ملخص
مع التحولات الكبيرة التي تشهدها السينما عالمياً وعربياً، وفي خضم الطفرة الإنتاجية السعودية الحديثة التي تلامس بها الإنتاج العالمي من ناحية الإمكانات، يبدو أن القطاع السينمائي السعودي يواجه إشكالات معرفية ومنهجية تتعلق بالنقد الفني والبحث العلمي والمعرفة الذاتية للمتلقي من وحي المحتوى البصري للفيلم، الذي يدور حوله خلاف بين كونه بحثاً علمياً أو عملاً فنياً فقط.
على رغم مضي ما يقارب القرن على ظهور السينما بصورتها الناطقة، فإن تأثيرها في الثقافة الإنسانية فاق إطارها الزمني مقارنة بباقي الفنون، بعدما أضحت الوسيط الأمثل والأشهر والأكثر شيوعاً لنقل التجارب الإنسانية المعقدة بصورة دقيقة ومحددة ومتكاملة، فقلما تجد فرداً، مهما كانت درجة اطلاعه واهتمامه بالثقافة والفنون، لم يعلق بذاكرته مشهد معين أو شخصية ما، وذلك لما للسينما من قدرة فائقة على الارتباط بالذاكرة الفردية والجمعية، وفي أحيان، تشكيل الصورة العامة عن الأشخاص والأحداث والفترات.
منارات للمعرفة في فضاء متنامٍ
نظراً إلى تمازج عناصر فنية كثيرة في وسيط واحد، شكلت السينما بصوتها وصورتها وأزيائها وموسيقاها ومواقع تصويرها الوسيط الإبداعي الأكثر وضوحاً وشمولاً للسرد القصصي وحمل الرؤى الإبداعية، إلا أن "التفاصيل تصنع الكمال، على رغم أن الكمال ذاته ليس بتفصيل" في القول المنسوب إلى دافينشي، ومن تلك الرؤية، انطلق مفهوم المحتوى السينمائي الذي ارتبط بالسينما منذ بداياتها، ليقرب أعمالها أكثر إلى الكمال.
ومع توسع السينما وتبحرها في شتى أفلاك الفكر والتاريخ والهواجس المجتمعية صار المحتوى السينمائي الرفيع حاجة أساسية لمتذوقي السينما، تكمل تجربتهم وتجلو عن بعض المفاهيم والمشاهد غموضها، وتتم رؤية صانع الفيلم وتكشف عن جوانب جديدة في الفيلم قد تكون غير ظاهرة لصانع الفيلم نفسه.
لفترة طويلة بقي المحتوى السينمائي جزءاً بسيطاً ضمن فضاء الإعلام والصحافة، وأحياناً رهين رفوف المكتبات ومراكز أبحاث الفكر والثقافة وكليات الفنون ومعاهد السينما، ومع تغير الحال مع النهضة التقنية وتطور موارد المحتوى الرقمي، إلا أن جواهر ومواد ثمينة كثيرة في مجال المحتوى السينمائي لم تجد طريقها إلى أيدي القراء الشغوفين.
وفي أبريل (نيسان) الماضي أطلقت هيئة الأفلام السعودية المبادرة المعرفية "سينماء" لتنمية المحتوى السينمائي في الفضاء الثقافي، عبر تقديم الدراسات والأبحاث والمؤلفات التخصصية في مجال السينما، لتكون حلقة وصل بين الباحثين والقراء، وذلك لسد الفجوات المعرفية في مجال الأفلام، بحسب ما يوحي به شعارها "ليكتمل المشهد"، وتزامناً مع لفت النظر إلى عدد واسع من المواد التي لم تلقَ الاهتمام الذي يتناسب مع جودتها وعمق مضمونها وأرشفتها وحفظها في منصة سهلة الوصول.
لتدوم السينما
تتناول مجموعة من المواد المعرفية المقدمة ضمن مبادرة "سينماء" جانب الأرشفة والأرشيف، لما له من دور بالغ في حفظ الإنتاج السينمائي والمواد المعرفية المرتبطة به، إذ توثق كثير من المواد التي تزخر بها خزائن الأرشيف حول العالم مراحل مهمة من تاريخ تطور السينما، وإضاءات معرفية ذات ارتباط جوهري بأبرز الأعمال والتصنيفات والظواهر السينمائية التي نشأت وتطورت خلال القرن الماضي، وإيماناً بدور الأرشيف في إثراء الفضاء السينمائي، قدمت المبادرة عدداً من المقالات والجلسات والكتب والورش المسجلة التي تناولت الجوانب المهنية والأخلاقية للعمل في الأرشفة، إضافة إلى التحولات التقنية والأسلوبية والدرامية في الحقب المختلفة للسينما.
