ملخص
العلاقة العميقة بين الذاكرة الضمنية وأنماط التعلق لدى البشر، وكيف ترسم التجارب المبكرة المخزنة قبل النطق والمشي بعيداً من مجال الوعي، خرائط علاقاتنا مدى الحياة.
فخلال مرحلة الطفولة (قبل أن نتمكن من تكوين ذكريات صريحة واعية) تخزن تجاربنا مع مقدمي الرعاية على شكل ذكريات ضمنية لا واعية، تشفر كأنماط من المشاعر والأحاسيس الجسدية والارتباطات غير اللفظية، ثم تصبح هذه الذكريات أساساً لنماذج العمل الداخلية الخاصة بنا وبالآخرين، وبمجرد لقائنا شخصاً يشبه واحداً من مقدمي الرعاية في طفولتنا (الذي ارتبطنا معه بجروح طفولة كجرح الهجر أو الرفض وغيرها)، نلتقط منه مجموعة من الإيحاءات التي تحرك الذاكرة الضمنية.
يقول جان بول سارتر "الآخرون هم الجحيم"، وفيما تتعدد تفسيرات هذه العبارة فإنها تبدو وكأنها إسقاط كامل للمسؤولية الشخصية على الآخرين. ففي حين أنه بإمكان علاقاتنا من الآخرين أن تحدد مدى سعادتنا، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتقنا في فهم أنفسنا أولاً، أي معرفة مصدر ردود فعلنا المبالغ فيها، والتنقيب في جذر المشكلة، فهناك تفاعل معقد بين علاقاتنا وما يختفي في أعماقنا من خبرات لا واعية وتجارب مخزنة.
في هذا المقال نستكشف العلاقة العميقة بين الذاكرة الضمنية وأنماط التعلق لدى البشر، وكيف ترسم التجارب المبكرة المخزنة بعيداً من مجال الوعي، خرائط علاقاتنا مدى الحياة.
الذاكرة الضمنية
هي نوع من نوعين رئيسين للذاكرة البشرية طويلة الأمد، ففي حين يتم استخدام الذاكرة الصريحة بصورة متعمدة (تذكُّر حدث ماضٍ أو تذكر موعد خلال اليوم)، تبرز الذاكرة الضمنية بشكل تلقائي بمجرد البدء بالفعل (ركوب الدراجة أو ربط أشرطة الحذاء أو استخدام أداة ما تدربت عليها مسبقاً)، وأبرز صورها شيوعاً هي الذاكرة الإجرائية، التي تسمح بأداء مهمة معينة من دون الوعي بتجاربها السابقة، فهي تتضمن التعلم الأولي وتعمل تلقائياً خارج نطاق إدراكنا الواعي، إذ يتم اكتسابها بصورة لا واعية، وتخزن بها معرفة ضمنية تؤثر في أفكارنا وسلوكياتنا من دون وعي منا.
من هنا نستطيع القول إن الذاكرة الضمنية تؤثر في مهاراتنا وتكسبنا قدرات خاصة وسرعة في أداء المهام الكبيرة بتلقائية ويسر، فهي تحفظ مجموعة تجارب سابقة متعلقة بمهمة ما، على شكل برنامج خاص مشفر، ثم يكفي أن نضغط على زر المهمة حتى نؤديها من دون تفكير. لكن في الوقت نفسه يمكن أن تتحول هذه الميزة العظيمة إلى مسبب لعقدة حياة في حال حدث التالي.
الانطباعات الأولى
تؤثر الذاكرة الضمنية في تكوين الانطباعات الأولى والتقييمات التلقائية، إذ تختزن هذه الذاكرة تجارب سابقة تتضمن مواقف مع أشخاص مشابهين وخبرات طفولة بصورة عامة، مما يؤدي إلى تكوين انطباعات فورية عن شخص بمجرد لقائه للمرة الأولى، بالتالي قد نشعر براحة أو ريبة تجاه شخص ما بناءً على هذه الذكريات الضمنية اللاواعية لأشخاص مشابهين له في الماضي، سواء كان هذا الشبه على المستوى الجسدي الظاهر أو على مستويات طاقية أعمق.
وفي السياق ذاته ستحدد كيفية تفاعلنا في هذه المواقف من خلال ضبط وضعية الجسد ونظرات العيون ونبرة الصوت وغيرها، كما بإمكانها أن تساعدنا على تفسير مشاعر الآخرين بسرعة من خلال مجرد تعابير وجههم أو نبرة صوتهم، بناءً على تجارب عاطفية مخزنة مسبقاً.
