Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمن الغذائي المغربي على المحك بين الجفاف وسياسات التصدير

تغير السياسات الزراعية واتجاه البلاد لتصدير الحمضيات مقابل استيراد الحبوب

عندما أُطلق المخطط الأخضر عام 2008، وُعد المغاربة بأن الفلاحة ستصبح قاطرة نموذجية للنمو (مواقع التواصل)

ملخص

مسألة الأمن الغذائي في المغرب لم تعد سؤالاً تقنياً، بل صارت سياسية بامتياز، تتعلّق بجوهر الخيارات الكبرى للدولة

أصبح المغرب من بين أهم مستوردي الحبوب على المستوى العالمي، وذلك جراء تزايد الطلب الداخلي بسبب تداعيات سبعة أعوام متتالية من الجفاف، إذ قدر تقرير لوزارة الزراعة الأميركية حجم واردات المملكة من القمح لموسم 2025-2026 بـ 10.5 مليون طن، وعلى رغم أن البلاد شرعت منذ 2008 في العمل ببرامج لتطوير مجالها الفلاحي والبحري بهدف تأمين الاكتفاء الذاتي، فإن الاختلالات الكثيرة التي شهدتها تلك البرامج عصفت بأمنها الغذائي.

حاجات ضخمة

أُرغمت الحكومة المغربية على الزيادة في مستوى استيرادها بعض المواد الفلاحية، بسبب تراجع مستوى مخزون القمح عام 2022 (تغطية حاجات أربعة أشهر فقط)، وأسهم انخفاض سعر تلك المادة في السوق العالمية إلى توجه المملكة لكثير من الموردين، إذ تنوي استيراد 5.5 مليون طن من فرنسا، واستوردت من روسيا 1.5 مليون طن حتى الآن، فيما صدرت الولايات المتحدة، ما بين يونيو (حزيران) 2024 إلى مايو (أيار) 2025، ما يقارب 61 ألفاً و700 طن من القمح الأحمر الصلب.

من ناحية أخرى تصدر المغرب لائحة الدول المستوردة للحوم الأوروبية، إذ بلغت وارداته 16472 طناً من لحوم الأبقار والحيوانات الحية خلال النصف الأول من العام الحالي، بحسب إحصاءات المفوضية الأوروبية، إضافة إلى اللحوم المستوردة من أستراليا والبرازيل وإسبانيا، وأسهم تراجع حجم الماشية بسبب الجفاف في إلغاء شعيرة ذبح الأضحية خلال العام الحالي.

اختلالات التخطيط

اعتمد المغرب خلال عام 2008 "المخطط الأخضر" (2008-2020)، و"الجيل الأخضر" (2020-2030) من أجل تطوير المجال الفلاحي، ومن ثم المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي، لكن مراقبين يرون أن فشل المخططين يرجع إلى تهميشهما الحاجات الداخلية والتركيز على مجال التصدير.

يوضح المحامي والناشط الحقوقي، عبدالمولى المروري، أن مسألة الأمن الغذائي في المغرب لم تعد سؤالاً تقنياً يُلقى على متخصصي الزراعة والماء، بل صارت سياسية بامتياز، تتعلق بجوهر الخيارات الكبرى للدولة، وبالطبيعة العميقة للنموذج التنموي الذي سُوِّق لأكثر من عقد بوصفه نموذجاً ناجحاً قادراً على تحويل الفلاحة إلى قاطرة للاقتصاد والتنمية، مشيراً إلى أن "مشاهد الغلاء، وارتفاع أسعار الخبز وكل المواد الغذائية، واضطراب سلاسل التوريد، وعودة المغرب إلى صدارة مستوردي القمح في العالم، تكشف عن حقيقة مفادها أن ما بُني خلال 15 عاماً في الحقول اهتز في لحظة عندما بخلت الغيوم بمائها، وتراجع منسوب الأمطار".