مرحبًا بكم في حساب #مبادرة_سينماء.
— سينماء (@Cinamaa) April 16, 2025
مبادرةٌ معنيةٌ بتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي، وفصلٌ جديدٌ في مشهدنا السينمائي والثقافي يزدهر بكم.#ليكتمل_المشهد pic.twitter.com/Y5qqydtYOo
تقتبس "سينماء" باستمرار مواد تواكب الأحداث والتغيرات المستمرة لمجال السينما والشأن العالمي عموماً، إذ تقدم صفحات المبادرة في وسائل التواصل الاجتماعي نظرة بانورامية لواقع السينما المتجدد من خلال عدسة المحتوى السينمائي، من داخل مكتبة المبادرة وخارجها، وعزز من ذلك الدعوة المفتوحة التي أعلنتها المبادرة لمختلف المتخصصين والباحثين لتقديم أوراقهم البحثية لتنشر في صفحات المبادرة، إذ تستقبل وتقيم الأوراق البحثية المرسلة عبر أسس ومنهجيات أكاديمية واضحة ومحددة وضحها الإعلان الرسمي.
تنوع فني
وحرصت المبادرة على مواكبة الأيام العالمية والمناسبات الفنية ذات العلاقة بمجال السينما وجمالياته، ففي اليوم العالمي للسينما احتفت "سينماء" بعدد من الأفلام السعودية التي شكلت للجماهير تجارب سينمائية فريدة، بوصف مختصر لما يميز كل منها، ودورها في نقل صورة مختلفة عن كل جانب من الجوانب الثقافية السعودية.
وفي اليوم العالمي للتراث السمعي البصري نظمت المبادرة أمسية سينمائية في بيت السينما بالرياض، احتفاءً بالصورة بصفتها الأداة الأبرز لحفظ الموروث الإنساني، حيث أقيمت جلسة حوارية عن الأرشفة الصورية ودورها في حفظ الذاكرة الجمعية، وقيمة الصورة في إبراز الجمال الإنساني وسط التحولات والتحديات التاريخية.
وفي ظل مهرجان البندقية السينمائي في دورته الـ82 استعرضت مبادرة "سينماء" عدداً من الأفلام العربية التي عرضت في المهرجان، وما جسدته من نواحٍ فريدة من الواقع العربي، مسلطة الضوء على جوانب خفية من تاريخ المنطقة العربية وظواهرها الاجتماعية التي لا تصلها الأنظار في أحيان كثيرة.
وعلى هامش مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2025 سلطت "سينماء" الضوء عبر حساباتها الرقمية على عدد من الأفلام العربية التي عرضت في المهرجان، مع معلومات عنها تعكس القيمة السينمائية والثقافية الجوهرية لتلك الأفلام، التي كان من ضمنها فيلم "المجهولة" لهيفاء المنصور.
طفرة إنتاجية
ومع التحولات الكبيرة التي تشهدها السينما عالمياً وعربياً، وفي خضم الطفرة الإنتاجية السعودية الحديثة التي تلامس بها الإنتاج العالمي من ناحية الإمكانات، يبدو أن القطاع السينمائي السعودي يواجه إشكالات معرفية ومنهجية تتعلق بالنقد الفني والبحث العلمي والمعرفة الذاتية للمتلقي من وحي المحتوى البصري للفيلم، الذي يدور حوله خلاف بين كونه بحثاً علمياً أو عملاً فنياً فقط.
هناك مدارس نقدية تعتبر الفيلم السينمائي بحثاً قائماً بذاته، وهو ما يؤيده الناقد السينمائي طارق الخواجي، لكن مع الوضع في الاعتبار أن ذلك "يعتمد على نوعية الفيلم، فالفيلم الترفيهي أو التجاري لا يعتبر بحثاً مستقلاً"، مؤكداً أنه حتى النقد السينمائي يواجه مشكلة الاستقلال المعرفي، مستعرضاً التحديات التي واجهت أهم وأشهر المدارس والفلسفات النقدية والتي يبدو منها أن "النتائج معقدة".
ونوه الخواجي بوجود علاقة طبيعية تجمع البحث الأكاديمي بالممارسة السينمائية اليوم، لافتاً إلى أنها "وثيقة، خصوصاً في الأفلام التي تحمل هموماً معرفية وتعليقات على مسائل اجتماعية أو تاريخية"، واستشهد الناقد الفني بعدد من الأفلام العالمية، مثل فيلم "قتلة القمر المزهر" لمارتن سكورسيزي، لكنه أشار إلى أن الأفلام التجارية "تحمل هموماً من نوع مختلف".
البحث والمعرفة
بدوره أشار الكاتب والناقد السينمائي فهد الأسطا إلى أهمية أن "نعيد النظر إلى مفهوم المعرفة واختلافه بين الحقلين العلمي والفلسفي، فإذا تم الحديث عن المعرفة فلسفياً بوصفها إدراكاً، فبوسعنا القول إن الفيلم السينمائي يعتبر بالفعل حقلاً معرفياً، بل إنه قد يكون أكثر ثراءً من غيره من الفنون.
وحول العلاقة بين النظرية والممارسة وهل النقد فعل معرفي أم وصفي، أفاد الأسطا بكونه في غالبه الأعم وصفياً، وهو الأكثر انتشاراً، على رغم أهمية وجود الجانب المعرفي لأنه هو المؤسس والباقي، داعياً إلى التوجه المعرفي كشرط لتأسيس تنظير سينمائي أصيل، مؤكداً أن الأبحاث السينمائية الحالية تكتفي بالوصف وهو "أمر غير محمود على النقد الحقيقي والمعرفي".
وحول تطور الكتابة الفنية والخلط بين المقال النقدي والمحتوى التفاعلي، يرى الأسطا أن هناك فروقاً كثيرة بينهما أهمها الجدية والمعرفة العميقة التي يتميز بها المقال النقدي مقابل المحتوى التفاعلي الذي عادة ما يكون أبسط وأسرع، مما لا يجعل له قيمة معرفية.
خطاب بصري
وعلى رغم اتساع الإنتاج السينمائي السعودي في الأعوام الأخيرة، ترى الكاتبة الثقافية ومؤسسة منصة "ميم" السينمائية، مها سلطان، أن بناء خطاب بصري سعودي يجب أن يتجاوز الحدود المحلية نحو العالمية، مؤكدة أن أزمة الفيلم السعودي تكمن في سرد القصص، لا في الصورة والتقنيات الأخرى في صناعة الفيلم، إذ إنها تصل إلى معايير عالمية جودة واحترافية، بعكس النصوص التي غالباً ما تفتقر إلى الأصالة والقص المتماسك والجاذب للجمهور.
وأوضحت سلطان أن دائرة التخصص الفني اتسعت لتشمل نقاداً وباحثين ومتلقين جدداً، بعدما أصبح التأويل حق للجميع، مشيرة إلى أن لكل فئة طريقة تأويل تخصها وتتميز بها، فالناقد يُؤوِّل من خلال أدواته النقدية والنظرية، وفي المقابل يمتلك الباحث عدة أكاديمية من أدوات ومصادر شديدة التخصص، بينما يُؤوِّل المتلقي عبر ذاتيته.
المنصات الرقمية غيرت من طبيعة الكتابة النقدية وأفقها المعرفي، وفق سلطان، التي تؤكد أن "المنصات أثرت وأغنت النقد بكثير من الأمور، أهمها في إنتاج أسماء نقدية جديدة، وفي قدرتها على الاقتراب من القراء الشباب والمواهب الواعدة، التي تبشر بمستقبل السينما السعودية"، لافتة إلى أهمية التوازن بين تسارع المادة الإعلامية وعمق المادة المعرفية.
الأكاديمي السعوي تركي الشهري يؤكد أن السينما العربية تحتاج إلى منهج نقدي جديد نستطيع فيه أن "نؤسس لفلسفة نقدية تخصنا، بما نمتلك من مقومات وتاريخ عريق وثقافة عميقة، وبهذا يمكن لنا أن ننتج بالتراكم، منهجاً جديداً يناسبنا أكثر من المناهج الأجنبية".
وفي ما يتعلق بتحقيق التوازن بين الناقد التقليدي ومتطلبات الجمهور العام، طالب الشهري بأن يخفف الناقد الأكاديمي من لغته الأكاديمية في أعماله النقدية من أجل الاقتراب أكثر من الجمهور العام والمحب للسينما، إذ إن هذا الجمهور هو الهدف من الكتابة وتوسيع المعارف السينمائية.
