ملخص
"بكين استثمرت بكثافة في التعدين والبنية التحتية في دول غنية بالموارد مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي وزامبيا وجنوب أفريقيا وغانا. وأنفقت الشركات الصينية نحو 4.5 مليار دولار على مشاريع الليثيوم في زيمبابوي والكونغو ومالي وناميبيا. ومع هذا النفوذ الواسع في قطاع المعادن، تمكنت الصين من تعزيز قدرة دول أفريقية عدة على الحصول على معدات عسكرية وتكنولوجيا متقدمة".
في وقت يتراجع النفوذ الغربي إثر موجة من الانقلابات العسكرية التي عرفتها القارة، نجحت الصين في الاستحواذ على معظم معادن أفريقيا النادرة ولا تزال تطمح إلى المزيد.
ومنذ أعوام، باتت القارة السمراء مسرحاً لسباق بين القوى الدولية حول مواردها المعدنية مثل الكوبالت والليثيوم وبقية المعادن النادرة التي ازداد الطلب العالمي عليها، إذ تُستخدم في صناعة الطائرات والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي وغيرها.
وبعد تطوير قدراتها على المعالجة والتعدين والتنقيب، اتجهت بكين إلى السيطرة على معادن أفريقيا لتستحوذ على مناجم النحاس في بوتسوانا ومنجم لليثيوم في مالي عام 2024 ومنجم للعناصر النادرة في تنزانيا، مما يسلط الضوء على تمدد صيني في أفريقيا.
تملك اليد العليا
ولا تقتصر اندفاعة الصين نحو أفريقيا على كسب مناجم المعادن النادرة بل تتعداها إلى تطوير البنى التحتية بهدف ربط هذه المناجم والدول بالأسواق العالمية، حيث تعمل على سبيل المثال على تحديث خط تنزانيا – زامبيا الذي يربط مناجم النحاس والكوبالت بالمحيط الهندي.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، أبكر محمد، أن "الصين تبدو اليوم راسخة في القارة الأفريقية أكثر من أي وقت مضى، وعازمة على توسيع حضورها من القاهرة إلى كيب تاون، ومن جزر المحيط الهندي إلى خليج غينيا، وهذا الوجود ليس جديداً، كما أن الجدل الذي يثيره في الغرب ليس طارئاً، لكن ما تغير خلال الأعوام الأخيرة هو طبيعة العلاقة بين الجانبين، إذ أعادت بكين صياغة حضورها في مختلف المجالات، لتصبح لاعباً مركزياً في سلسلة التوريد العالمية عبر استثمارات ضخمة في قطاع التعدين الأفريقي".
وتابع محمد، أن "الصين تملك اليوم اليد العليا في تكرير 90 في المئة من عناصر الأرض النادرة والغرافيت، إضافة إلى 60–70 في المئة من الليثيوم والكوبالت، وهذا التقدم أتاح لها إزاحة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الشريكان التقليديان للدول الأفريقية، اللذان يبذلان حالياً جهوداً مضاعفة للوصول إلى المعادن الحيوية والحد من النفوذ الصيني المتنامي".
وشدد على أن "بكين استثمرت بكثافة في التعدين والبنية التحتية في دول غنية بالموارد مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي وزامبيا وجنوب أفريقيا وغانا. وأنفقت الشركات الصينية نحو 4.5 مليار دولار على مشاريع الليثيوم في زيمبابوي والكونغو ومالي وناميبيا. ومع هذا النفوذ الواسع في قطاع المعادن، تمكنت الصين من تعزيز قدرة دول أفريقية عدة على الحصول على معدات عسكرية وتكنولوجيا متقدمة".
وشدد على أن "هذا التحول يعكس ملامح نظام عالمي جديد تسعى الصين إلى بلورته في مواجهة النفوذ الغربي، مستفيدة من توسع تجمعات مثل مجموعة ‘بريكس‘ وتعزيز التعاون بين دول الجنوب في مجالات التكنولوجيا والتنمية".
منافسة مفتوحة
وأبرز المتحدث أنه "على رغم من ذلك تبقى المنافسة على المعادن الاستراتيجية مفتوحة. فأفريقيا التي تمتلك نحو 30 في المئة من الرواسب العالمية لهذه المعادن تُعد ورقة جيوسياسية كبرى، مما يدفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إبرام شراكات لتأمين احتياجاتهما وتقليل اعتمادهما على الصين".
وأردف، "في هذا السياق، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات استراتيجية مع الكونغو ورواندا وناميبيا وزامبيا، بينما أبرمت الصين اتفاقيات ثنائية مع 11 دولة أفريقية في قطاع التعدين، كما وقعت الولايات المتحدة اتفاقية ثلاثية مع الكونغو وزامبيا لدعم سلسلة توريد متكاملة لبطاريات المركبات الكهربائية، وأخيراً، أبرمت واشنطن اتفاقية المعادن مقابل السلام مع الكونغو ورواندا، في خطوة تُقدم باعتبارها دعماً للاستقرار، إلا أنها تُقرأ في سياق أوسع يرتبط برغبة الولايات المتحدة في تأمين المعادن الاستراتيجية وتقليص نفوذ الصين، أكثر مما تهدف فعلياً إلى إنهاء الصراع في منطقة البحيرات العظمى".
وقال، إن "من الواضح أن صراع النفوذ بين بكين وواشنطن حول المعادن الأساسية سيشتد في معظم أنحاء أفريقيا. وفي خضم هذا التنافس، تحتاج الدول الأفريقية إلى الحفاظ على الحياد والحرص على إبرام شراكات مبنية على المنفعة المتبادلة والتنمية الحقيقية. كما يتعين عليها بلورة استراتيجية واضحة لقطاع الاستخراج، فغياب الرؤية يفتح الباب أمام القوى الخارجية لفرض أجنداتها، بينما تمتلك القارة الإمكانات اللازمة لاستثمار ثرواتها لمصلحة شعوبها".
وخلُص محمد إلى أنه "في المقابل، تقع على عاتق الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مسؤولية التعامل العادل والشفاف مع الدول الأفريقية في قطاع المعادن، بما يضمن تنمية متوازنة على امتداد القارة".
3 مبادئ تمنحها أفضلية
ويمنح هذا التغلغل الصين إمكانية التحكم في توقيت وطرق تصدير المعادن الأفريقية النادرة وأيضاً كلفها، وهو أمر مهم في سوق دولية تشهد تنافساً محموماً.
وقال عضو مجلس الإدارة للجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط نادر رونغ، إن "الصين تبنت ثلاثة مبادئ في علاقتها مع أفريقيا منحتها في الواقع أفضلية لأن تكون الشريك الأول للقارة".
وأضاف رونغ في تصريح خاص قائلاً، "أولاً عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول ومساعدتها في مجالات التنمية والتطور من دون شروط سياسية مسبقة، وثانياً مساعدة أفريقيا على بناء مشاريع ضخمة سواء في البنى التحتية أو غيرها وتحسين الظروف المعيشية للشعوب وبناء قدرات ذاتية للصناعة".
ولفت إلى أن "ثالثاً وهو الأهم امتناع الصين عن المشاركة في مناكفات جيوسياسية أو دعم قوى على حساب أخرى أو خلق مجابهات داخل دول بعينها، وهذا مكنها من أن تصبح شريكاً موثوقاً للأفارقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عقبات أمنية
على رغم من ذلك، لا تبدو طريق الصين للهيمنة على ثروات أفريقيا مفروشة بالورود، إذ يرى كثر أن الاضطرابات الأمنية والانتقادات للشركات الصينية قد تربك خطوات بكين المتسارعة.
يرى الباحث السياسي النيجري المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد أوال، أن "اندفاعة الصين نحو أفريقيا لا يجب أن تحجب الأخطار التي تواجهها بكين وأذرعها، فهناك عقبات أمنية في ظل الاضطرابات في دول مثل مالي أو تنزانيا يمكن أن تكبد الصين خسائر فادحة، وهذا ما حدث بالفعل في تنزانيا أخيراً".
وبين أوال أن "المناجم التي تستغلها الصين كذلك تعرضت لهجمات عنيفة ودموية في دول مثل مالي، ناهيك عن امتناع الشركات الصينية عن الالتزام بمعايير لحماية البيئة والسكان وهو ما دفع حكومة الكونغو الديمقراطية قبل أسابيع إلى تعليق عمل إحدى هذه الشركات بعد تسرب ملايين الأمتار المكعبة من المواد الكيماوية قرب مدينة لوبومباشي".
وأشار إلى أن "هذه المعطيات مجتمعة تضع استثمارات الصين الهائلة في أفريقيا على محك حقيقي".