ملخص
الحبر الأعظم وبصفته رمزاً دينياً عالمياً وقائداً روحياً لأكثر من مليار كاثوليكي حول العالم، يتموضع في قلب معادلة معقدة تجمع بين التأثير الروحي والثقل السياسي والرمزية الحضارية التي تتجاوز حدود الفاتيكان. هذا المزيج يجعله هدفاً بالغ الحساسية، ويضعه في دائرة أخطار لا تقل عن تلك التي يواجهها كبار زعماء الدول، بل تفوقها في بعض الأحيان
من يشاهد البابا وهو يلوّح من داخل "الباباموبيل" وسط حشود مئات الآلاف قد يظن أن المشهد برمته طقس احتفالي لا أكثر، لكن خلف الزجاج المضاد للرصاص، وخلف ابتسامة الحبر الأعظم، تقف واحدة من أكثر المنظومات الأمنية تعقيداً في العالم، والسؤال البديهي الذي يطرح مع كل زيارة خارجية يقوم بها، لماذا يحتاج البابا، رجل الصلاة والوعظ بالسلام، إلى حماية قد تفوق أحياناً ما يخصص لكبار زعماء الدول؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً كلما اقتربت زيارة بابوية من منطقة مضطربة أمنياً، كما هي الحال في الشرق الأوسط ولبنان، الذي يستقبل البابا لاوون الرابع عشر حالياً، آتياً من تركيا.
وهنا يأتي الجواب أن الحبر الأعظم وبصفته رمزاً دينياً عالمياً وقائداً روحياً لأكثر من مليار كاثوليكي حول العالم، يتموضع في قلب معادلة معقدة تجمع بين التأثير الروحي والثقل السياسي والرمزية الحضارية التي تتجاوز حدود الفاتيكان. هذا المزيج يجعله هدفاً بالغ الحساسية، ويضعه في دائرة أخطار لا تقل عن تلك التي يواجهها كبار زعماء الدول، بل تفوقها في بعض الأحيان.
زعيم روحي أم لاعب سياسي عالمي؟
من الناحية الشكلية والمتعارف عليه، البابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية وزعيم دولة الفاتيكان، أي إنه يجمع بين صفتين فهو زعيم ديني لمسيحيين كاثوليك يفوق عددهم ملياراً حول العالم، وفي الوقت عينه رأس دولة معترف بها دولياً لها تمثيل دبلوماسي وعلاقات سياسية مع معظم دول العالم.
هذا المزيج بين السلطة الروحية والتأثير السياسي يجعل البابا شخصية استثنائية، فتصريح واحد منه في شأن حرب أو أزمة إنسانية قد يغيّر المزاج الدولي أو يضغط معنوياً على حكومات وأنظمة، من هنا تصبح أي محاولة لاستهدافه رسالة عالمية أكثر مما هي جريمة محلية بطابع ديني.
ناهيك بأن استهداف رئيس دولة، مهما كان حجمها عالمياً، قد يكون جزءاً من نزاع سياسي محدد، أما استهداف البابا فيُقرأ كضربة موجهة إلى رمز ديني عالمي، مما يعني حكماً حدثاً غير مسبوق.
حضور دائم في المساحات المفتوحة
جزء من صورة البابا أنه "راعٍ بين الناس"، لا حاكم خلف الجدران، لذلك تُقام معظم احتشاداته في ساحات عامة وميادين ومدن مفتوحة إن كان في الفاتيكان وتحديداً في ساحة القديس بطرس، حيث يصعب الوصول إلى "صفر خطر"، هذه الحشود الضخمة تجعل إدارة الأمن كابوساً حقيقياً، لأن أي اختراق بسيط قد يتحول إلى كارثة.
أضف إلى ما سبق أن التهديد باغتيال البابا أو التعرض له لا يأتي فقط من خصوم سياسيين، بل من جماعات متطرفة دينية ترى فيه عبر التاريخ "الخصم العقائدي"، وأيضاً من تنظيمات إرهابية تبحث عن هدف رمزي، إلى جانب أفراد يعانون اضطرابات نفسية أو هوساً دينياً، لذلك تتعامل الأجهزة الأمنية في حماية البابا مع طيف واسع من الأخطار.
من البابا بولس السادس إلى يوحنا بولس الثاني
تاريخ البابوية شهد حوادث عنف متفرقة، لكن المنعطف الأكبر كان في النصف الثاني من القرن الـ20، مع تصاعد الإعلام الجماهيري وبروز الإرهاب العالمي كأداة سياسية.