 

 

ويشير الناشط الحقوقي إلى أنه عندما أُطلق المخطط الأخضر عام 2008، وُعد المغاربة بأن الفلاحة ستصبح قاطرة نموذجية للنمو، وفعلاً، حققت الأرقام الماكرو-اقتصادية بريقاً سريعاً مع ارتفاع الاستثمارات، وارتفاع الصادرات نحو أوروبا، وصور مشرقة عن "التحول الفلاحي"، لكن خلف هذا البريق، كان هناك مسار آخر يسير في خط موازٍ مرتبط بتراجع تدرجي لمساحات الحبوب والقطاني، وتحول الأرض والماء نحو محاصيل نقدية (من أجل المال) موجهة للتصدير كالطماطم والأفوكادو والبطيخ والحوامض، أي نحو منتوجات لا يأكلها المغربي يومياً بقدر ما تستهلكها الأسواق الأوروبية تحت ذريعة الحصول على العملة الصعبة، ومن ثم نجح المخطط الأخضر في إحداث "اقتصاد فلاحي"، وأسهم في رفع قيمة الصادرات، و في ظهور الأغنياء الجدد في الحقول، لكنه فشل في تأمين سيادة غذائية، وتقليص الواردات الحيوية، وفي حماية الفلاح الصغير.

 من جانبه يؤكد رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، حسن آيت علي، أن مخطط المغرب الأخضر كان يستهدف أساساً تطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين تنافسية الفلاحة المغربية، وجذب الاستثمارات، وقد حقق بالفعل نتائج إيجابية في عدد من القطاعات التصديرية، إلا أن تقييم تأثيره في الأمن الغذائي الوطني يبرز وجود اختلالات واضحة، بخاصة في ما يتعلق بتحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الأساسية مثل الحبوب والقطاني والزيوت، لأن السياسات الفلاحية خلال العقدين الأخيرين ركزت بدرجة أكبر على الفلاحة ذات القيمة المضافة العالية الموجهة للتصدير (كالخضر والفواكه والحوامض)، بينما بقيت الفلاحة الأساسية المرتبطة بالأمن الغذائي أقل استفادة من الدعم والاستثمار.

اعتمد المغرب مخطط "الجيل الأخضر" (2020–2030) لضمان استمرارية "تطوير الفلاحة" التي اعتمدها "المخطط الأخضر"، لكنه استمر في المنطق نفسه، بحسب الناشط الحقوقي، عبدالمولى المروري، الذي أشار إلى أنه على رغم تغيير المخطط الجديد الصيغة التي اعتمدها سابقه، عبر استخدام مفردات جميلة مثل "الاستدامة" و"السيادة الغذائية"، فإن جوهر الاختيارات بقي على حاله، عبر اعتماد اقتصاد فلاحي موجه للخارج، على حساب الأمن الغذائي الداخلي.

التفريط في البذور

بعدما كان المغرب يمتلك تنوعاً مهماً في مجال البذور أصبح يغطي ثلثي حاجاته من تلك المواد عبر الاستيراد، إذ يوضح رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك أن "فقدان المملكة 'السيادة البذرية' يعد من أكبر تحديات الأمن الغذائي بالمغرب، إذ كانت تمتلك تنوعاً بذرياً مهماً، لكنها عرفت خلال العقود الأخيرة تراجعاً في برامج البحث الزراعي المتخصصة في تحسين البذور المحلية، وتوجهاً متزايداً نحو استعمال بذور مستوردة هجينة تعتمد على شركات متعددة الجنسيات"، مضيفاً أنها شهدت غياب سياسة عمومية واضحة لحماية الأصول الوراثية الوطنية وربطها بالسيادة الغذائية، وكنتيجة مباشرة، أصبحت أكثر من 70 في المئة من البذور المستعملة في بعض القطاعات الزراعية مستوردة، وهو ما يجعل الإنتاج الفلاحي خاضعاً لتقلبات الأسواق الدولية وشركات الإمداد، و هو ما يؤثر في القدرة الاكتفائية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه، يوضح عبدالمولى المروري أنه منذ تسعينيات القرن الماضي، ومع الانخراط في الاتفاقات التجارية وأنظمة حماية الأصناف النباتية، انتقل المغرب تدريجاً من نظام "البذور المحلية" إلى نظام "البذور المختارة والهجينة"، التي تتحكم فيها شركات دولية ومحلية كبيرة، إذ يعني ذلك التحول أن الفلاح لم يعد يحتفظ ببذوره كما كان يفعل طوال قرون، وأن البذرة أصبحت سلعة تخضع للترخيص والشراء الموسمي، وأن الأمن الغذائي أصبح رهيناً بخطوط إمداد خارجية.

اختلالات في البر والبحر

أطلق المغرب عام 2009 إستراتيجية "أليوتيس" بهدف المحافظة على ثروته السمكية ومحاربة الصيد غير القانوني، لكنها ركزت بدورها على الصادرات على حساب الاحتياجات الداخلية، إذ نبه الخبير في الفلاحة والصيد البحري، محمد الناجي إلى "النزيف الذي تشهده الثروة السمكية، مما أدى إلى تراجع كثير من المصايد، وانتشار الصيد الجائر الذي يهدد استدامة القطاع على المدى الطويل"، موضحاً أن تركيز "ليوتيس" على تعزيز الصادرات أكثر من تلبية احتياجات السوق المحلية، وازدياد الطلب الخارجي وارتفاع أسعار المنتجات السمكية، أسهم في توجيه جزء كبير من الإنتاج نحو التصدير، مما نتج عنه حرمان شريحة واسعة من المغاربة من المنتجات السمكية العالية القيمة واقتصارهم على الأنواع الرخيصة مثل السردين.

رد على الاتهامات

في رده على الاتهامات الموجهة للمخطط الأخضر الذي اعتمده عندما كان وزيراً للفلاحة، أوضح رئيس الحكومة المغربية الحالي، عزيز أخنوش، أنها بعيدة عن الحقيقة في ظل وجود نتائج إيجابية تحققت في القطاع الزراعي، مشيراً إلى إسهام المخطط في مضاعفة الناتج الداخلي الخام الزراعي الذي فاق 127 مليار درهم (ما يناهز 13 مليار دولار) عام 2021، وفي نمو الصادرات بثلاثة أضعاف، مع مساهمته في إنشاء أكثر من 50 مليون يوم عمل إضافي، بنسبة تشغيل بلغت 75 في المئة في الوسط القروي، كذلك عمل على تحسين متوسط الدخل الفلاحي بالقرى بنسبة 66 في المئة، مضيفاً أن نسبة تغطية الحاجات الاستهلاكية الأساسية من اللحوم الحمراء والدواجن والبيض والخضر والفواكه والحليب خلال الفترة بين 2008 و2020 تراوح ما بين 98 و100 في المئة، إضافة إلى تقليص عجز الميزان التجاري الفلاحي، إذ انتقلت تغطية الواردات بالصادرات الفلاحية من 49 في المئة عام 2008، إلى 65 في المئة عام 2020.

من جانبها، أكدت الكاتبة العامة لقطاع الصيد البحري بوزارة الفلاحة والصيد البحري، زكية الدريوش، أنه في سبيل الحفاظ على الثروة السمكية، يتضمّن مخطط "أليوتيس" إجراءات لحماية مصايد الأسماك الموجهة للتسويق، من خلال تطوير مراقبة سُفن الصيد البحري عبر الأقمار الاصطناعية، إذ يتم تجهيز كل السفن التي تعمل في المياه المغربية بجهاز ’VMS‘ الذي يمكن من تحديد موقعها، والتأكد من مدى احترامها للراحة البيولوجية، وعدم صيدها في المناطق الممنوعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير