ملخص
لم يحب سيغموند فرويد السينما. لكنها هي أحبته بل عدَّته وأفكاره جزءاً من تاريخها وفكرها العميق، ناهيك بكونه، ومن خلال سينما الفريد هتشكوك في الأقل، جزءاً من لغتها السينمائية نفسها
يعرف المهتمون بالفن السابع والتحليل النفسي معاً، أن رائد هذا التحليل، العالم النمسوي الكبير سيغموند فرويد (1848 - 1939)، لم يبادل السينما حباً عبرت عنه تجاهه طوال تاريخها. لسبب ما لم يغرم صاحب "علم الأحلام" بالفن الذي ولد تحت شعار الحلم.
ونعرف كثيراً عن حكايات تعبر عن ذلك اللاحب بدءاً من رفض فرويد عرضاً من شركة "وارنر براذرز"، قوامه 100 ألف دولار (عند بداية العقد، الثالث من القرن الـ20 حين كان هذا الرقم يمثل ثروة ضخمة)، مقابل أن يشارك "بأي شكل يرتئيه" في فيلم من إنتاجها. وكذلك نعرف حكايات كثيرة عن خلافات المعلم مع تلامذة له ومساعدين لمجرد أنهم أبدوا اهتماماً بذلك الفن. ومن بينهم فليس وأبراهام. ومع ذلك نعرف أيضاً أن السينما والتحليل النفسي ولدا في زمن واحد، بل حتى عام واحد، هو 1895 الذي شهد معاً ولادة السينما على يد الأخوين لوميير، وظهور كتاب فرويد عن الهستيريا باعتباره الأول بين الكتب المكرسة للتحليل النفسي في تاريخ هذا الصنف العلمي.
إذا، لم يحب فرويد السينما. لكنها هي أحبته بل عدَّته وأفكاره جزءاً من تاريخها وفكرها العميق، ناهيك بكونه، ومن خلال سينما الفريد هتشكوك في الأقل، جزءاً من لغتها السينمائية نفسها. ولسنا في حاجة هنا إلى أن نستعيد ما سبق أن تحدثنا عنه مراراً في هذا المكان بالتحديد عن "حكايات فرويد السينمائية"، لكننا نتوقف عند آخر تجليات هذا الحب/ اللاحب: فيلم أميركي/ إيرلندي حقق في مجرى هذا العام المنقضي بالتحديد عنوانه "اعتراف فرويد الأخير" انتهت عروضه في الصالات قبل أشهر لتبدأ عروضه التلفزيونية. وآخرها على شاشة فرنسية صغيرة متخصصة في أفلام المهرجانات.
شيء من الثرثرة
منذ البداية لا بد من أن نشير إلى أن هذا "الاعتراف الأخير" ليس الفيلم الذي كان يمكن للمتفرجين الفرويديين أن يتوقعوه، لا سيما بالنسبة إلى الذين وجدوا في فيلمين في الأقل حققا عن فرويد في الماضي ما يقارب أن يكون تحفاً سينمائية.
ونتحدث هنا طبعاً عن فيلم "الشغف السري" لجون هستون، أواسط العقد الخمسيني من القرن الـ20، و"منهج خطر" لديفيد كروننبرغ عند بدايات القرن الجديد. ونعرف طبعاً أن أولهما يتعلق بحياة فرويد وأسفر عن شقاق بين السينما نفسها ولمفكر الفرنسي جان بول سارتر الذي كان يفترض أن يستخدم الفيلم سيناريو كتبه بنفسه، والثاني يركز على ولادة التحليل النفسي للهستيريا على خلفية حكاية مختلقة، إنما بالغة الطرافة والدلالة، تتعلق بصراع بين فرويد وتلميذه السويسري كارل غوستاف يونغ و"تنافس الاثنين" بصدد العلاقة بين كل منهما ومريضة لهما، هي الروسية سابين سبيلرن، أضحت لاحقاً محللة بدورها.
غير أن الفيلم الجديد لا يبدو في طموحه محاولة لتجاوز ذينك الفيلمين، على رغم أن ذلكم ما كان لا بد أن يسم فيلماً له هذا العنوان. فهو يكتفي بالحديث، كما يدل عنوانه، عن فصل أخير من حياة المعلم الكبير. فصل تتوالى أيامه على الشاشة بدءاً من بدايات سبتمبر (أيلول) 1939 أي الشهر الذي رحل فيه فرويد عن عالمنا.
والحقيقة أنه كان من شأن هذا الفيلم أن يكون عملاً كبيراً وبالتحديد انطلاقاً من عاملين، أولهما أن دور فرويد أسند فيه إلى أنطوني هوبكنز الذي اعتاد أن يكون مبدعاً استثنائياً في كل ما يؤدي من أدوار، وثانيهما أن مخرج الفيلم لم يكن سوى مات براون، الذي كان قد لفت الأنظار حقاً قبل 10 أعوام بفيلم حققه عنوانه "الرجل الذي تحدى اللانهاية" وقوامه حوارات مدهشة، علمية بدورها، تدور بين عالمي رياضيات عبقريين.
غير أن ما تحقق في الحوارات الرياضية، بدا أقل أهمية بكثير، بل أدنى إلى الثرثرة المجانية في الحوارات "الدينية - الفلسفية"، التي تطغى على "اعتراف فرويد الأخير". وهذا أقل ما يمكن قوله بصدد هذا الفيلم "الفرويدي" الذي يأتي بعد قرن من الزمن على إعلان فرويد كراهيته للسينما، ليبدو وكأنه يبرر تلك الكراهية!
حكاية عائلية
من الواضح أن المخرج كان يحاول هنا أن يستعيد ما كان حققه في فيلمه السابق من حوارات بالغة الذكاء بين عقلين كبيرين. غير أنه لم يوفق هنا بقدر ما كان قد وفق هناك، كما لم يوفق كذلك في إدخال تلك الحكاية العائلية التي تدور خصوصاً من حول آنا فرويد ابنة المعلم الكبير ووريثته، والتي قدمها الفيلم بصورة بالغة السطحية حاشراً حياتها الشخصية والجنسية، في فيلم لا يبدو أن له علاقة بذلك، وبالتحديد وسط "حبكة" الحوار الأساسية التي يخوضها مع فرويد، الذي لم يكن ليخفي عدم إيمانه بأية حياة بعد الموت، "مفكر" مؤمن هو ماثيو غولد الذي بدا باهتاً أمام المعلم الكبير الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة من دون أن يتمكن أحد من إعادته إلى الإيمان وبخاصة محاوره، على رغم محاولات هذا الأخيرة، مما حول الحوارات بين الرجلين إلى سجالات لا تلتقي أبداً بين من يدافع عن العلم وحرية التفكير العلمي، ومن يرى أن من "واجبه الأخلاقي" أن يحاول رد المعلم إلى "الصواب" عبر الإيمان، ولو في ساعاته الأخيرة.
وهكذا تحول الحوار، وتحت سمع آنا فرويد وبصرها إلى مونولوغين يسيران في خطين مستقيمين، ومن المستحيل لهما أن يلتقيا، في تمسك واحدهما بالعلم وتمسك الثاني بالإيمان.
ولعل الأدهى من ذلك كله هنا، هو أننا، في الحياة الطبيعية خارج الفيلم، أمام موقفين معروفين سلفاً. مما يعني أن ليس ثمة أية مفاجأة أو "قلبات" مسرحية يمكن لمشاهد الفيلم أن يتوقعها. وهو ما يدفع في الحقيقة إلى التساؤل عن جدوى إضاعة وقت المتفرج ولكن كذلك إضاعة وقت فرويد نفسه، وقد باتت حياته تعد بالأيام والساعات.
ولعل أنطوني هوبكنز استمرأ اللعبة كلها، فإذا به يطلق لنفسه حرية تعبير مدهشة، ولكن من دون أن تكون صائبة بما فيه الكفاية، للتزجية عن نفسه في أيامه الأخيرة مستغلاً تبسيطية فكر محدثه، لتحاول في الأقل نسيان ما فعله به فيلم "الأب" قبل أعوام إذ جعل منه حال عيادية من جراء "ألزهايمر" أسنده إليه فجعله يبدو تبسيطياً في حواراته مع ابنته العاقلة... في ذلك الفيلم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الفرويدية تخسر موعدها الجديد
يقيناً أن كل هذه العناصر التي أشرنا إليها، كان من شأنها أن تكون فعالة وتقدم صورة لفرويد منطقية، لولا أن السيناريو بدا منطلقاً من كونه يتحرك للكشف عن فرويد في أيامه الأخيرة، مفترضاً أن في الاعترافات التي يدلي بها، على رغم من قوة الحوار فيها على أية حال، ما يقدم عن فرويد صورة متكاملة في نزاهته العلمية التي تأتي على حساب راحة البال التي قد يمكن أن يتمسك بها عجوز يحتضر.
لكن الحال لم تكن كذلك هنا، ففرويد معروف بأكثر مما ينبغي بالنسبة إلى الفرويديين بل حتى بالنسبة إلى غيرهم. ومن هنا فقد عنصر التوقع في الفيلم رونقه ومفاجآته، بينما أتى إدخال حكايات آنا، من خارج السياق ليفقد الفيلم نفسه منطقه. ومن هنا خسرت الفرويدية من جديد موعدها مع السينما... في انتظار مناسبة أخرى بالطبع!