Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عصر العزلة: لماذا يعيش الشباب وحدة أشد من أسلافهم؟

مع ظهور دراسة جديدة تكشف أن الجيل Z هو الفئة الديموغرافية الأكثر عرضة للمعاناة من الوحدة المزمنة، نلقي نظرة على "ركود السعادة" في أوساط من هم دون الـ 30 عاماً، ولماذا قد يكون حظر الهواتف الذكية في أستراليا أول خطوة على طريق حل هذه المشكلة؟

 أصبحت الوحدة الآن مسألة خاصة بالشباب مع ارتفاع معدلاتها بدرجات هائلة في أوساط الجيل Z (غيتي)

ملخص

يعيش الجيل Z عزلة غير مسبوقة رغم اتساع التواصل الرقمي، مع تراجع حاد في الاختلاط وجهاً لوجه، والانخراط الاجتماعي، والزواج والجنس، وارتفاع زمن الشاشة وما يرتبط به من تدهور في الصحة النفسية. وتكشف البيانات أن الوحدة باتت مشكلة الشباب الأساسية، وأن التفاعل عبر الشاشات نسخة جوفاء لا تعوّض الاتصال الإنساني، ما يستدعي إعادة وصلهم بالعالم الحقيقي.

أخبرتني أستاذة أكاديمية أخيراً قصة تعكس زمننا الراهن بكآبة شديدة حد أنني لم أستطع الكف عن التفكير بها منذ ذلك الحين، وكانت القصة عن طلابها البالغين من العمر 18 سنة، وطريقة تصرفهم خلال المحاضرة الأولى من العام.

في الماضي كان هؤلاء الشباب حديثو البلوغ يتعارفون تلقائياً، فيلقون التحية على من يجلس إلى جوارهم ويتبادلون الأسماء والمجاملات لبضع دقائق، لكنها لاحظت شيئاً مختلفاً تماماً خلال العقد الماضي، فقد أصبح هؤلاء الشباب يجلسون في مقاعدهم وينتظرون في صمت متجنبين التواصل البصري، وغالباً ما ينهمكون في تصفح هواتفهم إلى أن تبدأ المحاضرة، وقالت لي "عليّ الآن أن أطلب منهم أن يعرّفوا بأنفسهم لبعضهم بعضاً، إنهم لا يتحدثون. إنهم متوترون، قلقون، ومشدودو الأعصاب ويحتاجون إلى دعوة صريحة للتفاعل مع من يجلس إلى جوارهم، وهو أمر أجده مقلقاً، ويبدو لي أن هذا جزء لا يتجزأ من تصاعد العزلة التي تمنحك الصديق الزائف في شكل فيديو على 'تيك توك' كبديل مؤسف عن التفاعل الإنساني الحقيقي".

وبالتزامن مع فرض أستراليا حظراً شاملاً على وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 سنة، حث رئيس وزرائها أنتوني ألبانيزي الأطفال على أن يقضوا وقتهم بدلاً من ذلك في ممارسة الرياضة ومتابعة الهوايات ومخالطة الأصدقاء والعائلة، وقال "قبل كل شيء استفيدوا إلى أقصى حد من العطل المدرسية المقبلة بدلاً من إضاعتها في التمرير على شاشات هواتفكم، ابدأوا رياضة جديدة، تعلموا آلة موسيقية جديدة، أو اقرأوا ذلك الكتاب الذي ظل مركوناً على رفوفكم منذ وقت طويل، والأهم من ذلك اقضوا وقتاً نوعياً مع أصدقائكم وعائلاتكم وجهاً لوجه".

وعلى رغم أن بعضهم سخر منه بسبب نبرته التي بدت أبوية أو متعالية، فإن كلامه كان ينطوي في جوهره على نقطة في غاية الأهمية.

عندما تُذكر كلمة الوحدة تتشكل في أذهان كثيرين صورة شخص مسن، فضيّ الشعر، كئيب، يحدق بحزن من النافذة، لكن هذه صورة عفا عليها الزمن، فكلما حصلنا على مزيد من البيانات حول الوحدة بات يتضح أكثر فأكثر أنها أصبحت اليوم مشكلة الشباب، رجالاً ونساء، فقد وجدت أحدث دراسة استقصائية أجرتها هيئة الإحصاءات الوطنية البريطانية (ONS) مثلاً أن 31 في المئة من البالغين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و29 سنة في إنجلترا وويلز أفادوا بأنهم يشعرون بالوحدة "غالباً أو دائماً أو أحياناً"، مقارنة بـ 16 في المئة فقط ممن تزيد أعمارهم على 70 عاماً. وتشير أبحاث حكومية بريطانية إلى أن من تتراوح أعمارهم ما بين 16 و34 سنة تزيد احتمالات معاناتهم من الوحدة المزمنة بأكثر من خمس مرات مقارنة بمن هم فوق 65 سنة، ومع ذلك تظل الصور النمطية عنيدة في رسوخها، بغض النظر عن الحقيقة، فوفقاً لاستطلاع رأي أُجري حديثاً بتكليف من "مركز العدالة الاجتماعية" (CSJ)، اعتقد 87 في المئة من المشاركين أن كبار السن يشعرون بالوحدة، ولو لبعض الوقت، وهي أعلى نسبة تُسجل بين جميع الفئات التي شملها الاستطلاع، لكن هذه النسبة تمثل ضعف الواقع تقريباً، إذ إن 43 في المئة فقط ممن تبلغ أعمارهم 65 سنة أو أكثر أفادوا فعلياً بأنهم يشعرون بالوحدة، وفي المقابل عانى أبناء الجيل Z مشكلة المعاكسة في الصورة الذهنية، ففي حين ظن 57 في المئة من المشاركين أن الجيل الأصغر سناً يشعر بالوحدة، قال 70 في المئة من أبناء هذا الجيل أنفسهم إنهم يعانون هذا الشعور.

وفي مرحلة من الحياة يفترض أن يكون الناس فيها في ذروة نشاطهم الاجتماعي وانفتاحهم يبدو أن تحولاً سلوكياً حاداً قد وقع، فمقارنة بما كان عليه الحال قبل 20 عاماً، يقضي أبناء الجيل Z ساعات أقل بكثير في مخالطة أصدقائهم "وجهاً لوجه"، وبات المراهقون ومن هم في العشرينيات اليوم يتواصلون اجتماعياً بمقدار لا يزيد عما كان يفعله في الماضي شخص يكبرهم بـ 10 سنوات، وقد أظهرت الأبحاث أن مراهقي اليوم أقل ميلاً إلى حضور الحفلات أو الخروج مع الأصدقاء أو الدخول في علاقات عاطفية بكثير.

 

أدى تراجع إقبال الشباب على ارتياد الحانات والنوادي الليلية إلى إغلاق ربع أماكن السهر في المملكة المتحدة منذ عام 2020، أي ما يقارب 800 موقع، وعلى رغم أن انحسار ثقافة شرب الكحول بين الشباب شكّل مكسباً للصحة العامة من بعض النواحي، فإنه أثبت على نحو مفارق ضرره من نواحٍ أخرى، إذ رُبطت الوحدة المزمنة بأنواع من النتائج الصحية السيئة والوفاة الباكرة، تلك التي غالباً ما تُربط بالتدخين.

وفي الوقت نفسه ترافق هذا الاتجاه مع تراجع في ممارسة الجنس بين الشباب، سواء من حيث الوتيرة أو عدد الشركاء، إذ يمارس البالغون من أبناء الجيل Z الجنس أقل من جيل آبائهم أو حتى أجدادهم بمعدل 0.7 مرة في الأسبوع مقارنة بـ 1.2 مرة (للجيل X) و0.9 مرة (لجيل طفرة المواليد)، وفقاً لأحد الاستطلاعات الحديثة في المملكة المتحدة، وحتى أولئك الذين لا يزالون يمارسون الجنس فقد باتوا أقل ميلاً من أي وقت مضى إلى الإقدام على الزواج، فقد بلغ عدد الزيجات في إنجلترا وويلز أدنى مستوياته على الإطلاق، وفقاً لأحدث بيانات التعداد السكاني، مع تراجع متزايد في عدد الشباب الذين يعقدون القران، وقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين لم يتزوجوا قط إلى 48 في المئة العام الماضي مقارنة بـ 44 في المئة عام 2002.

باعتقادي فلا شك أبداً في أننا نواجه معضلة عالمية مطلقة.

ديفيد بلانشفلاور

 

ما أهمية تراجع الإقبال على الزواج؟ تشير الإحصاءات إلى أنه أحد أكثر الطرق موثوقية لتفادي الوحدة، فقد وجد تقرير أصدره "مركز العدالة الاجتماعية" عام 2024 بعنوان "أمة وحيدة"، أن 30 في المئة من المتزوجين يشعرون بالوحدة غالباً أو أحياناً، مقارنة بـ 39 في المئة ممن يعيشون معاً من دون زواج، و57 في المئة من العازبين.

ووفقاً لدراسة أميركية فقد بدأت أوقات الاختلاط الاجتماعي بالتراجع فعلاً منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنها تلقت ضربة قاسية بعد عام 2010، وهو الوقت الذي، ويا للمفاجأة، بدأت فيه الهواتف الذكية بالانتشار الواسع، وتزامن تقلص الوقت الذي يقضيه الشباب وجهاً لوجه مع أصدقائهم مع ارتفاع هائل في الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، فبين عامي 2013 و2024 ارتفع متوسط عدد الساعات التي يقضيها البالغ في المملكة المتحدة في استخدام جهاز أو أجهزة من ساعة واحدة و36 دقيقة إلى أربع ساعات و20 دقيقة، لكن هذا مجرد متوسط، إذ تبيّن أن أبناء الجيل Z يقضون وقتاً أطول بكثير ملتصقين بالشاشات وبمعدل ست ساعات يومياً، وفي تقرير صادر عن "مركز بيو للأبحاث" عام 2024، قال 62 في المئة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و29 سنة إنهم "دائمو الاتصال" بالإنترنت.

 

وقد يقول قائل إن الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات هو في حد ذاته وقت تواصل اجتماعي، ففي النهاية قد يُصرف جزء كبير من تلك الساعات في مراسلة الأصدقاء أو التفاعل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هذا النوع من التفاعل يبدو نسخة جوفاء عن التفاعل الحقيقي من حيث الأثر النفسي الذي يتركه فينا، ففي الأجيال السابقة كانت السعادة تتخذ شكل حرف U، إذ كانت أعلى في أعوام الشباب الأقل هماً نسبياً وفي مرحلة التقاعد، وأدنى خلال أعوام منتصف العمر المرهقة.

لكن كل هذا تغيّر، فقد خلص تقرير كُلفت الأمم المتحدة بإعداده ونُشر في وقت سابق من هذا العام إلى أن مستويات الرضا عن الحياة والسعادة تراجعت بين الشباب خلال العقد الماضي، بعد تحليل ردود على استطلاعات أُجريت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيرلندا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وسلّط الباحثون الضوء على وجود صلة بين "ركود السعادة" هذا وصعود الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

أحد واضعي هذه الدراسة وصانع السياسات السابق في بنك إنجلترا ديفيد بلانشفلاور قال آنذاك "لقد أصبح الشباب معزولين، والمشكلة ليست كثيراً في أن الناس يجلسون وهم ينظرون إلى هواتفهم بل في ما لا يفعلونه، إنهم لا يخرجون بالقدر نفسه ولا يلعبون مع أصدقائهم ولا يتفاعلون مع الآخرين ولا يمارسون الجنس بالمقدار نفسه، ولا أظن أن هناك أي شك في أننا نواجه أزمة عالمية حقيقية".

وكذلك أشارت الأستاذة الأكاديمية عندما كانت تخبرني عن طلابها، فإن الشاشة في السياق الاجتماعي ليست مجرد شاشة بل هي درع يحول دون التواصل في العالم الحقيقي، وقالت "إن مستوى من جودة الحياة كان يأتي في السابق بلا مقابل، وأصبح اليوم يتطلب جهداً إضافياً لأن عليك أيضاً أن تخترق حاجز شخص يحدق في هاتفه ويتجنب التواصل البصري".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبصرف النظر عن تآكل التواصل المباشر بين البشر فهناك على الأرجح عامل رئيس آخر يسهم في تفشي وباء الوحدة، لا علاقة له بالبشر من الأساس، فزيادة الوقت الذي يقضيه الناس على الأجهزة ترتبط ارتباطاً مباشراً بتراجع حاد في الوقت الذي يقضيه الشباب في الهواء الطلق، إذ أفاد ثلثا أبناء الجيل Z (67 في المئة) في استطلاع حديث أنهم لا يخرجون من منازلهم لأيام متتالية، لكن ثبت مراراً أن الوجود في الطبيعة يحقق فوائد صحية عدة من بينها تقليص الشعور بالوحدة، وقد وجد باحثون في وحدات الطب النفسي أن الحضور في الطبيعة يخفف الشعور بالعزلة ويساعد في بث الهدوء وتحسين المزاج.

علينا أن نبذل مزيداً من الجهد من أجل أبنائنا، ولا سيما أكثرهم عرضة للخطر، إنهم بحاجة إلى إنسان لا إلى روبوت

الرئيس التنفيذي لـ "صندوق دعم الشباب جون ييتس"

 

في هذه الأثناء أصبحت اضطرابات الصحة النفسية أكثر شيوعاً على نحو متزايد بين الشباب، فأكثر من ربع الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة يفيدون بظهور أعراض "اضطرابات نفسية شائعة" مثل الاكتئاب والقلق، وبات شباب اليوم يتمتعون بأسوأ صحة نفسية بين جميع الفئات العمرية في المملكة المتحدة، وقبل 20 عاماً كان العكس هو الصحيح، وبدلاً من اللجوء إلى التواصل الإنساني، سواء مع الأصدقاء أو العائلة أو إلى أي شكل من أشكال الاستشارة المهنية، يبدو أن الشباب يفاقمون المشكلة، فقد كشفت أبحاث جديدة أن ربع المراهقين في المملكة المتحدة لجأوا إلى روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للحصول على دعم نفسي خلال العام الماضي.

وقال الرئيس التنفيذي لـ "صندوق دعم الشباب" جون ييتس إن "علينا أن نفعل ما هو أفضل من أجل أبنائنا، ولا سيما أولئك الأكثر عرضة للخطر، إنهم بحاجة إلى إنسان لا إلى روبوت".

إن التواصل الإنساني الحقيقي والفوضوي والحي هو أحد أكثر حاجاتنا الأساس جوهرية، ومع دخولنا عصراً جديداً من الرفقة الرقمية والأصدقاء الافتراضيين، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يتعلم الشباب كيف يضعون هواتفهم جانباً ويتواصلوا في العالم الحقيقي.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات