ملخص
تراكمت ضروب اللوم على لوبري معتبرة أن مبادرته إلى استكمال النص روائياً قللت من شأن مساهمته في بعث هذا العمل الضائع من غيبته، وكان حرياً به بدلاً من ذلك أن يكتفي بتقديم النص ناقصاً كما تركه كاتبه الأصلي "ففي ذلك فقط كان من شأن اكتشافه المخطوطة ونشرها وتقديمها أن يكون مفيداً وتاريخياً".
عام 1877 وكان الكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون (1850 - 1894) قد بلغ الـ27 من عمره ويحاول أن يشق لنفسه طريقاً في عالم الكتابة الروائية في الأقل، وقف لحظات متسائلاً - وقد أنجز أكثر من 170 صفحة من صفحات رواية كان يكتبها محاولاً أن "يغزو" بها عالم الأدب حتى في لندن - عما إذا كانت تلك الصفحات جديرة حقاً بأن تعد رواية، وما إذا كانت خير ما يقدم به نفسه وأدبه في مجتمع إبداعي شديد التعقيد؟
يومها وبعد تفكير طويل وصل الكاتب الشاب إلى قناعة حاسمة تفيد بأن الرواية وعنوانها "الحقيبة المستعادة" غير جديرة بذلك، فما كان منه إلا أن جمع تلك الصفحات وأخفاها عن جميع العيون، وقد قرر ألا يخبر بالحكاية أحداً، وهو حين انتهى به الأمر إلى ذلك القرار وتنفيذه أحس بالراحة التامة تغمره، وانصرف من فوره إلى الانكباب على أعمال ومشاريع كتابية أخرى كانت قد تخمرت في ذهنه أثناء اشتغاله على "الحقيبة المستعادة".
ويبدو أنه لم يندم على ذلك أبداً، بدليل أنه رحل عن عالمنا بعد ذلك بعقود من دون أن يعود إلى الصفحات المنجزة، ومن دون أن يترك أي أثر ينم عنها أو يتذكر هو نفسه أنها موجودة في مكان ما، لكن بعد ذلك بما يناهز القرن وثلث القرن فوجئت الأوساط الأدبية، لكن في فرنسا هذه المرة، بكتاب يصدر في نحو 300 صفحة لا يضم فقط النص الأصلي، مترجماً إلى الفرنسية، من "الحقيبة الضائعة" نفسها، بل ملفاً متكاملاً عن ذلك المشروع الأدبي المجهض. والأدهى من ذلك أن النص الذي كان في الأصل يشغل ما لا يزيد على 200 صفحة انتفخ الآن ليصل عدد الصفحات إلى ما يعادل مرة ونصف المرة صفحاته الأصلية، أما السر فكان واضحاً منذ الغلاف.
مؤلفان لرواية واحدة
فعلى الغلاف، وبدلاً من وجود اسم روبرت لويس ستيفنسون ككاتب للرواية، كان هناك اسمان متجاوران معاً بوصفهما "المؤلفين" المتضافرين، المتضامنين للرواية: الأول اسم ستيفنسون نفسه، والثاني اسم الفرنسي ميشال لوبري.
ومهما يكن من أمر هنا، لا يمكن القول إن هذا الأخير قد نبت من العدم كالعشبة الشيطانية، كما سيقول أحد المعلقين الإنجليز لاحقاً، ليشارك سلفه الكبير مجد كتابة "الحقيبة المستعادة"، بل هو كاتب فرنسي معروف، بل معترف به كواحد من الكبار إن لم يكن بوصفه روائياً من الدرجة الأولى كما يجدر أن يكون مشاركاً لروبرت لويس ستيفنسون في تأليف كتاب مشترك، فإنما كصاحب باع ومكانة في نوع أدبي آخر هو أدب الرحلات، إذ إن لوبري أسس منذ أعوام بعيدة ويدير في مدينة سان مالو البحرية الفرنسية معرضاً سنوياً متخصصاً في أدب الرحلات.
والحقيقة أننا لو تذكرنا أن أدب الرحلات هذا كان من ممارسات ستيفنسون الذي أصدر في حياته نصوصاً كثيرة تتعلق به، ستكتمل الدائرة ونفهم السبب الكامن في خلفية اهتمام لوبري بهذا الكاتب الكبير المبدع... حتى وإن كان سينغلق علينا اهتمامه هنا برواية أنكرها كاتبها وأخفى مخطوطتها عن الأنظار في مخبأ ظلت المخطوطة سجينة فيه طوال ما يقارب قرناً ونصف القرن، وأكثر، حتى أفرج هو عنها ولكن... من دون أن يبدي أحد امتنانه لما فعل.
ففي نهاية الأمر، وبحسب أحد المعلقين الفرنسيين، إذا كان ستيفنسون يبدو لنا اليوم محقاً في اختياره النأي عن روايته تلك ونسيانها، فإن النص كما استكمله ليبري وأنجزه، يستحق أن ينسى بدوره لأنه لا يفتقر إلى قدرات الكاتب الاسكتلندي الإبداعية فحسب، بل يزيد في طين تلك المخطوطة بلة، ويزيد في تبرير الخيار الذي انتهى إليه ستيفنسون ذات يوم.
الحقيقة ضد المنطق
لكن الحقيقة تتفوق عادة على المنطق، وما أخفي يوماً لا بد له من أن يظهر ذات يوم، وغالباً على رغم أنف صاحبه الأصلي، إذ إن الوصول إلى الحقيقة لا بد له من التغلب يوماً على كل منطق. ومن هنا، على رغم كل شيء رحب كثر بما فعله لوبري معتبرين إياه صواباً، شرط ألا يعتبر الكشف عن النص القديم كشفاً أدبياً خطراً ومدماكاً إضافياً يوضع في صرح المتن الروائي أو الكتابي بصورة عامة لروبرت لويس ستيفنسون، وإنما نوع من الإنجاز التاريخي يوضع في تصرف الباحثين المنكبين على دراسة أدب هذا الأخير ومكوناته وإرهاصاته الأولى.
وفي هذا السياق فحسب، تراكمت ضروب اللوم على لوبري معتبرة أن مبادرته إلى استكمال النص روائياً قللت من شأن مساهمته في بعث هذا العمل الضائع من غيبته، وكان حرياً به بدلاً من ذلك أن يكتفي بتقديم النص ناقصاً كما تركه كاتبه الأصلي "ففي ذلك فقط كان من شأن اكتشافه المخطوطة ونشرها وتقديمها أن يكون مفيداً وتاريخياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومهما يكن من أمر يبقى أن نتساءل هنا عما يحمله النص الأصلي لـ"الحقيبة المستعادة"، من دون الاهتمام بما أضافه الأديب الفرنسي الذي بدا في نهاية الأمر مجرد متطفل باحث عن مكانة ما، لا أكثر. ورواية شباب ستيفنسون هذه هي بالفعل رواية شباب وتعكس جيداً عنوانها الطويل "الحقيبة المستعادة أو المجتمع المثالي"، وذلك بالنظر إلى أن السعي إلى الوصول إلى هذا المجتمع وسط زحام الأفكار والمشاريع اليوتوبية التي كانت تزحم الحياة الفكرية والأدبية في لندن، وإنجلترا عموماً، في ذلك الزمن، هو الشغل الشاغل لمجموعة من شبان يتطلعون، من منطلق يتأرجح بين البوهيمية والعدمية، إلى أوضاع تتجاوز قدراتهم وما تسمح به مجتمعاتهم لأمثالهم، لذا يمضون أيامهم في سجالات ومغامرات صاخبة وتهريجية، وكلهم أمل في العثور على ما يقربهم من "الألدرادو" والفردوس المفقود لكنهم لا يتمكنون من أن يفعلوا أكثر من خوض مغامرات بائسة ليس فيها من الإثارة الغرائبية المتوخاة ولو ظلها.
أسلوب الكاتب الأصلي
إذاً، يتألف المخطوط القديم من حكاية تلك المغامرات التي ستنتهي جميعها إلى الخيبة ولن تسفر، بالطبع، عن الوصول إلى المجتمع المثالي الذي يريح الوصول إلى تحقيقه، شبان الربع الثالث من القرن الـ19 في لندن، فالصخب والسعي المتوتر إلى التجديد، لا يملك الباحثون عن ذلك المجتمع أياً من أدوات الوصول إليه، فكيف أضاف الفرنسي كل تلك الصفحات التي نفخت النص الأصلي محولة المخطوط الناقص إلى ما اعتبره هو نفسه رواية متكاملة؟
بكل بساطة، بما أن ما كان ستيفنسون نفسه قد ملأ به عشرات الصفحات التي كان قد أنجزها بالفعل لا يعدو كونه سلسلة من مواقف ومغامرات يصعب إيجاد أي رابط بينها، فيما عدا أن الشبان الذين يخوضونها إنما هم دائماً أنفسهم من دون أن توصلهم إلى أية نتائج ملموسة، لم يفعل ليبري أكثر من أنه ابتكر مواقف ولحظات جديدة متفرقة بدورها راح يراكم بعضها فوق بعض، لينتهي بها الأمر إلى إيصال النص إلى خواء حدثي تام لم يقدم من النص الأصلي أو يؤخر فيه، بحيث بدت النتيجة الروائية أقرب ما تكون إلى المسلسلات الأميركية التي تبث صباحاً وتتواصل فيها الأحداث والحلقات مع إصرار تام على عدم الوصول إلى نتائج ما دام الوصول إليها يعني اختتام العمل.
ومن هنا ما يبدو على "الرواية المشتركة" بدورها وكأن لوبري اختتمها بصورة مباغتة، إذ استوفت مغامرات شبانها غاية لم تكن على أية حال غاية حقيقية.