أحد، هدفنا المشترك هو تعزيز المنفعة المتبادلة بين البلدين والدول"، وتابع ساعر "في هرجيسا أوضحت الأمر، إسرائيل وحدها هي التي تقرر من تعترف به ومن تحافظ على علاقات دبلوماسية معه، وأخبرني رئيس أرض الصومال أنه قبل دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسيقوم بزيارة رسمية إلى إسرائيل".

ولاقت الخطوة الإسرائيلية مزيداً من الانتقادات والشجب سواء من قبل مقديشو أو الدول الأفريقية والعربية والإسلامية، إذ دانت الصومال، التي تعد "أرض الصومال" جزءاً من أراضيها، ما وصفته بـ"خطوة غير قانونية" و"اعتداء صارخ" على سيادتها، متعهدة باتخاذ إجراءات دبلوماسية وقانونية. ودانت 22 دولة عربية وإسلامية ضمن بيان مشترك الزيارة، ووصفتها بأنها "انتهاك لسيادة جمهورية الصومال ووحدتها وسلامة أراضيها، وتقويضاً للقواعد الدولية المستقرة وميثاق الأمم المتحدة".

مسار ملتوٍ للوصول

لم تكن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي بذاتها ومن قبلها الاعتراف بالإقليم الانفصالي مشهداً منفصلاً عن طبيعة وشكل المنافسة والصراع داخل منطقة القرن الأفريقي ومحاولة أطراف عدة حجز موطئ قدم في تلك المنطقة التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، يطل أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم وهو البحر الأحمر، والذي يمر من خلاله ما يقارب 12 في المئة من التجارة العالمية.

فخطوة الاعتراف وإن لم تكن قاصرة على مشهده النهائي بالاتصال بين نتنياهو وعبدالرحمن عبر الفيديو، جاءت بعد أشهر من الإعداد والترتيب وفق وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي نقلت عن مسؤول إسرائيلي قوله إن "عملية الاعتراف" بدأت خلال أبريل (نيسان) بعد اجتماع بين ساعر ومبعوثين من رئيس الإقليم الانفصالي في دولة ثالثة لم يكشف عن هويتها، مشيراً إلى زيارة سرية أجراها "زعيم" صوماليلاند إلى إسرائيل خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بحسب ما نقلت صحيفة "يديعونت أحرونوت" الإسرائيلية.

 

وعن تفاصيل الزيارة ذاتها، قال موقع "والاه" العبري إن الترتيبات لها كانت خلال أسبوع واحد فحسب مباشرة بعد توقيع اتفاقات الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين تل أبيب وحكومة الإقليم خلال الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وذلك بهدف تنفيذ خطوة سريعة بعيداً من الأضواء، موضحاً أن الجهات الأمنية "الإسرائيلية" أصدرت تعليمات بتنفيذ الزيارة تحت تعتيم كامل، دون إعلان مسبق أو إدراجها في الجداول الرسمية لوزير الخارجية الإسرائيلي، وجرى اختيار مسار الرحلة بعناية، إذ لم يسافر ساعر مباشرة إلى هرجيسا بل أقلع أولاً إلى دولة ثالثة قبل مواصلة الرحلة، لتقليل أي كشف مبكر وضمان وصول آمن لوجهة حساسة سياسياً وأمنياً، وهو ما يعكس الحساسية العالية التي رافقت هذه الخطوة.

ما أبعد من الزيارة

وأمام ما تروجه الدولية العبرية من أن الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة "ليس استفزازاً، بل فرصة لتعزيز الاستقرار الإقليمي"، معتبرة إلى أن الإقليم الانفصالي "عمل كدولة بحكم الأمر الواقع لأكثر من 34 عاماً، وتميز بحكم مدني ومؤسسات منتخبة وأمن نسبي وانتقال سلمي للسلطة. وفي منطقة غالباً ما تتسم بالتقلبات، لعب الإقليم دوراً محورياً في تحقيق الاستقرار، والاعتراف بها يعزز الحوافز للحكم الرشيد والسلام"، وتبقي الأهداف الإسرائيلية البعيدة من القفز المعلن في تلك المنطقة محل مخاوف وقلق بالنسبة إلى غالبية دولها.

ووفق موقع "والاه" العبري، فإن التحرك الإسرائيلي السريع للدفع بزيارة وزير الخارجية إلى الإقليم جاء بهدف تحقيق ما يعد "اختراقاً دبلوماسياً إضافياً لإسرائيل في الساحة الأفريقية"، معتبرة أن من بين أهداف الزيارة كان تسريع مسار التطبيع، ومناقشة احتمالية انضمام دول أخرى للاعتراف بـ"صوماليلاند".

تلك النقطة، تحدثت عنها "هيئة البث الإسرائيلية" قائلة إن رئيس "صوماليلاند" يعتزم زيارة إسرائيل خلال الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الجاري، والانضمام رسمياً إلى اتفاقات "أبراهام" التي وقعت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة برعاية الولايات المتحدة، ثم انضم إليها لاحقاً السودان والمغرب.

إلى جانب ذلك، ووفق ما ذكرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن الحضور الإسرائيلي في "صوماليلاند" يعزز قدرات تل أبيب على مواجهة اليمن وإيران، مشيرة ونقلاً عن مصدر عسكري إسرائيلي لم تسمه، قوله إن "العلاقات المفتوحة مع أرض الصومال تتيح مزيداً من الخيارات العملياتية للقوات الجوية. وبلا شك، فإن هذه الخطوة بالغة الأهمية بالنسبة إلى ذراع إسرائيل الطويلة".

وذكرت "معاريف" أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) قاد لأعوام عدة منظومة العلاقات مع صوماليلاند، وأن رئيس الموساد أعد خلال الأعوام الأخيرة البنية التحتية للإقليم لتعزيز العلاقات الأمنية بين البلدين، لا سيما أن صوماليلاند تمتلك أصولاً استراتيجية، مثل ميناء بحري ومطار يضم أطول مدرج في أفريقيا.

 

الأمر ذاته شددت عليه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، قائلة إن أهمية الإقليم الانفصالي لتل أبيب تكمن في "موقعها الجيوسياسي، واستعدادها للتعاون معها بصورة شاملة وواسعة في القضايا الأمنية، إذ يمنح موقعها عند مدخل خليج عدن مقابل جنوب اليمن ميزة جيوسياسية فريدة، وتبلغ المسافة بين مياهها وأراضيها والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن ما بين 300 و500 كيلومتر"، معتبراً أنه ونظراً إلى أن إسرائيل خاضت، وما زالت تخوض، معارك ضد الحوثيين بدعم أميركي ودون حسم، فإن موقع هذا الإقليم وإمكانية انطلاق العمليات الإسرائيلية من أراضيه يمنحها أهمية كبيرة كعامل حاسم محتمل.

والأسبوع الماضي، قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن "صوماليلاند" قبلت ثلاثة شروط من إسرائيل مقابل اعترافها بها، شملت "إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم وإنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن، والانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات"، وهو ما نفته لاحقاً وزارة خارجية صوماليلاند، مشددة ضمن بيان لها أن الاتفاق بين البلدين "دبلوماسي بحت".

وأمام تلك الأهداف تُثار الأسئلة في شأن تبعات هذا الحضور الإسرائيلي. ويقول المستشار في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية السودانية اللواء معتصم عبدالقادر حسن إنه "لا يمكن فصل ما يحدث في منطقة القرن الأفريقي عما يحدث في مجمل القارة الأفريقية، بخاصة المناطق الشمالية والشرقية، وكذلك منطقة الشرق الأوسط"، موضحاً ضمن حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن "هناك حركة جلية تحاول من خلالها إسرائيل تعزيز نفوذها داخل تلك المنطقة للسيطرة على منطقة القرن الأفريقي ومن ثم التأثير في دول الشمال كمصر والسودان وكل الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، لا سيما أن هذه الدول تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، لا سيما مع تموضعه عند مضيق باب المندب الذي يعد ممراً حيوياً على المستويين الاقتصادي والعسكري".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح حسن أنه في ضوء "مساعي عدد من الدول للسيطرة على هذا الممر الملاحي أو محاولة حجز موطئ قدم لتعزيز نفوذها به، ما من شك أن مثل هذه المنافسة تنعكس بصورة أو بأخرى على الحراك السياسي والأمني والاقتصادي وتفاعلاته في القرن الأفريقي"، معتبراً أن تركيز نشاط بعض الأطراف الدولية على دعم الميليشيات المسلحة والجماعات الانفصالية على حساب الدول المركزية بهدف إضعافها، يمثل قطعاً تهديداً مباشراً لأمن الدول المتشاطئة على البحر الأحمر".

وعلى رغم أن إقليم صوماليلاند وأزمته المعقدة مع الحكومة المركزية في الصومال تعود بجذورها إلى تسعينيات القرن الماضي، فإن صراع التنافس عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة بات أكثر وضوحاً خلال الأعوام الأخيرة. فهذا الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 في أعقاب انهيار الدولة المركزية، مستنداً إلى حدود الحقبة الاستعمارية البريطانية، التزم المجتمع الدولي طوال العقود الماضية مبدأ عدم الاعتراف به انطلاقاً من وحدة الصومال باعتباره ضمانة لاستقرار الإقليم ومنع تفكك الدول الهشة، إلى أن حاولت بصورة معلنة كل من إثيوبيا وإسرائيل كسر هذا المبدأ، وبينما لم تكتمل خطوة أديس أبابا قبل عامين، جاءت خطوة تل أبيب أخيراً لتكسر هذه الحالة وتكون أول دولة تعترف بالإقليم كدولة مستقلة.

من جانبه، ذكر الكاتب والمحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم أن "التغيرات التي شهدتها وتشهدها منطقة القرن الأفريقي تشير إلى أن مزيداً من الديناميكية قد تكون منتظرة في تفاعلاتها"، موضحاً في حديثه معنا أن "الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف بإقليم صوماليلاند ومن ثم زيارة وزير الخارجية ساعر إليه بعد فترة قصيرة، تشي بأن الحراك الإسرائيلي سيكون له ما بعده، سواء على صعيد مزيد من الاعترافات بالإقليم الانفصالي أو تعزيز الحضور الإسرائيلي به على رغم الرفض والاستنكار الواسعين اللذين واجههما".

وبحسب إبراهيم، فإن "الوجود الإسرائيلي في صوماليلاند يزيد من التحديات السياسية والأمنية والعسكرية القائمة في المنطقة، والتي قد تدفع ببلورة تحالفات وتشابكات جديدة قد تتجاوز منطقة بمضامينها وفاعلياتها منطقة القرن الأفريقي"، مشيراً إلى أن المنطقة برمتها قد تشهد تداعيات لمثل هذه التطورات المتصاعدة، لا سيما مع تباين المصالح والأهداف بين الدول الفاعلة به.

ويتبنى الاتحاد الأفريقي سياسة رافضة للاعتراف بالكيانات الانفصالية خارج إطار التسويات الوطنية الشاملة، خشية خلق سوابق تهدد استقرار القارة. وفي هذا الإطار يمثل أي اعتراف خارجي بـ"صوماليلاند" كسراً لإجماع دولي ممتد، تتجاوز دلالاته الشأن الصومالي الداخلي إلى إعادة إدماج الإقليم في معادلات النفوذ الجيوسياسي.

المزيد من تحلیل