جولة في العمق
أما محتوى مبادرة "سينماء" فإنه يتجاوز الإطار التقليدي للمحتوى السينمائي، ويشمل جوانب تخصصية مجردة تتناول عناصر السينما وموارد إلهامها بعينها، ففي مقاله المعنون بـ"نحن لا نزرع الشوك"، يركز رامي عبدالرزاق حول الاختلافات في جوهر الوسيط بين الرواية والسينما، متناولاً رواية "نحن لا نزرع الشوك" الملحمية، التي تدور في عالم واسع تمتد أوصافه ومجريات أحداثه على مدى 800 صفحة، ماراً على التحديات الدرامية التي واجهها المخرج، من ناحية صياغة العالم القصصي والدقة في التعبير عن مشاعر الشخصيات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقال المعنون بـ"مشكلة الحوار السينمائي" يبحث كاتبه عبدالرحمن أبوشال عن جذور الرأي الشائع في الأوساط السينمائية الذي يقر بوجود نقص في جانب الحوار بين الشخصيات في الأفلام السعودية، إذ يعزوه أبوشال إلى نضج الشخصيات في المقام الأول، ووجود ضبابية في تصور الجانب الإنساني والعاطفي لها، ومما يزيد في ذلك نزعة المثالية في تكوين الشخصيات، إذ يسخرها الكاتب لتكون عناصر تتبع القصة، بينما في أي مخاض أحداث واقعي فالقصة تتبع الشخصيات وتكوينها الفكري والعاطفي.
عدسة النجوم
ما بين الحين والآخر، تذكر مبادرة "سينماء" بأحداث زمنية تخص أحد رموز السينما، منهم ويليام دافو، علَم السينما الذي عرف بمهارته الفائقة في تجسيد العمق العاطفي للشخصيات، وارتقائه بها لأبعاد بعيدة، وفي مناسبة أخرى احتفت "سينماء" بروبرت إيغرز، المخرج المقل كماً والمكثر نوعاً، الذي قدم مقاربة جديدة لأفلام الرعب أعادت لها الترقب والاهتمام.
تبحث بعض المواد المعرفية التي تقدمها المنصة جوانب لم تبلغها أكثر العقول تفكراً، إذ تزيح الستار عن بعض التفاصيل الجانبية في القضايا والمشكلات التي اعتاد العالم عليها، منها كتاب "السينما الإيرانية في سياق عالمي"، الذي سلط الضوء على المشهد الأوسع للسينما الإيرانية، مقدماً بانوراما أدبية تستطلع الأفلام الشعبية والشهيرة، إلى جانب أعمال السينما الفنية التي طغت على التصور العالمي عن السينما الإيرانية.
وفي مقال "عائشة لا تستطيع الطيران" تبحث آلاء حسانين في رمزيات الفيلم الغرائبي عن تجليات قسوة المدن الكبيرة عبر نموذج القاهرة، ونزعتها لابتلاع البشر، بادئة بقيمهم أولاً، تليها شخصياتهم وحتى تصوراتهم للواقع بأسره.
وعن العالقين في الفضاء البيني، والضحايا الذين مضوا بصمت، تناولت مقالة "التغريبة الكردية" في فيلم "سبورات سوداء" لسميرة مخملباف التي كتبها رياض حمادي ديناميكيات الشتات واختلال الموازين التي تفرضها الحروب على سكان المناطق النائية الواقعة قرب الجبهات، وكيف تحول البشر إلى آلات طموحها البقاء، ترى كل ما سواه رفاهية، حتى الذي يعد في الأحوال الطبيعية ضرورة، هان على تصورها.
مستقبل المحتوى السينمائي
على رغم نمو المحتوى السينمائي بصورة متسارعة عبر مختلف المبادرات والمنصات، فإن الحاجة لا تزال موجودة لحراك معرفي رفيع المستوى يتناسب مع نمو استهلاك الأفلام عالمياً، وينسب لفولتير القول إن "أكثر الكتب فائدة هي تلك التي يكتب القراء نصفها"، ويمكن توسيع نطاق هذا الرأي ليشمل الأفلام أيضاً، بل ربما يزداد صحة وواقعية إن طبق على السينما، إذ إن الأفلام غالباً تجسد تجارب، بينما تجسد الكتب المفاهيم.
وفي حال التجارب تتنوع وجهات النظر وتكثر الزوايا التي يمكن من خلالها استلهام أفكار ومعانٍ أجاد صانع الفيلم التلميح لها، وإلى الآن لا يزال المجال مفتوحاً، والفضاء السينمائي في غاية الاتساع والقبول للمحتوى المعرفي الرفيع والجيد.