أنماط التواصل الاجتماعي
من هنا يتشكل أسلوبنا في العلاقات وأنماط تواصلنا الاجتماعي ونمط التعلق لدينا، إما تعلق آمن أو تعلق قلق ومتجنب (طبيعي أم مَرَضي). في نمط التعلق الآمن توحي لك المعرفة الضمنية بأن التواصل آمن وموثوق تغذيها تجارب آمنة مستدامة، في حين تخبرك بأن التواصل غير آمن ولا يمكن الوثوق به في حال تلقي رعاية غير متسقة، في حال النمط غير الآمن.
وتعد الذاكرة الضمنية الوعاء الذي تختزن فيه تجارب التعلق المبكرة وتشكل من خلاله الأنماط التي تحدد طريقة استجابتنا في العلاقات. وتؤكد الدراسات العلمية أن الذاكرة الضمنية تشكل أساسَ ما لدينا من أنماط تعلق، إذ تُخزن التجارب المبكرة المرتبطة بالتعلق (كالأحاسيس الجسدية والأنماط العاطفية والسلوكيات غير اللفظية)، مما يعكس بصورة مباشرة على سلوكياتنا وتوقعاتنا واستجاباتنا في العلاقات عند البلوغ، من دون أن نُدرك سبب ردود فعلنا في الغالب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كيف تتشكل أنماط التعلق في الذاكرة الضمنية؟
تُشفر تجارب التعلق في الطفولة المبكرة على شكل ذكريات غير واعية وغير لفظية، تشكل معتقداتنا وسلوكياتنا الأساسية في العلاقات، وتضع هذه الذكريات الضمنية أساس أسلوب تعلقنا، مؤثرة في كيفية تفاعلنا مع الآخرين وما إذا كنا نشعر بالأمان أو القلق في العلاقات، وتحدد التوقعات اللاواعية التي نحملها في علاقاتنا.
فخلال مرحلة الطفولة (قبل أن نتمكن من تكوين ذكريات صريحة واعية) تخزن تجاربنا مع مقدمي الرعاية على شكل ذكريات ضمنية لا واعية، تُشفر كأنماط من المشاعر والأحاسيس الجسدية والارتباطات غير اللفظية، ثم تصبح هذه الذكريات أساساً لنماذج العمل الداخلية الخاصة بنا وبالآخرين، وبمجرد لقائنا شخصاً يشبه واحداً من مقدمي الرعاية في طفولتنا (الذي ارتبطنا معه بجروح طفولة كجرح الهجر أو الرفض وغيرها)، نلتقط منه مجموعة من الإيحاءات التي تحرك الذاكرة الضمنية.
وقد تدفعنا الذاكرة الضمنية إلى استجابات تلقائية في أثناء النزاعات، فتقودنا للرد بشكل دفاعي أو عدواني في حال أثار الموقف ذكريات ضمنية متعلقة بصراعات أو خيبات سابقة، في الوقت ذاته يمكن أن تساعدنا في تهدئة أنفسنا بالتأثر بأنماط مكتسبة سابقاً، تعلمنا فيها كيفية التعامل مع الغضب أو المشاعر السلبية في وقت ما في الماضي، أو تساعدنا على التعاطف مع الآخرين والشعور بآلامهم أو أفراحهم، إذ تنشط هذه القدرة من خلال ذكريات ضمنية لمشاعر مماثلة بنا، في حين نواجه صعوبة في فهم مشاعر الآخرين إذا لم تكن لدينا معرفة ضمنية مشابهة.
والأكيد أنه يمكن لذاكرتنا الضمنية أن تجعل تفاعلاتنا الاجتماعية أكثر كفاءةً، لكن قد تقيدنا في الوقت ذاته بنماذج الماضي السلبية، من هنا بإمكاننا أن نختار إما الاستفادة من هذه القدرة العظيمة الموجودة في عقولنا أو أن نتركها تسيطر على استجاباتنا من دون حول لنا ولا قوة.
كذلك يمكننا التخفيف من تأثيراتها السلبية من خلال مراقبة ردود فعلنا التلقائية ومحاولة تعقب مصادرها، والطريقة الأفضل هي التدريب على طرح أسئلة توضيحية قبل الافتراض المسبق، الأمر الذي يساعد في إبطاء ردود الفعل وترك مساحة للتواصل الواعي.