ملخص
يرى اقتصاديون أن موقف موسكو أضعف من أي وقت مضى، بعدما استنفد الكرملين معظم الاحتياطيات النقدية والأموال المقترضة التي غذّت طفرة الإنفاق الحربي.
لا يزال الاقتصاد الروسي قادراً على إبقاء آلة الحرب دائرة، ولكن هل سيقترب من نقطة الانكسار؟، عن ذلك تقول صحيفة "واشنطن بوست"، أن روسيا تواجه اليوم مشكلات متفاقمة في قطاع النفط، واحتمال اندلاع أزمة مصرفية، وضغوط متزايدة على المستهلكين، تلوح في الأفق مع تراجع أسعار النفط الروسي بفعل العقوبات المشددة.
وتضيف إنه وعلى رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن روسيا تمسك بزمام المبادرة في حربها ضد أوكرانيا، يرى اقتصاديون أن موقف موسكو أضعف من أي وقت مضى، بعدما استنفد الكرملين معظم الاحتياطات النقدية والأموال المقترضة التي غذّت طفرة الإنفاق الحربي، والأسوأ، وفق هؤلاء، أن التحديات الحقيقية لم تبدأ بعد.
وتقول الصحيفة إن الصورة تتجه إلى مزيد من القتامة مع تشديد العقوبات الجديدة على قطاع النفط، مما يفاقم أزمة السيولة وقد يقود إلى أزمة مصرفية العام المقبل، حتى في وقت يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التمسك بموقف متشدد في مفاوضات إنهاء الحرب.
وقال مسؤول روسي، طلب عدم الكشف عن هويته للصحيفة، "أزمة مصرفية محتملة… وأزمة تعثر في المدفوعات أيضاً، لا أريد حتى التفكير في استمرار الحرب أو تصعيدها".
وخلال اجتماع هذا الشهر في لندن مع نظيريه الألماني والبريطاني، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن العقوبات الأخيرة بدأت تضعف الاقتصاد الروسي، مضيفاً "يجب أن نواصل هذا الجهد ونبقي الضغط قائماً".
ضربة لقطاع النفط والموازنة
وتزيد العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على عملاقي النفط الروسيين "روسنفت" و"لوك أويل" الضغوط على الموازنة وقطاع الطاقة، في وقت تُجبر فيه موسكو على بيع نفطها بخصومات تتجاوز 20 دولاراً للبرميل.
فقد هبط سعر خام الأورال إلى نحو 35 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ69 دولاراً اعتمدت عليها موازنة 2025 عند إعدادها.
وقال نائب رئيس سابق في "بنك أوف أميركا ميريل لينش" وباحث حالياً في جامعة "هارفارد" كريغ كينيدي، للصحيفة إن "قطاع استخراج النفط ينزلق نحو أزمة، والعقوبات الأخيرة ستسرّع هذا المسار".
وبحسب "رويترز"، يُتوقع أن تتراجع إيرادات النفط والغاز، التي تشكل ركيزة أساسية للموازنة، بنحو 49 في المئة في ديسمبر (كانون الأول) الجاري مقارنة بالعام الماضي، مما يعمّق العجز المالي، في وقت بلغ الإنفاق العسكري مستوى قياسياً، متجاوزاً 149 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام.
وأضاف كينيدي "يمكنك الاستمرار في فرض ضرائب أعلى على الروس أو زيادة الاقتراض لسد العجز، لكن السؤال هو: هل هذا يقوّي موقفك التفاوضي أم يضعفه؟ من الواضح أنه يجعل روسيا أضعف".
كلفة متصاعدة واقتصاد يقترب من الركود
وحتى قبل أن تضرب العقوبات الجديدة الإيرادات بقوة، كان الاقتصاد الروسي يتجه نحو الركود، فقد اضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية تجاوزت 20 في المئة لكبح التضخم، بعد ثلاث سنوات من الإنفاق العسكري المكثف الذي غذّى طفرة في الإقراض ورفع كلفة الواردات بفعل العقوبات.
