ملخص
بعيداً من مخاوف رجال الدين والمؤسسات الدينية من المنافسة أو الخطر أو المزاحمة الآتية من قبل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتطورة بسرعة، فإن سؤالاً أخلاقياً يطرح نفسه بقوة في كل المؤسسات الدينية وبين المجتمعات والأنظمة المتمسكة بمرجعية دينية قوامه هل ينبغي وضع حدود على سلطة الذكاء الاصطناعي في تفسير النصوص الدينية وتقديم الإجابات للسائلين حول أمور دينية؟ وما هذه الحدود؟ أما السؤال التقني أو الواقعي، فهو حتى لو اجتمعت الأديان ومعتنقوها على ضرورة وضع حدود للسلطة التقنية، من يضمن تطبيقها؟ ومن يضمن عدم خرقها، ولا سيما أن العصر الرقمي وتقنياته لا ينتظران موافقة أو مباركة قبل إنجاز مزيد من التطور، أو طرح الجديد من التطبيقات والتقنيات؟
ما حكم المرأة التي تستعين بـ"هاكر" لتطلع على محتويات هاتف زوجها؟ وما حكم المرأة التي ترفض إطلاع زوجها على محادثاتها على "واتساب"؟ وهل يجوز للأبناء أن يصوروا أمهم وهي على فراش المرض ونشر الصور ليطلبوا دعاء أكبر عدد ممكن من المتابعين؟ وما حكم تصوير القبر والاستعانة بالفيديو لزيادة عدد المتابعين؟
هل يجوز للزوجة التي يمنعها زوجها من الذهاب إلى طبيب رجل أن تبحث عن العلاج "أونلاين" من طبيب رجل؟ ما حكم الزوج الذي يمارس الفاحشة افتراضياً عبر موقع على الإنترنت؟ هل يعد زنى؟ ما حكم المرأة التي يرفض زوجها أن تعمل، فتعمل "أونلاين" من دون علمه؟ وهل يجوز البحث عن زوج أو زوجة عبر الإنترنت؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما حكم الدين في التربح عبر النقر على الإعلانات على المواقع؟ هل الزكاة واجبة على عمل المؤثرين وهو عمل غير دائم أو ثابت؟ ما حكم استغلال أوقات الفراغ أثناء ساعات العمل الرسمية في العمل "أونلاين" لزيادة الدخل؟
صبغة العصر الرقمي باتت تفرض نفسها على كثير من الأسئلة والاستفسارات التي ترد لرجال ونساء الدين في المؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، وهي الصبغة المتزايدة والمتسارعة، والمتوقع أن تزيد في عصر يركض بسرعة البرق نحو الرقمنة والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بينما يبقى بعضهم متشبثاً بتلابيب السؤال عن حكم الشرع هنا أو رأي الفقه هنا أو موقف الدين دائماً.
عين في الجنة وأخرى في النار
ماذا يحدث حين تختلط، أو تواجه، أو تصطدم، أو تتنافس قيم وقواعد وأسس عمرها عشرات القرون، بأحدث تقنيات وصل إليها علماء ومهندسو العالم الرقمي؟ بعضهم حل المعضلة بالفصل بين هذا وذاك، وبعضهم الآخر فضل الحل الأكثر أماناً ووئاماً، فدفن رأسه في رمال إنكار قوة الرقمنة وسطوة الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الدين والمعتقد والإيمان أرقى وأسمى وأبقى، وكل ما من شأنه أن يهدد أو يطعن أو حتى يتداخل معها، يجب اجتنابه والتخلي عنه من ألفه إلى يائه. ويبقى هناك فريق عين في جنة الدين والالتزام، وعين في نار الاستفادة والاستمتاع بهذه الإمكانات الحديثة والقدرات المهيبة.
وهذا الفريق الأخير يطل عبر صفحات طلب الفتوى وخطوط الأسئلة الدينية الساخنة ومكاتب رجال الدين في المؤسسات الدينية الرسمية، وكذلك في المكاتب الافتراضية التي يرتزق منها "رجال دين" هواة ليسوا محترفين، أو قرأوا كتباً واستمعوا لخطب، ثم قرروا أن يعملوا بالدين "أونلاين".
للوهلة الأولى، وربما الأخيرة، يهيمن على السائل والمسؤول هماً واحداً ليس هناك ثانٍ له في ما يتعلق بشؤون الإنترنت والمنصات والتطبيقات والذكاء الاصطناعي وعلاقتها بالدين، إنه هم اتباع أحكام الدين وقواعد الإيمان في الفضاء الرقمي.
السائل في الغالب من أنصار الزج بالدين في كل كبيرة وصغيرة من تفاصيل الحياة، باستثناء تلك التفاصيل التي يقرر أنها تندرج تحت بند "هذه نقرة، وتلك أخرى". وعلى سبيل المثال، تجد من يعد الاستيلاء على حق الأنثى الشرعي في الميراث حقاً أصيلاً، لكن في الوقت نفسه تثور ثائرته الدينية إن خرجت هذه الأنثى من البيت من دون إذنه أو ارتدت ملابس لا يراها لائقة أو أنشأت حساباً على منصة "سوشيال ميديا" من دون علمه.
أما رجال الدين الذين توجه لهم الأسئلة، والمؤسسات التي يعملون فيها، فقطاع غير قليل منهم يرى الفتوى في العصر الرقمي مجالاً ينبغي تنظيمه، وذلك حتى حفاظاً على الدين والشرع ومجال عملهم من هذا الوافد الجديد، والهاجس الأكبر هو حماية مجال تخصصهم من هجمة العصر الرقمي.
وكلمات البحث "الفتوى" و"العصر الرقمي"، أو "الفتوى" و"الذكاء الاصطناعي"، أو "الفتوى" والـ"سوشيال ميديا" أو "الفتوى" و"الذكاء الاصطناعي"، لا تسفر إلا عن مواضيع ومعلومات وأخبار تتعلق بـ"تشريعات لضبط الفتوى في العصر الرقمي"، "خطاب الإفتاء المنضبط أداة فاعلة لمواجهة الغزو الثقافي في العصر الرقمي"، "الأطر الأخلاقية والعقوبات القانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الفتوى"، "عالم أزهر يحذر من خطورة فتاوى الذكاء الاصطناعي"، "استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى يجب أن يكون مقتصراً على علماء الدين".
صناعة المفتي الرشيد
في أغسطس (آب) الماضي، استضافت مصر المؤتمر الدولي الـ10 للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم الذي اختار عنوان "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي" والذي دارت مواضيعه حول التحولات الرقمية التي ألقت بظلالها على مجال الفتوى الشرعية، وحدود استخدام التقنيات الحديثة في مجال الإفتاء، وغيرها.
والملاحظ أن الجانب الأكبر من المواضيع والنقاشات تبنى إما منهج الدفاع عن الفتوى من أخطار العصر الرقمي، أو توجيه الاتهامات لآخرين باستخدامهم التقنيات العصر الرقمي لإضعاف الدين أو زرع الشك في عقول المتدينين، أو التحذير من انتصار الخوارزميات على رجل الدين.
وناقش المؤتمر قضايا مثل أثر المناهج الحداثية على المرجعية الدينية، وظهور اتجاه يستخدم منهج التفكيك الذي نشأ في النقد الأدبي الغربي، وتطبيقه على النصوص الشرعية، مما "أدى إلى إضعاف مرجعية النص وفتح الباب أمام تأويلات نسبية تهدد وحدة الأحكام" بحسب الورقة المقدمة. وناقش كذلك محاولات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد الفتاوى من دون تأصيل شرعي، مما يعرض دور المفتي للتهميش ويرجح كفة نماذج خوارزمية لا تملك الحس الفقهي. وتطرقت ورقة أخرى إلى أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في الإفتاء الافتراضي، ومدى قدرة "المفتي الذكي" على أداء الوظيفة الإفتائية في ظل ضغوط العمل على مراكز الفتوى الرسمية.
واستُعرضت تجربة إعداد "المفتي الرشيد" من خلال برامج أكاديمية ودورات تدريبية ومنصات رقمية، أبرزها الهاتف والموقع الإلكتروني والتطبيقات الذكية، إضافة إلى تطوير قواعد بيانات علمية تحوي فتاوى معتمدة.
وناقش المؤتمر المسؤولية الشرعية والقانونية عن الفتوى الرقمية، ومن يتحمل التبعات الشرعية والأخلاقية في حال ترتب على فتوى رقمية ما ضرر بالنفس أو المال أو الحقوق، وتطرق أيضاً إلى البحث عن سبل لتوحيد معايير الاستعانة بالإمكانات الرقمية في الفتوى، وكذلك وضع ضوابط ومعايير قانونية وشرعية لها، حفاظاً على الخطاب الديني من التشويش، أو تقويض الثقة بالمرجعية الشرعية.
