فرويد قرأ نيتشه بعمق ... وأصر على النفي

5 مفاهيم كبرى تجمع مؤسس التحليل النفسي مع فيلسوف إرادة القوة

حتى اقرب أصدقاء فرويد شك في نأيه عن التأثير العميق الذي خلفه نيتشه (موقع "ويكيميديا")

هل كان سيغموند فرويد (1856- 1939)، المؤسس الأسطوري لعلم النفس الحديث، كاذباً بنفيه المتكرر قراءة أعمال المفكر الألماني الشهير فريدريك نيتشه (1844- 1900) التي نشرت قبل مؤلفات فرويد بما يتراوح بين عقد وثلاثة عقود؟ ترى "الموسوعة البريطانية" أن كتاب نيتشه "هكذا تكلم زارادشت"، كان مرجعيّاً لمفكري الحداثة في القرن العشرين، مع مواقف متنوعة منه. هل كان فرويد بمنأى عن الظل العملاق لنيتشه؟ ظل ذلك السؤال يتردّد باستمرار، مع كل ما يرافقه من إثارة ومشاعر متضاربة، قد يكون بعضها من أسباب دأب فرويد على نفي قراءة أو مطالعة أعمال المفكر الألماني الشهير.

وقد يكون بديهياً القول بعدم خلو ذلك النفي القاطع من مبالغة، مع أخذ شهرة نيتشه وتأثيره الثقافي الواسع. ولكن، قد يكون ذلك الأمر أول الخيط في مسألة النفي. إذ اشتهر عن النازية أنها استخدمت (بالأحرى أساءت استخدام) أفكار نيتشه مثل إرادة القوة والإنسان المتفوق والتمرّد على الدين وغيرها. ومع صعود النازية، امتزجت صورتها في الخيال العام مع أشياء من بينها مثلاً موسيقى ريتشارد فاغنر (1813- 1883) وفلسفة نيتشه، على الرغم من انعدام الصلة المباشرة لأعمال الرجلين (كانا صديقين متنافرين) مع النازية وأفكارها العنصرية المتطرفة.

قد يسهل تصوّر مدى نفور فرويد من الإشارة إلى تأثّره بنيتشه. إذ وُلِد فرويد في عائلة نمساوية يهودية وعايش مأساة صعود تلك الموجة الشعبوية الأولى (النازية وسواها) في تاريخ مشروع الحداثة. وآنذاك، اعتبر النازيون نيتشه مرجعاً وأباً روحياً لمقولاتهم العنصرية التي طبقوها قمعاً واغتيالاً وحروباً ومذابح جماعية ومعسكرات إبادة وهولوكوست وغيرها. ولا تحتاج أفكارهم العرقيّة حيال اليهود حتى إلى مجرد الإشارة، بل تبرز نصباً مشيناً عن معاداة السامية.

كتب فرويد إلى أحد أصدقائه رسالة جاء فيها أن "كتاب نيتشه "هكذا تكلّم زارادشت" يعطي توصيفات واسعة عن الآليات العقلية والنفسية التي توصل إلى تكوين مجرمين انطلاقاً من الإحساس بالذنب".

ويصعب عدم الإشارة إلى أن فرويد كان في طليعة من لاحظوا أن صعود تلك الشعبوية المتطرفة في ثلاثينات القرن العشرين وانفلات عنفها وانزراعها في عقول جماهير واسعة في غرب حداثي، إنما يؤشر بوضوح على شروخ في المشروع الكبير للحداثة والعقلانية. ويظهر ذلك النقد المُبكر في كتابيه "قلق في الحضارة" و"مستقبل وهم" اللذين يتضمّنان ما يشبه نعياً مبكراً لقدرة الحداثة والعقلانية على الانزراع في العمق الإنساني للكائن البشري، والتغلغل في دواخل وعيه، بل حتى (أو خصوصاً) لاوعيه أيضاً.

فرويد "يردّ" على فرويد!

 

بحسب مواد متنوعة منشورة على موقع "المجلة البريطانية للطب النفسي" The British Journal of Psychiatry، وثّق إرنست جونز، صديق مقرب من فرويد وأحد المخلصين لمدرسته في التحليل النفسي، صدور نفي حاسم عن فرويد بشأن تأثّره بنيتشه، أثناء اجتماع لـ"جمعية فيينا للتحليل النفسي" في 1908. وتكرر ذلك في اجتماعات لاحقة لتلك الجمعية التي أسسها فرويد وأسهمت في تطوير نظرياته ونشرها. وفي أواسط الخمسينيات من القرن العشرين، نشر جونز مؤلفاً ضخماً في ثلاثة أجزاء عنوانه "حياة وأعمال سيغموند فرويد". وأورد فيه محاورة شخصية وصف فيها فرويد نيتشه بأنه "أحد أعظم الرجال العظام في التاريخ... لقد طوّر معرفة ثاقبة عن ذاته تفوق ما فعله أي كائن بشري"!

وكذلك تحدث إرنست غيلنر، أحد منظّري مدرسة التحليل النفسي، في كتاب "حركة التحليل النفسي" (1985)، عن رسالة بعث بها فرويد إلى الروائي الألماني أرنولد زفايغ، تظهر فيها معرفة عميقة بحياة نيتشة مع تأملات عن مرضه الطويل الذي أفضى إلى موته.

وفي تسعينيات القرن العشرين، رصدت مُراجَعَة أكاديمية أجراها مختصَانِ برازيليّان في الطب النفسي، هما إيه. آتش شابمان وماريان شابمان- سانتا، إشارات متناثرة إلى نيتشه في مؤلّفات فرويد. في كتاب "عن الأحلام" (1901)، كتب فرويد أن "ما سميّته أنا استبدالاً يحصل في الأحلام (للشخصيّات والأماكن والحوادث...)، هو أيضاً ما وصفه نيتشه بأنه تحوير للقيم السيكولوجية". وفي "ما بعد مبدأ اللذة" (1920)، اقتبس فرويد عن نيتشه عبارة "وجود العود الأبدي". وفي "محاضرات تعريفيّة جديدة عن التحليل النفسي" (1933)، يرد أنه "يمكننا استعارة مصطلح الـ"هو" من نيتشه، ذلك أنه استخدمه أيضاً للإشارة إلى تلك المنطقة في اللاوعي التي تتجمع فيها الغرائز والعواطف". وفي "تفسير الأحلام" (1950)، أورد فرويد "أننا بدأنا نفكر في صواب ما ذهب إليه فردريك نيتشه عندما وصف الأحلام بأنها تحتوي "مكوّنات أوليّة من الإنسانيّة لم يعد هنالك طرق مباشرة في الوعي للوصول إليها...".

وكذلك أورد الباحثان رسالة بعث بها فرويد إلى صديقه جونز في العام 1897، استعار فيها فرويد أسلوب نيتشه في التعبير، "عندما تنهار القيم جميعها، تبقى نظرية التحليل النفسي وحدها متماسكة، بل تكون وحدها صحيحة". وفي العام 1916، كتب فرويد إلى أحد أصدقائه رسالة جاء فيها أن "كتاب نيتشه "هكذا تكلّم زارادشت" يعطي توصيفات واسعة عن الآليات العقلية والنفسية التي توصل إلى تكوين مجرمين انطلاقاً من الإحساس بالذنب". وفي رسالة مشابهة في 1917، أورد فرويد اقتباساً صريحاً مطولاً عن نيتشه، "يحصل لي أحياناً أن أمر بلحظات أكره فيها الحياة، وأرتاح إلى التفكير بوجود نهاية لهذا الوجود القاسي. في لحظات كتلك، تصبح أفكاري ثقيلة علي".

أبعد من مصادفة... خمس نقاط مشتركة

يُشار تقليدياً إلى فرويد باعتباره المبتكر لمفهوم اللاوعي/ العقل اللاواعي Unconscious Mind في التركيب العقلي- النفسي للإنسان. ولكن، يبدو أن نيتشه سبق فرويد في التنظير إلى ذلك المعطى نفسه أيضاً!

ووفق المصادر المُشار إليها أعلاه، ثمة خمس نقاط رئيسة يبدو أنها تجمع فرويد ونيتشه:

مفهوم اللاوعي (= "العقل اللاوعي"، أو "اللاشعور") باعتباره ظاهرة أساسية في عقل الإنسان.

الفكرة القائلة بأن الكبت يؤدي إلى إزاحة المشاعر والأفكار "غير المقبولة"، إلى اللاوعي، بهدف الحصول على راحة عاطفيّة تترافق مع زيادة فاعلية الكائن الإنساني.

المفهوم القائل بأن العواطف المكبوتة والدوافع الغريزية، تظهر لاحقاً لكنها تكون متخفيّة تحت ظواهر متنوّعة مثل مشاعر العدوانية أو حتى بعض المشاعر والأفعال المعاكسة للعدوانية والمتعاطفة مع الآخر.

 التفكير بأن الأحلام هي ظاهرة رمزية مركبة، تشبه عملية تطهير نفسي لاشعوريّة (أو تنفيس في اللاوعي)، وتسهم في تحسين الصحة العقلية- النفسيّة.

التنبّه إلى عملية إسقاط مشاعر عدوانية بطريقة لاشعوريّة على آخرين، فيؤدي ذلك الى تصوّرهم كمُضطَهِدين للفرد. وكذلك تُفهَم  تلك العملية بوصفها أساساً لحالة البارانويا والأفكار المشتطة عن الاضطهاد فيها.

ساد جدل كبير عن مسألة التقاطعات الموجودة فعلياً بين فرويد ونيتشه، وانخرط مفكرون كثيرون فيه. وفي كتاب "عن الوجود: بُعدٌ جديد في علم النفس والطب النفسي" (1958)، رأى المتخصص في العلاج النفسي هنري إلليبرغر، وهو ميّال الى الفلسفة الوجودية أيضاً، أنه "كلما طالع المرء كتب نيتشه، يجد فيها رؤىً نفسيّة تتوازى على نحوٍ مذهل مع ما ذهب إليه فرويد، بعدها بعقد أو أكثر". واستند إلليبرغر في ذلك إلى قراءته كتاب "جينولوجيا الأخلاق" لنيتشه، مشيراً إلى أن مقاطع كثيرة فيه تبدو كأنها نصوص فرويديه كاملة تتحدث عن دور الكبت في التكيّف والتأثيرات التي تحدث عندما يتوقف الكبت ويفهم وعي الإنسان ما كان مختبئاً في لاوعيه.

وكذلك أبرز إلليبرغر تقاطع فرويد ونيتشه عند مفهوم "الأنا الأعلى" في الإنسان (أي منظومة القيم في داخله) وهو أمر وضعه نيتشه ضمن مسار تحقيق الإنسان الكامل أو المتفوق، بمعنى ضرورة تحطيمه أولاً ثم إعادة بنائه استناداً إلى إرادة إنسان يكرس نفسه لمفهوم القوة، ويتملّك بها ذاته، ويتخلص عبر القوة أيضاً من تأثيرات المجتمع والدين. (بديهي القول أن فرويد سلك مسارا مختلفا، بل شبه معاكس، في رؤيته عن الأنا الأعلى، في ذلك السياق).

وبحسب إلليبرغر أيضاً، يتقاطع فرويد ونيتشه في ملاحظة ميل الأنا الأعلى إلى السيطرة الكاملة على الوعي، عِبْرَ عمليات كبت واسعة، وازدراء ضخم للغرائز والأهواء والانجذاب والشغف وما إليها، بل شبه السيطرة التامة عليها كليّاً. وكذلك يتوافقان في رؤيتها عن انهيار الأنا الأعلى، وما يتولّد عنه من تفلت عنيف للمكبوت والمقموع.

المزيد من ثقافة