وعلى رغم خفض الفائدة لاحقاً إلى 16 في المئة، فإن المستويات المرتفعة استنزفت أرباح الشركات واحتياطاتها النقدية، مما أدى إلى توقف الاستثمارات وتراجع الإنتاج في بعض القطاعات وارتفاع حالات التعثر في السداد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية يانيس كلوغه "الاقتصاد الروسي كان يستفيد من أسعار السلع المرتفعة وطفرة الإنفاق، لكن معظم هذه العوامل اختفى، ولهذا تجد روسيا نفسها الآن في أسوأ وضع منذ بداية الحرب".
من جانبها، شبّهت المستشارة السابقة للبنك المركزي الروسي ألكسندرا بروكوبينكو، الاقتصاد بسيارة متوقفة ومحركها يسخن موضحة "لا تتحرك إلى الأمام أو الخلف، لكن كلما طال توقفها تراكمت الأضرار تحت الغطاء".
ديون خفية في النظام المصرفي
في حين يرى خبراء أن التوسع الهائل في الإقراض للشركات خلال سنوات الحرب، إلى جانب فترة الفائدة المرتفعة، زرع مشكلات عميقة في النظام المصرفي.
وتُظهر بيانات البنك المركزي أن القروض المتعثرة لا تزال دون 5 في المئة، لكن هذه الأرقام لا تشمل الإقراض لقطاع الصناعات العسكرية، إذ جرى تخفيف القيود الرقابية.
ويشكّل هذا الإقراض نحو ربع إجمالي قروض الشركات بالروبل، بما يتجاوز 200 مليار دولار، في ما وصفه كينيدي بأنه "كتلة سوداء من الديون غير الشفافة داخل النظام المصرفي".
وحذّر مصرفيون روس في وقت سابق من هذا العام من تنامي الديون المعدومة، فيما قال مركز مقرب من الكرملين إن البلاد قد تواجه أزمة مصرفية نظامية بحلول أكتوبر 2026، إذا استمرت القروض المتعثرة في الارتفاع وبدأ المودعون سحب أموالهم.
تراجع العمالقة ومعاناة المستهلكين
واعتمدت موسكو بكثافة على فرض ضرائب على شركات الطاقة العملاقة لتمويل الحرب، لكنها اضطرت هذا الشهر إلى تمديد إعفاءات ضريبية لـ"غازبروم" و"روسنفت" بسبب الضغوط المالية.
فقد تكبدت "غازبروم" خسائر صافية بلغت 12.9 مليار دولار العام الماضي، بعد فقدان السوق الأوروبية، واستنزفت معظم احتياطاتها النقدية، فيما ارتفع دينها بأكثر من 20 مليار دولار.
أما قطاع النفط، فيواجه أزمة متزايدة، مع تراجع أرباح "روسنفت" بنحو 70 في المئة في الأشهر التسعة الأولى من العام، واضطرار الشركات إلى التركيز على الحقول الأسهل استخراجاً.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأزمة تنعكس على المواطنين. فقد خفّض المستهلكون إنفاقهم على الملابس والسلع المنزلية والرعاية الصحية، بحسب "سبيربنك"، بينما ارتفعت الأجور غير المدفوعة إلى نحو 27 مليون دولار في أكتوبر الماضي، أي ثلاثة أضعاف مستواها قبل عام.
وفي مناطق صناعية ومناجم وفِرق بناء، اشتكى عمال من تأخر الرواتب وتردي ظروف العمل، فيما حذر خبراء من تراكم ديون الأسر وعجزها عن سداد القروض.
وعلى رغم ذلك، لا يتوقع كثيرون في النخبة الروسية أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى اضطرابات اجتماعية أو أن تغيّر حسابات بوتين السياسية.
وقال أكاديمي روسي مقرّب من دوائر دبلوماسية عليا للصحيفة "المشكلات الاقتصادية المتزايدة لن تؤدي إلى أزمة سياسية، لكن العام المقبل سيكون أول عام صعب فعلاً لهذه العملية العسكرية".