وضمن التوصيات التي خرج بها المؤتمر وضع ميثاق عالمي يضمن التزام المنهجية المؤسسية ويحمي الجمهور من الفتاوى المضللة في العصر الرقمي، ودمج التحول الرقمي في مناهج إعداد المفتيين، والتعاون بين علماء الشريعة وخبراء التقنية لتطوير منصات إفتائية ذكية تلتزم الضوابط الشرعية وتستجيب لحاجات المتلقين في العصر الرقمي.
مرجع أخلاقي رقمي
وبالفعل، صدرت "وثيقة القاهرة حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء"، لتكون "مرجعاً أخلاقياً وشرعياً شاملاً على المستوى العالمي لتحديد الضوابط والآليات الكفيلة بضمان إصدار فتاوى رشيدة في البيئة الرقمية المعاصرة"، بحسب البيان الصادر عن المؤتمر.
ونصت الوثيقة على مبدأ الشفافية الذي يفرض وضوح آلية عمل الأنظمة الذكية في الإفتاء، ومبدأ المسؤولية والمساءلة الذي يلزم وجود رقابة بشرية دائمة وعدم التذرع بأن الخطأ آلي، إضافة إلى مبدأ حماية الخصوصية والرقابة البشرية لضمان بقاء القرار النهائي في يد المفتي البشري.
وأشارت الوثيقة إلى عدم وجود تعارض بين استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الإفتائي، والتمسك بالمنهجية الاجتهادية الأصيلة، وأقرت جواز الاستعانة بهذه التقنيات في بعض مراحل الفتوى، من بينها جمع النصوص الشرعية وتصنيف الفتاوى والتحليل المقارن، ومعالجة اللغة واستشراف الواقع، شرط أن تظل الفتوى النهائية صادرة عن مفتٍ مؤهل، مع منع الاعتماد الكلي على الأنظمة التوليدية في إصدار الأحكام الشرعية من دون مراجعة بشرية.
بعيداً من مخاوف رجال الدين والمؤسسات الدينية من المنافسة أو الخطر أو المزاحمة الآتية من قبل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتطورة بسرعة، فإن سؤالاً أخلاقياً يطرح نفسه بقوة في كل المؤسسات الدينية وبين المجتمعات والأنظمة المتمسكة بمرجعية دينية قوامه هل ينبغي وضع حدود على سلطة الذكاء الاصطناعي في تفسير النصوص الدينية وتقديم الإجابات للسائلين حول أمور دينية؟ وما هذه الحدود؟ أما السؤال التقني أو الواقعي، فهو حتى لو اجتمعت الأديان ومعتنقوها على ضرورة وضع حدود للسلطة التقنية، من يضمن تطبيقها؟ ومن يضمن عدم خرقها، ولا سيما أن العصر الرقمي وتقنياته لا ينتظران موافقة أو مباركة قبل إنجاز مزيد من التطور، أو طرح الجديد من التطبيقات والتقنيات؟
وهناك كتب ودراسات وأوراق لا حصر لها يجري إعدادها وطرحها لتناقش استخدامات الوسائط الرقمية في التفاعل والمعارف الدينية، وتأثير هذه الاستخدامات في الإيمان والروحانية وتقيد أتباع الدين بتعليمات القائمين على أمر هذا الدين، في ظل تحول رقمي مذهل.
وتبقى أسئلة حكم الشرع في من يستعين بـ"هاكر" لمعرفة محتوى هاتف الزوج أو الزوجة، ومن تعمل "أونلاين" من دون موافقة الزوج، وحكم من نصب واحتال على أحدهم رقمياً ثم طلب التوبة أثناء القيام بعمرة، وموقف الدين ممن أقام علاقة آثمة افتراضية وغيرها تتوالى على مواقع ومنصات ومكاتب مقدمي خدمة الفتوى الذين لا يتوانون عن تقديم "الرأي الشرعي" و"الاجتهاد الشخصي" في شؤون الدين والدنيا والعصر الرقمي.
وتطورت منظومة الأسئلة التي يطرحها الناس في العصر الرقمي، وكثير منها يدور حول أمور تتعلق بالخصوصية الرقمية، وحق الزوج أو الزوجة في اختراقها، والطلاق "أونلاين وغيرها". ويبقى سؤال لا يطرحه كثرٌ، ألا وهو مدى إلمام العلماء والمفتيين ممن يجيبون عن هذه الأسئلة بالعصر الرقمي وطبيعة المنصات وعمل التطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها.