عام 1970 خلال هبوط البابا بولس السادس في مطار مانيلا في الفيليبين، تقدم رجل يرتدي زي كاهن وطعن الحبر الأعظم بسكين في صدره قبل أن يسيطر عليه الحرس. أصيب البابا إصابة طفيفة ونجا، لكن الحادثة شكلت جرس إنذار مبكر حول هشاشة سلامة البابا خلال الجولات الخارجية.
ثم أتى عام 1981، حين أطلق التركي محمد علي آغجا النار على البابا يوحنا بولس الثاني في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، وأصابه بجروح خطرة في البطن واليد. نجا البابا بعد إجراء جراحة طويلة، واعتبر نجاته "معجزة"، لكن النتيجة الأمنية كانت حاسمة، إذ حصل تشديد غير مسبوق لإجراءات الحماية الخاصة بالحبر الأعظم، كذلك تقرر إطلاق عصر سيارة البابا الخاصة التي تعرف بـ"الباباموبيل" المصفحة، وأعيد إعادة تعريف مفهوم "الظهور العلني" للحبر الأعظم.
وهذه السيارة الخاصة مرتفعة وتسمح للناس برؤيته بوضوح، وفيها قمرة شفافة بزجاج مضاد للرصاص إضافة إلى أنظمة اتصال وإنذار متطورة، مع استعداد دائم للتدخل من الحرس السويسري والأجهزة المضيفة.
ومع ذلك، يختار بعض الباباوات أحياناً سيارات أقل تحصيناً، في توازن حساس بين رسالة القرب من الناس وضرورات الأمن، بخاصة بعدما أدرك الفاتيكان والعالم أن البابا هدف حقيقي، وأن الرمز الروحي لا يحصنه من الرصاص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العنف يطاول الكرسي الرسولي عبر القرون
إلى جانب بولس السادس ويوحنا بولس الثاني، شهد التاريخ البابوي حوادث ومحاولات أخرى تستحق الذكر، لأنها تفسر إلى حد بعيد تشدد الفاتيكان في حماية رؤسائه.
يُعتبر البابا يوحنا الثامن، الذي تولى الكرسي الرسولي في القرن التاسع الميلادي، أول بابا يُقتل، إذ تشير روايات وتقارير إلى أنه سمم، ولما لم يمت من السم تعرض للضرب حتى الموت، ومقتله أتى في سياق صراعات سياسية داخل روما، في حادثة تعكس قدم الصراع على السلطة داخل الكنيسة وخارجها.
والتقارير نفسها تكشف أن البابا بونيفاس الثامن تعرض خلال القرن الـ14 لاعتداء عنيف على يد رجال موالين لملك فرنسا في بلدة أناني الإيطالية. لم يُقتل مباشرة، لكنه توفي بعد أسابيع متأثراً بالصدمة الجسدية والنفسية، مما يجعل كثراً يصنفون ما حصل كنوع من "اغتيال غير مباشر" مرتبط بالصراع السياسي بين الفاتيكان والتاج الفرنسي.
محاولة اغتيال البابا فرنسيس
في العصر الحديث، ومع شخصية منفتحة مثل البابا فرنسيس، عاد السؤال حول مدى جدوى الانفتاح في مواجهة الخطر، ففي مذكراته الأخيرة، كشف البابا الراحل أنه خلال زيارته التاريخية إلى العراق عام 2021، جرى إحباط محاولتين لاغتياله في مدينة الموصل، عبر مخططين انتحاريين تم إفشالهما من قبل أجهزة الأمن العراقية وبمساعدة استخبارات أجنبية.
هذه المعطيات تُظهر أن التهديد لم يتراجع، بل تكيف مع بيئات جديدة، وأن زيارة بابوية إلى منطقة نزاع تبقى مخاطرة أمنية عالية الكلفة.
ومن كل ما سبق، يعتبر كثر أن الحماية هنا ليست نقيض "القداسة" أو بعداً من الناس، بل وسيلة لضمان أن يبقى صوتها مسموعاً، وأن لا تنجح رصاصة واحدة في إسكات رمز يلتقي عنده المؤمنون وغير المؤمنين على فكرة واحدة أن حياة الإنسان، مهما كان موقعه، ليست هدفاً مشروعاً في أي صراع.