ملخص
تقيد تل أبيب دخول الوقود وفي بعض الأحيان تمنعه لأيام طويلة، وبسبب ذلك زادت الأوضاع الاقتصادية تعقيداً تحت وطأة شح الديزل وغاز الطهي.
في غزة، لم يعد الديزل وغاز الطهي مجرد مواد خام تشعل المصابيح وتحرك الآلات، وعرقلة دخول شاحنات الوقود للقطاع لم تعد تخلق أزمة طاقة فحسب، بل تحول هذا الملف لسلاح استراتيجي لإدارة المشهد السياسي في مدينة الحرب التي تنتظر مستقبلاً غامضاً.
لقد أضحى الوقود في غزة سلاحاً يملك القدرة على إيقاف قلب الحياة دفعة واحدة، من المستشفيات إلى محطات المياه فشاحنات رفع الأنقاض، حتى وصل تأثيره إلى خيام النازحين، إذ تحوّلت الطاقة من مورد اقتصادي إلى سلاح سياسي يعيد توزيع موازين القوة في القطاع ويضعها بيد إسرائيل وحدها.
صهاريج محدودة
بحسب اتفاق وقف إطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، يجب على تل أبيب تشغيل معابر غزة جميعها، والسماح بإدخال 600 شاحنة تجارية يومياً للقطاع، ربعها صهاريج من الديزل وغاز الطهي.
استبشر الغزيون خيراً بالاتفاق، وتوقعوا أن تعود عجلة الحياة تدريجاً للقطاع، إلا أن الواقع أظهر العكس تماماً، إذ تقيد تل أبيب دخول الوقود وفي بعض الأحيان تمنعه لأيام طويلة، وبسبب ذلك زادت الأوضاع الاقتصادية تعقيداً تحت وطأة شح الديزل وغاز الطهي.
يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "لم يدخل إلى غزة سوى 16 في المئة فقط من احتياج القطاع الفعلي من محروقات، سمحت إسرائيل بدخول 104 شاحنات فقط من غاز الطهي منذ وقف إطلاق النار من أصل 660 شاحنة كان يجب إدخالها".
محور المعاناة
الفجوة الكبيرة بين الاحتياج الفعلي من محروقات وما يجري إدخاله من المعابر الإسرائيلية تسببت في أزمة إنسانية مختلفة الأوجه، إذ لم يعد نقص الوقود في القطاع أزمة عابرة أو طارئة بل تحول إلى محور معاناة يومية تمس الحياة في كل تفاصيلها.
يعيش الغزيون في حلقة معقدة من الأزمات بسبب نقص المحروقات فهو لم يعد مجرد تحد تشغيلي بسيط، بل تحول إلى أزمة تهدد بنية المدينة، فالمستشفيات أوقفت خدماتها، وعمليات إزالة الركام وفتح الطرق تسير ببطء شديد، وباتت العائلات تعتمد على حلول بدائية للطهي والحصول على المياه بينما تكدست النفايات في الشوارع لعدم قدرة الشاحنات على الحركة.
عطل عمل البلديات
بسبب نقص الديزل أيضاً تراجعت قدرة البلديات على تقديم خدماتها وتقلصت إمكانات تشغيل المرافق الأساسية، يقول المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا "نواجه واحدة من أصعب الفترات منذ وقف إطلاق النار، فقد أدت أزمة الوقود إلى شلل شبه كامل في معظم الخدمات، ولم نعد قادرين على تشغيل المولدات الاحتياطية اللازمة لإدارة المرافق الأساسية لتشغيل آبار المياه ومحطات الضخ والمقار الخدمية".
ويضيف "البلدية بحاجة ماسة إلى الوقود لتشغيل آليات فتح الشوارع وتسوية الطرقات المتضررة وآليات نقل المياه وسيارات الصرف الصحي والمركبات المسؤولة عن جمع النفايات الصلبة، ما وصل إلى البلديات منذ وقف إطلاق النار لا يكفي إلا لعمل خمسة أيام فقط في فتح الشوارع لتسهيل حياة النازحين".
توقف المستشفيات
والأشد قسوة أن نقص الديزل تسبب في توقف مستشفى بجميع مرافقه عن العمل، إذ تعطّلت كل الخدمات الطبية التي يقدمها مستشفى "العودة" في غزة بعدما توقف مولد الكهرباء عن العمل بسبب نفاد الديزل من خزانته.
يقول مدير عام مجمع "الشفاء" الطبي محمد أبو سلمية "مستشفيات ومرافق صحية حيوية عدة مهددة بالتوقف عن العمل خلال ساعات، مجمع الشفاء الطبي لا يمتلك مخزوناً يكفي لأكثر من 48 ساعة".
في غزة توجد أربع مستشفيات رئيسة تعمل فوق طاقتها، يحتاج "الشفاء" إلى نحو 2600 ليتر وقود يومياً، فيما يحتاج مستشفى "شهداء الأقصى" إلى 2100 ليتر ومستشفى "ناصر" إلى نحو 5 آلاف ليتر، في حين يبلغ الاحتياج اليومي الأساس لمستشفى "العودة" نحو 2600 ليتر لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الطبية، لكن هذه المرافق الطبية لا تحصل على تلك الكميات.
بحسب أبو سلمية فقد اضطرت الطواقم الطبية إلى تنفيذ سياسة ترشيد صارمة لاستهلاك الوقود، تقتصر على تشغيل العناية المركزة وغرف العمليات.
ولدى توقف مستشفى "العودة" عن العمل حُرم نحو 3 آلاف مستفيد يومياً من الخدمات الصحية، وتوقفت العمليات الجراحية المجدولة وخدمات الولادة (نحو 60 حالة يومياً) والرعاية السريرية للأطفال بالكامل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سوق سوداء
تواجه النساء معاناة قاسية جراء شح غاز الطهي، تقول سميرة "الطهي أصبح عبئاً إذ نضطر على مدى الوقت إلى استخدام الحطب قرب الخيمة، وهذا يسبب دخاناً كثيفاً يؤذي الأطفال، فالطبخ الذي كان عملاً روتينياً عادياً أصبح معركة صغيرة في حرب لا تنتهي".
يحصل سائق سيارة الأجرة سامي على الديزل بطريقة شاقة جداً، إذ يعتمد على السوق السوداء، ويقول "يسهم نقص الديزل في الارتفاع المتواصل في الأسعار نظراً إلى الكميات الشحيحة الموجودة".
الطاقة تعني القرار السياسي
يقول أستاذ الاقتصاد مازن العجلة "في أدبيات النزاعات المعاصرة، يشار إلى النفط بوصفه تسليحاً ضد الخدمات الأساسية، إذ تستخدم البنية التحتية المدنية، كالكهرباء والمياه والوقود، كوسيلة ضغط غير عسكرية".
ويضيف، "في حال غزة يكفي الأثر الفعلي لهذه السيطرة لإنتاج نتائج سياسية ملموسة، إذ تمكن الطاقة الأطراف المسيطرة من توجيه قرارات الخصوم من دون اللجوء إلى القوة المسلحة، لقد شكّل الوقود إحدى أهم أدوات السيطرة السياسية، فكل شاحنة ديزل بمثابة بطاقة حياة أو موت".
ويوضح العجلة أن نموذج الطاقة في غزة يثبت أن الوقود ليس مجرد مادة قابلة للاحتراق، بل هو ورقة اللعب الأشد فتكاً، إذ إن التحكم في كل قطرة ديزل لا يهدد بانهيار المستشفيات وحسب، وإنما يكرس نظاماً من التبعية لإسرائيل.
وعليه، فإن السيطرة على الوقود في غزة أشبه بإمساك ورقة تفاوضية وأداة ضغط سياسي حقيقية تتحكم بالموارد الأساسية، لذلك تحولت الحياة في القطاع إلى معادلة بسيطة: وقود أو فناء.