Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البيروقراطية... ثقافة مفترسة لا يجيد الجزائريون ترويضها

خلل إداري ناتج من تشابك الإجراءات ويشكل عائقاً أمام المواطن للحصول على الخدمات في ظل تطبيق "الرقمنة"

الممارسات التي ترسخت داخل بعض القطاعات الحكومية لا تزال تؤثر في فعالية الأداء الإداري داخل الجزائر (مواقع التواصل)

ملخص

يبقى القضاء على البيروقراطية مرتبطاً بمدى القدرة على "تغيير الذهنيات"، وهو ما يمثل جوهر الإصلاح الإداري لأن إصدار القوانين الجيدة وحده لا يكفي، إذا لم تطبق التشريعات بروح إصلاحية وبثقافة إدارية جديدة ترتكز على الشفافية والمسؤولية، والفعالية في العمل.

خلال وقت تؤكد فيه السلطات الجزائرية التزامها بتحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمة العمومية، لا تزال مظاهر البيروقراطية تشكل عائقاً حقيقياً أمام المواطن، إذ تتجسد في تعقيد الإجراءات وتشابك المسارات الإدارية التي تعرقل الوصول السلس إلى الحقوق والخدمات.

هذه الممارسات التي ترسخت داخل بعض القطاعات الحكومية لا تؤثر فقط في فعالية الأداء الإداري داخل الجزائر، بل تنعكس بصورة مباشرة على ثقة المواطن في المؤسسات العمومية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب استمرارها وآفاق تجاوزها في ظل ورشات الإصلاح المعلنة.

غيض من فيض

مكاوي هو أحد الأطباء المتخرجين في الجامعة الجزائرية هاجر إلى فرنسا قبل أعوام، بعدما تقطعت به السبل داخل الجزائر ولم يتمكن من تجسيد مشروعه الخاص بطب أمراض القلب، ويقول مكاوي ضمن فيديو سجله من الولايات المتحدة الأميركية إنه شارك في مسابقة دولية تحصَّل فيها على جائزة في تخصصه الطبي وتخرج في إحدى الجامعات الجزائرية كطبيب متخصص في أمراض القلب، كان لديه مشاريع كثيرة من بينها إدخال تقنية تصوير القلب بالرنين المغناطيسي إلى المستشفيات الجزائرية، إلا أن التعقيدات البيروقراطية حالت دون تجسيده.

ويضيف أن ما حز في نفسه كثيراً هو موقف تعرض له حين توجه خلال أحد الأيام نحو إحدى الوزارات داخل العاصمة الجزائر، قادماً من مسقط رأسه مدينة سعيدة (480 كيلومتراً غرب الجزائر العاصمة) في الصباح الباكر ليعرض مشروعه، لكن الممارسات البيروقراطية اضطرته للوقوف في الطابور لمدة ثلاث ساعات كاملة قبل الدخول إلى الإدارة المعنية وهو ما عده إهانة في حق طبيب مختص.

وأبدى مكاوي حسرته من أن بعض الإدارات في الجزائر تخشى من الرقمنة كونها تفضح الممارسات البيروقراطية لبعض الموظفين.

وقصة الطبيب مكاوي ليست الوحيدة التي تتداول، بل هناك المئات من قصص الجزائريين الذين وقعوا ضحية إجراءات إدارية بيروقراطية دفعتهم إلى الهجرة إلى الخارج والتميز في مجالات عديدة.

ممارسات مشبوهة

وقال الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون خلال يوليو (تموز) 2022 خلال لقاء تلفزيوني إن البيروقراطية تتمثل في "ممارسات سلطوية مشبوهة تراكمت على مدار 30 إلى 40 عاماً، وهناك أشخاص متوغلون داخل الجهاز الإداري أصبحوا تقريباً هم السلطة، ونحن لهم بالمرصاد".

وأوضح الرئيس وقتها أن هناك قرارات "تدرس من طرف الحكومة وتصادق عليها مجلس الوزراء، ثم يظهر من يعطل تطبيقها على أرض الواقع"، مشيراً بذلك إلى العقبات التي تفرضها بعض الممارسات الإدارية التقليدية على فعالية السياسات الحكومية.

وخلال مارس (آذار) الماضي، قال الرئيس عبدالمجيد تبون إن "الرقمنة تمثل ركيزة أساس لتعزيز الشفافية والقضاء على الرشوة والممارسات البيروقراطية"، مشيراً إلى أن "توافر إحصاءات دقيقة يعد أمراً ضرورياً لفهم الواقع الاقتصادي للبلاد، بما يشمل مستويات الدخل والضرائب والاستهلاك الفعلي للمواد المستوردة".

وخلال اللقاء الدوري مع الصحافة الوطنية، أضاف الرئيس تبون أن "الدولة تمكنت من استعادة السيطرة على الوضع الاقتصادي مقارنة بالمراحل السابقة"، مشدداً على أن "الهدف كان يتمثل في استكمال عملية الرقمنة بحلول عام 2025 لتشمل مختلف القطاعات، بما فيها العقار واستهلاك المياه والنظام الضريبي، وغيرها".

وضمن هذا الإطار، أشار الرئيس تبون إلى "الإجراءات المتخذة لتسهيل الخدمات الإدارية، وبخاصة ما يتعلق بوثائق الحالة المدنية"، مؤكداً أن "الدولة ماضية في تعزيز الرقمنة لضمان حوكمة رشيدة وتحقيق فعالية أكبر في إدارة الاقتصاد".

 

 

وخلال الـ23 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، شدد وزير العمل الجزائري عبدالحق سايحي على ضرورة تسريع رقمنة الخدمات وتبادل البيانات بين الإدارات للحد من تنقلات المواطنين ومحاربة البيروقراطية، محدداً تاريخ الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل كآخر أجل لتجسيد المرحلة الأولى من رقمنة أهم الوثائق والخدمات، وصولاً إلى رقمنة شاملة بنسبة 100 في المئة.

وخلال جلسة عمل خصصت لتقييم نشاطات القطاع، أصدر الوزير تعليمات لتعزيز أخلاقيات الخدمة العمومية وتحديث أساليب التكفل بالمواطن، مع اعتماد آليات متابعة دقيقة لتنفيذ البرامج وتقييمها ميدانياً، ومعالجة المشاريع المتعثرة عبر دراسات معمقة.

ودعا الوزير إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وترسيخ البعد الإنساني والاجتماعي في التعامل مع المواطنين، وضمان خدمات رقمية مكيفة لفائدة ذوي الحاجات الخاصة، مع احترام المواعيد ومراعاة الظروف الاجتماعية، وترسيخ أخلاقيات الخدمة العمومية وتحديث أساليب التكفل بالمواطن.

وأمر الوزير، بتسريع وتيرة الرقمنة والتخفيف من تنقلات المواطنين، داعياً إلى جرد كل الأسباب التي تدفعهم إلى التوجه نحو المرافق الإدارية، والعمل على التخلي عنها نهائياً بفضل الخدمات الرقمية من بعد، بالتنسيق مع مختلف القطاعات.

وأشاد تقرير حديث صادر عن البنك الدولي ونشر خلال الـ18 من أبريل (نيسان) الماضي بما حققته الجزائر من إنجازات ملحوظة على صعيد الاقتصاد خلال الأعوام الأخيرة، مؤكداً التقدم الذي أحرزته البلاد في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وحمل التقرير عنوان "كيف تصنع الجزائر اقتصاداً ديناميكياً للمستقبل"، في إشارة إلى الطموحات الوطنية لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام وتنويع مصادر الدخل. ومع ذلك، شدد التقرير على أن الجزائر لا تزال تواجه تحديات جدية، أبرزها انخفاض الإنتاجية وتعقيدات البيروقراطية، مما يمثل عقبات أمام تعزيز بيئة الأعمال وتحقيق الإمكانات الاقتصادية الكاملة للبلاد.

وليست هذه المرة الأولى التي تسلط فيها التقارير الدولية الضوء على تأثير البيروقراطية على الاقتصاد الجزائري، ففي عام 2018 صنف تقرير صادر عن منتدى الاقتصاد العالمي حول التنافسية والإنتاجية الجزائر في المرتبة 86 عالمياً من بين 137 دولة، مشيراً إلى أن التعقيدات البيروقراطية وانتشار الفساد يمثلان عوامل أساس تقوض نمو الاقتصاد الوطني وتحد من قدرته على المنافسة على المستوى الدولي.

عقبات وعراقيل

ويرى الإعلامي الجزائري موسى قاسيمي أنه على رغم الإرادة القوية لدى السلطات العليا للبلاد في مكافحة البيروقراطية، وإعطاء التعليمات والتوجيهات لهذا الغرض على أعلى مستوى، فإن المشكلة تبقى مطروحة ويشتكي المواطن منها باستمرار.

وقال قاسيمي لـ"اندبندنت عربية" إنه بفضل الإجراءات الحكومية لمحاربة البيروقراطية أصبح بإمكان المواطن استخراج وثائق الهوية ومختلف الوثائق الإدارية الأخرى من خلال الولوج إلى المواقع والتطبيقات، فوزارة الداخلية مثلاً عرفت نقلة نوعية في هذا المجال في انتظار تعميمها لتشمل كل القطاعات الأخرى.

وأضاف الإعلامي أنه بإمكان المواطن التسجيل لاستخراج بطاقة التعريف الوطنية البيومترية وتسديد فواتير الكهرباء والماء والغاز وتعبئة شريحة الهاتف النقال من خلال التطبيقات التي أنشئت لهذا الغرض، وتجديد ملفات المتقاعدين على مستوى الصندوق الوطني للتقاعد، وتفادي الطوابير والاكتظاظ على مستوى الإدارات، وكذا الحجز للتنقل والسفر سواء تعلق الأمر بالرحلات الجوية الداخلية أو الخارجية وكذلك التنقل براً أو عبر السكة الحديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن في المقابل يقول قاسيمي، تبقى مشكلة البيروقراطية مطروحة حيث يشتكي المواطنون منها وبخاصة في ما يتعلق بتكوين الملفات، والتماطل وعدم احترام المواعيد، وهذا ما يشكل أهم العقبات التي تحول دون تمكن المواطن من القيام بإجراءاته الضرورية في المواعيد المحددة وقد يعرضه لتأخير إطلاق مشروع معين، أو المشاركة في مسابقة توظيف أو العلاج في إحدى المؤسسات الاستشفائية العمومية أو الخاصة أو التنقل للخارج وغيرها.

وأفاد بأن هذه العقبات والعراقيل يمكن تفاديها من خلال الرقمنة ومواكبة التطور الحاصل في مجال التكنولوجيات الحديثة والرقمنة، دون إغفال عامل مهم وهو حماية البيانات الشخصية من السرقة وتكييف القوانين للحماية من الاحتيال الإلكتروني.

واقع ملموس

ويقول المتخصص الاقتصادي الجزائري هواري تيغرسي إن مظاهر البيروقراطية في بعض الإدارات تظل واقعاً ملموساً في كثير من الدول، ومن بينها الجزائر، على رغم كل برامج الإصلاح.

وأوضح تيغرسي ضمن حديث إلى "اندبندنت عربية" أن تفسير استمرار البيروقراطية يرتبط بعوامل عدة مترابطة تتعلق بالثقافة الإدارية التقليدية، إذ لا تزال بعض الإدارات تعمل بعقلية "السلطة الإجرائية" بدلاً من ثقافة "الخدمة العمومية"، إذ ينظر إلى المواطن كملتمس للخدمة لا كصاحب حق، وتعقيد القوانين والنصوص التنظيمية بوجود نصوص متداخلة وأحياناً متناقضة يفتح المجال للتأويل الفردي من طرف الموظف.

ومن بين الأسباب يذكر المتحدث ضعف الرقمنة الشاملة، إذ إن التحول الرقمي لم يكتمل بعد، مما يبقي على الملفات الورقية وتعدد الأختام وكثرة المسارات الإجرائية، إضافة إلى نقص التكوين والتحفيز لأن بعض الموظفين يفتقرون للتكوين المستمر في أخلاقيات الخدمة العمومية وتبسيط الإجراءات، وغياب المساءلة الصارمة بضعف آليات المتابعة والتقييم يجعل بعض الممارسات البيروقراطية تمر دون مساءلة حقيقية.

 

 

وأشار تيغرسي إلى أن هذه المظاهر السلبية تسهم في إهدار وقت المواطن وجهده نتيجة التعقيدات الإدارية وطول الإجراءات، وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع مستوى الثقة في الإدارة العمومية وفعالية أدائها، ويفتح هذا الوضع المجال أمام انتشار الوساطة والمحسوبية كبدائل غير قانونية لتسريع المعاملات، مما ينعكس سلباً على مناخ الأعمال ويؤدي إلى تعطيل الاستثمار والمشاريع الاقتصادية، مما يعوق التنمية ويضعف وتيرة النمو على المدى البعيد.

وحسب المتخصص تتمثل الحلول الكفيلة بمحاربة البيروقراطية في جملة من الإجراءات المتكاملة التي تهدف إلى تحديث الإدارة وتحسين أدائها، وعلى رأسها التسريع في رقمنة الإدارة من خلال تعميم المنصات الإلكترونية للخدمات الإدارية وتقليص التعامل الورقي إلى الحد الأدنى، إلى جانب تبسيط الإجراءات والنصوص عبر مراجعة القوانين المعقدة وتقليص عدد الوثائق المطلوبة واعتماد مبدأ "التصريح بدل الشهادة"، كلما أمكن.

ويبرز دور إرساء ثقافة الخدمة العمومية من خلال تكوين الموظفين في أخلاقيات المرفق العام وربط الترقية بالأداء وجودة الخدمة المقدمة للمواطن، ويوازي ذلك ضرورة تعزيز الرقابة والمساءلة عبر تفعيل أجهزة التفتيش والرقابة الإدارية وفتح قنوات فعالة لتلقي شكاوى المواطنين، مع إشراك المواطن في تقييم الخدمات من خلال اعتماد مؤشرات لقياس مستوى رضاه ونشر تقارير دورية عن أداء الإدارات.

ولا تكتمل هذه الجهود دون تحفيز النزاهة والشفافية عبر حماية المبلغين عن الفساد وفرض التصريح بالممتلكات لكبار المسؤولين، بما يعزز الثقة ويحد من مظاهر الفساد والبيروقراطية في المرافق العمومية.

ويبقى القضاء على البيروقراطية مرتبطاً بمدى القدرة على "تغيير الذهنيات"، وهو ما يمثل جوهر الإصلاح الإداري، لأن إصدار القوانين الجيدة وحده لا يكفي، إذا لم تطبق التشريعات بروح إصلاحية وبثقافة إدارية جديدة ترتكز على الشفافية والمسؤولية، والفعالية في العمل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير