ملخص
يتألف مسلسل "وحش فلورنسا" من أربع حلقات، تبلغ مدة كل منها نحو ساعة، وقد لا تبدو بداية الحلقة الأولى مثيرة بما يكفي لشد انتباه المشاهد، إذ يبدأ بمشهد حميمي لعاشقين في الظلام، يغتالهما قاتل مجهول في سيارتهما ويلوذ بالفرار. وعند قدوم الشرطة والمحققين، تقول المحققة سيلفيا: "إنه هو مجدداً".
يقدم المخرج ستيفانو سوليما في المسلسل الجديد "IL Mostro" (نتفليكس)، دراما إيطالية تستعيد واحدة من أشهر القضايا وأكثرها غموضاً وتعقيداً في تاريخ مقاطعة فلورنسا، إذ تتعلق بقاتل عرف بانتقائه للعشاق واغتيالهم على مدى عقود، في جرائم شنيعة طاولت 16 ضحية، بين 8 نساء و8 رجال.
ظل مصير هذا القاتل غير محسوم في القضاء الإيطالي بعد سنوات من التحقيقات والإدانات. وكان لهذه الجرائم أثر أدى إلى تحولات جذرية في مجتمع فلورنسا، وطريقة تفكير الأهالي حول ضرورة توفير مساحات خصوصية آمنة للمراهقين داخل بيوتهم بدلاً من أن يفقدوا حياتهم في الغابات والأماكن المعزولة بحثاً عن الخصوصية.
ومثل هذا القاتل مصدر فضول وإلهام لعديد من المبدعين في مجالات الأدب والصحافة والسينما والأفلام الوثائقية، وهي أعمال سعت إلى توثيق طبيعة القاتل الغريبة، وتتبع جرائم يرتكبها ضد العشاق فحسب، في أوقات معينة من الشهر يغيب فيها ضوء القمر عن السماء، كما لو كان له موقف من الحب نفسه أو عقدة نفسية تجاه النساء.
حاولت تلك الأعمال تحليل شخصيته وتأمل الأدلة والمسار الزمني للجرائم وما نشر عنها من مقالات صحافية، لفهم القاتل والتعرف على هويته. ويأتي مسلسل "وحش فلورنسا" كآخر عمل درامي تناول جرائمه، في مسلسل قصير عرضته منصة "نتفليكس" في أكتوبر 2025 برؤية جديدة ترتكز على تفاصيل أول جريمة ارتكبت عام 1968، راح ضحيتها كل من باربارا لوتشي وأنطونيو لو بيانكو.
قضية باربارا لوتشي وإشكالية جريمة الشغف
يتألف مسلسل "وحش فلورنسا" من أربع حلقات، تبلغ مدة كل منها نحو ساعة، وقد لا تبدو بداية الحلقة الأولى مثيرة بما يكفي لشد انتباه المشاهد، إذ يبدأ بمشهد حميمي لعاشقين في الظلام، يغتالهما قاتل مجهول في سيارتهما ويلوذ بالفرار. وعند قدوم الشرطة والمحققين، تقول المحققة سيلفيا: "إنه هو مجدداً".
تتكثف جماليات الأحداث بجرعات عالية من التشويق عندما يعود الزمن من عام 1982 إلى عام 1968، حيث تربط المحققة بين الجرائم المتسلسلة من خلال توصلها إلى دليل حاسم يربط المسدس المستخدم في عدة جرائم ثنائية، وتفتح ملفاً مغلقاً يتعلق بأول جريمة ذهب ضحيتها عشيقان عام 1968، قتلت فيها امرأة تدعى باربارا لوتشي مع عشيقها أنطونيو في سيارته، بينما كان ابنها ناتالينو نائماً على المقاعد الخلفية أثناء وقوع الجريمة.
ومع ظهور هذا الدليل الجديد، يعاد استجواب زوجها ستيفانو ميلي، الذي اعترف بذنبه منذ سنوات وقضى عقوبته لارتكابه جريمة تصنف في إيطاليا ضمن ما يعرف بجرائم الشغف، حيث قال إن دافعه كان خيانتها له وتسببها في الفضائح مع أنطونيو وعشاق آخرين. غير أن الزوج المخدوع يتراجع عن اعترافاته عندما يثبت أن ذلك المسدس استخدم في ارتكاب جرائم مشابهة في فترة كان يقضي فيها عقوبته في السجن.
وعلى عكس الأعمال التي تناولت حكاية "وحش فلورنسا "بوصفه قاتلاً متسلسلاً، بحيث ركزت على أسلوبه في القتل والتنكيل وتتبعت جميع جرائمه بحيثياتها وتفاصيلها، اختار المخرج ستيفانو سوليما تسليط الضوء على القضية الأولى في الحلقات الأربع، كونها المفتاح الأول الذي يقود إلى وحش فلورنسا، ضمن دائرة معارف باربارا لوتشي وستيفانو ميلي.
ومن منطلق أن العثور على قاتل الضحية الأولى يسهل كشف قاتل بقية الضحايا. لذا ظهرت الشخصيات المرتبطة بقضية باربارا كشخصيات رئيسة، نامية وفاعلة بينما ظهرت بقية الضحايا من العشاق المغتالين كشخصيات ثانوية حضرت في لقطات سريعة واختفت بعد مشاهد قتلها.
نوستالجيا فلورنسا القديمة
يسافر المخرج سوليما بالمشاهد عبر الزمن، ليجد نفسه في ستينيات القرن الماضي، في قلب فلورنسا القديمة. واهتم سوليما بتفاصيل الكادرات وكل ما يؤثث مشاهد المسلسل، بدءاً بألوان الفينتاج الكلاسيكية، إلى أزياء الممثلين وتسريحاتهم، والسيارات المركونة في الشوارع، فضلاً عما تحمله فلورنسا من أصالة وتاريخ عريق في عمرانها وبناياتها، مما ساعد على تقديم صورة واقعية ومتكاملة وكأنها صورت فعلاً في تلك الحقبة.
كما صرح ستيفانو سوليما في إحدى مقابلاته أنه اختار لمواقع التصوير الأماكن التي وقعت فيها الأحداث الحقيقية، ولم يغير أسماء الضحايا والمتهمين، بل فضّل تقديم الحكاية كما حدثت في قالب درامي مختلف عما قدم من قبل. وإلى جانب قوة الصورة وجمالياتها، أضاف السيناريو بعداً عميقاً من خلال حوارات تحاكي البيئة الثقافية في الستينيات، وخصوصية العائلة الإيطالية، وتعاملها مع العلاقات الأسرية وتحرر المرأة ومشكلات الزواج والخيانة في ذلك الزمن.
تقنية الإيهام والتضليل البوليسي
لعل أكثر ما يصدم من يشاهد مسلسل "وحش فلورنسا"، هو الشخصية المستفزة التي قدمها الممثل ماركو بوليتا في دور ستيفانو ميلي (الزوج المخدوع)، فهو يقدم شخصية رجل ضعيف ومهزوز، يسهل التحكم به والتأثير في قرارته.
يظهر هذا الضعف منذ ليلة زفافه من باربارا عام 1959، حين فرت هاربة وأعادها والده وإخوته وأرغموه على الدخول عليها والزواج منها. ثم يتضاعف الاستفزاز في يومياته مع زوجته، إذ يضطر ستيفانو إلى جلب مستأجر يقيم في بيته يدعى "سلفادور"، لتغطية مصاريف البيت. وحين يبدأ سلفادور بمعاملة باربارا بطريقة غريبة، فيطلب منها خدمته بنبرة آمرة في حضور زوجها وصمته، لا يعلق ستيفانو بكلمة على ما يحدث أمامه، ولا يعيد الاعتبار لزوجته، حتى وهو يرى المستأجر يتطفل عليها في غرفة نومها، فلا يهب لحمايتها ولا يتدخل لردعه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الحلقات التالية، يعيد سوليما بناء بعض المشاهد، وعرضها بتجزئة زمنية تكشف عن نقص ما بدا مكتملاً في السابق، تنقصه جملة أو ظهور شخصية أو حوار صغير ليكتمل المعنى وتتضح الفكرة في ذهن المتلقي.
وبهذا الأسلوب تعاد بعض المشاهد بتفاصيل جديدة، تكمل القطع الناقصة. من جهة أخرى ومع التقدم في التحقيقات، تتغير اعترافات الطفل ناتالينو بعد الكشف عن أقوال غير منطقية لا تتوافق مع روايته، كما تتغير اعترافات أبيه في كل مرة بالطريقة نفسها، فيدان أكثر من شخص، إذ يظهر في كل حلقة متهم جديد بأدلة مقنعة، مما يوهم المشاهد بأن المتهم الجديد هو القاتل المنشود. على هذا النحو، يتغير المشتبهون بهم في دائرة الاتهامات، عبر تقنية التضليل البوليسي إلى حد التعتيم على المشتبه فيه الرئيس الذي شك فيه في البداية.
تفضيل العنف النفسي على البصري
رغم أن مسلسل "وحش فلورنسا" يقدم دراما بوليسية تتعمق في خلفيات جريمة حدثت بالفعل في زمن سابق، غير أنه لا يقدم مشاهد دموية صادمة أو عنفاً بصرياً مباشراً بقدر ما يقدم نوعاً من العنف النفسي الذي قد يصعب تحمل مشاهدته. فليس من السهل متابعة طفل بريء ظهر في مشاهد سابقة شديد التعلق بوالدته، يستيقظ من نومه على صوت الرصاص ويفاجأ برؤية أمه مصابة بطلقات نارية.
ويصوّر المخرج عدة مشاهد إجرامية معتمداً على الإيحاء واللقطات البعيدة بحيث يمكن رؤية القاتل وهو يمارس التنكيل، من خلال لغة جسده وحركاته ولكن من دون الاقتراب المباشر من فعل التقطيع نفسه، لا سيما الأجزاء الحميمية من جسد الضحية، فالقاتل كان يقتل الرجل وينكل بجسد المرأة فحسب، في ممارسة تدعو إلى تحليل سلوكه لفهم دوافعه وحقده على الضحية الأنثى أكثر من شريكها.
ينتهي مسلسل "وحش فلورنسا" بنهاية شبه مفتوحة، تميل إلى الإشارة إلى قاتل بعينه، وكأن المخرج ينحاز إلى فرضية اتهام معينة، غير أن الحقيقة تبقى رغم ذلك غائمة ومعلقة. فالقضاء الإيطالي على رغم من إدانته لعدد من المتهمين، لم يتوصل بصورة قاطعة إلى القاتل الحقيقي الذي ارتكب جرائم بشعة ظلت حاضرة ومستعادة في ذاكرة فلورنسا.