ماذا عن معارف رجال الدين؟
بمعنى آخر، ماذا عن معرفة وإلمام المؤسسات الدينية، ورجال الدين بقواعد ومعارف العصر الرقمي حتى يقوموا بالإفتاء في أمور تقنية ورقمية؟ فتتفاقم حساسية السؤال وتتضاءل الرغبة في طرحه، إذ جرى العرف الشعبي أن رجال الدين ملمون بكل العلوم والمعارف، وأنهم قادرون على الدلو بدلو الدين في كل صغيرة وكبيرة من الإبرة إلى الصاروخ، وأن قرارات الطب والسفر والعمل والتعليم والزواج والصداقة والسكن والمصيف والجراحة والقيادة والطعام والشراب وصعود القمر ودراسة الفلك وأكل الفسيخ وغيرها يجب أن تمر عبر "الشيخ" ليقرّها أو يرفضها.
"اندبندنت عربية" طرحت السؤال على الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف المصرية نشأت زارع، فقال إن "ثورة الاتصالات والرقمنة والذكاء الاصطناعي فرضت أسئلة جديدة في الدين لم تكُن موجودة حتى عقود قليلة مضت، بل امتدت لتشمل الميتافيرس والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة وغيرها. أصبحنا نتلقى أسئلة مثل هل يجوز دفع الزكوات والصدقات عن طريق المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية؟ وهل تداول العملات الرقمية حلال أم حرام؟ وهل تجوز الصلاة عبر البث المباشر؟ ونحن بتنا نبحث عن تأصيل شرعي لممارسات افتراضية. وهذه أمور مستجدة".
وأضاف أنه "لا يصح أبداً تجاهل الأمور المرتبطة بالحداث والعولمة والرقمنة، بل تطوير وتجديد الخطاب الديني بصورة تتناسب مع الواقع ومع شباب يمضي غالبية وقته خلف الشاشات فرض"، وتحدث زارع عن ضلوع الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن أسئلة دينية، وفيها الصواب وفيها الخطأ، وما يفكر فيه بعضهم من احتمالات أن يجري استبدال رجل الدين مثلاً بـ"تشات جي بي تي"، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من أخطار كبرى مثل الشاب الذي طلب من تطبيق رقمي طريقة للانتحار، فأمده بها، وانتحر.
أمثلة كثيرة لتداخل الديني مع الرقمي مع الأسئلة الصعبة مع الإجابات غير الموثقة مع مدى إلمام السائل بحقيقة التطبيقات والمنصات والأدوات الرقمية، وكذلك المجيب. ويقول زارع "الذكاء الاصطناعي قد يساعد في بعض الأمور، شرط التدقيق في الإجابة والمعلومات، وعدم اعتبارها صواباً مطلقاً أو باطلاً مطلقاً، إذ ترد أسئلة مثل حكم اختراق الخصوصية الرقمية، أو تحميل برامج القرصنة، مما يدخل في باب ولا تجسسوا. وتُطرح أيضاً مواضيع مثل التنمر الرقمي والغيبة الإلكترونية وضوابط المحادثات بين الجنسين".
ويضيف أن "أسئلة كثيرة فرضها الفضاء الإلكتروني بعد ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، ولا مفر من الاشتباك مع تعقيدات العصر، فنحن نعيش عصر الفقه الرقمي الناشئ، ولم يعُد كافياً لرجل الدين أو المؤسسات معرفة النص الشرعي فقط، بل أصبح لزاماً على المؤسسات ورجال الدين معرفة فقه التكنولوجيا المعاصرة، والإيمان بضرورة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والشخص".
خلاصة القول، كما يقول الشيخ نشأت زارع إنها "حياة جديدة، تحتم علينا اجتهادات جديدة وجريئة، وتحديثاً دائماً للخطاب الديني بصورة تواكب العصر، لكنه خطاب لا تغيب عنه أنسنة وعقلنة قضايا الدين، وخطاب يتطابق مع المعايير المتفق عليها إنسانياً، ويتفهم عصر التكنولوجيا الجديدة والمتطورة باستمرار التي لن تتوقف لتنتظر أحدهم".
في تلك الأثناء، كان أحدهم يسأل عن حكم الشرع في الزواج بأخرى افتراضياً، أي "أونلاين" فقط، وإن كان هذا يعني حقوقاً مادية مثل النفقة في حال الاتفاق على الفراق، أو انقطاع الكهرباء، وتحولها إلى "أوفلاين".