ملخص
في وقت تبقى المعلومات العسكرية والاستخباراتية شحيحة عن دقة عمل هذه القوات، قال مسؤول أمني إسرائيلي إن القاطرة الأميركية في حال جنون، وإن الأميركيين لا يرون أحداً أمامهم ووصولهم إلى كريات غات يكاد لا يتوقف لاستكمال تنفيذ مهمة تثبيت خطة ترمب.
وسط الجنوب الإسرائيلي وعلى بعد 30 كيلومتراً من قطاع غزة، تحولت مدينة كريات غات التي لا يتجاوز عدد سكانها 55 ألف نسمة والتي أنشئت عام 1954 على أنقاض القرية الفلسطينية عراق المنشية التي هجر سكانها عنها عام 1949، إلى أكثر المناطق أهمية وسرية في إسرائيل ونقطة مراقبة لجزء من العالم لتثبيت وقف إطلاق النار وتطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في غزة.
"القاعدة الأميركية الصغيرة"
هناك حيث يقام مركز التنسيق أو ما يصفه الإسرائيليون بـ"القاعدة الأميركية الصغيرة"، حيث تدار مختلف العمليات المرتبطة بقطاع غزة. فوق المركز أعلام دول يشارك ضباطها وعناصرها في العمليات، الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنس وإسبانيا والدنمارك والسويد والإمارات ومصر والأردن وإيطاليا وهنغاريا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وقبرص واليونان. والأميركيون يحاولون أيضاً ضم المغرب والبحرين اللذين لم يرسلا ممثلين حتى الآن. وبسبب "فيتو إسرائيلي"، لا يوجد في المقر ممثلون لتركيا وقطر على رغم أنهما جزء من ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة.
200 جندي وضابط أميركي وضعوا حجر الأساس لهذا المقر الذي أعلن قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر أن مهماته إقامة قوة الاستقرار الدولية التي ستنشر في غزة والتأكد من تفكيك سلاح "حماس" ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ومنع انتهاك وقف النار والحفاظ على الأمن الإسرائيلي وضمان حياة أفضل لسكان غزة.
وإقامة المقر، حتى لو شارك فيها مئات الضباط والجنود الإسرائيليين من قيادة قائد الفيلق الشمالي، تبقي دور تل أبيب غير حاسم. وبحسب أمنيين وعسكريين لا تتوقف دقة ما حصل على هيمنة الأميركيين، إنما أيضاً على وجود ضباط فرنسيين وإسبان ضمن عديد القوة، علماً أن باريس ومدريد من أشد الدول انتقاداً لإسرائيل.
وفي وقت تبقى المعلومات العسكرية والاستخباراتية شحيحة عن دقة عمل هذه القوات، قال مسؤول أمني إسرائيلي إن القاطرة الأميركية في حال جنون، وإن الأميركيين لا يرون أحداً أمامهم ووصولهم إلى كريات غات يكاد لا يتوقف لاستكمال تنفيذ مهمة تثبيت خطة ترمب. ويرى الإسرائيليون أن وجوداً أميركياً مكثفاً يقف في الأقل حالياً جداراً مانعاً أمام استئناف تل أبيب القتال في غزة، على رغم التهديدات لمتخذي القرار في إسرائيل من المؤسستين السياسية والعسكرية.
شاشات مراقبة وأخرى لتفاصيل التنفيذ
المقر مقام من ثلاثة طوابق، الأول فيه الضباط الإسرائيليون بقيادة اللواء يكي دولف، وأنظمة مصنفة للجيش الإسرائيلي. والطابق الثاني وهو مشترك ويعمل فيه ممثلون من أكثر من 20 دولة، أما الطابق الثالث فهو المركزي ويضم الأميركيين بقيادة اللفتنانت جنرال باتريك فرانك.
ويتركز عمل المقر اليوم على كيفية البدء بإخراج المرحلة الثانية من اتفاق البنود الـ 20 لترمب إلى حيز التنفيذ ولهذا الغرض شكلت ست مجموعات عمل.
-مجموعة الأمن وهي مسؤولة عن حماية قوافل المساعدات وصياغة سياسات تسمح بتفكيك سلاح "حماس" ونزع سلاح القطاع.
-مجموعة الاستخبارات، تتشارك فيها إسرائيل والولايات المتحدة معلومات مع ممثلي الدول.
-المجموعة الإنسانية، تعالج تنسيق المساعدات وقيادة القوافل وزيادة الإمدادات لغزة.
-مجموعة البروتوكولات واللوائح، تبلور الإجراءات والاستعدادات لمهمة القوة متعددة الجنسيات.
-مجموعة الهندسة والبنى التحتية في القطاع.
-مجموعة الحكم المدني لليوم التالي، تخطط لنظام التعليم والصحة والنظام العام في غزة بعد الحرب.
وتظهر طوال الوقت على الشاشة الرئيسة في الطابق المشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة خريطة قطاع غزة مقسمة، باللون الأحمر غزة القديمة حيث لا تزال "حماس" تسيطر، وباللون الأخضر غزة الجديدة الخالية من الحركة، وبينهما الخط الأصفر. وتحدث الخرائط باستمرار في بث مباشر داخل المبنى الواقع ضمن منطقة المصانع في كريات غات، حيث يجلس ممثلو ما لا يقل عن 20 دولة بهدف صياغة استراتيجية حول غزة في مختلف القضايا، استخبارات وأمن وإعادة إعمار القطاع والمساعدات الإنسانية والهندسة وبناء القوة متعددة الجنسيات التي من المفترض أن تعمل في القطاع بعد انتهاء الحرب. وفي الطابق المشترك تعرض النقاط الـ 20 لاتفاق ترمب لوقف النار، وترافق هذا الاتفاق الأطراف المختلفة، الإسرائيلية والأميركية، في اتخاذ القرارات لاحقاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحريك المرحلة الثانية
في حين تكثفت الجهود لتشكيل القوة الدولية وسط خلافات حول الدول التي ستشارك فيها، هناك اعتراف في المقر بأن دخول قوة متعددة الجنسيات إلى القطاع سيستغرق وقتاً لأسباب عدة من بينها أنه لا توجد دولة مستعدة حالياً لإرسال جنود إلى غزة قبل تفكيك "حماس" من سلاحها. وضمن مجموعات العمل يناقشون حالياً صلاحيات القوة وتدريبها، وبحسب المبدأ المتفق عليه، ستبدأ القوة متعددة الجنسيات بالعمل في منطقة تحت سيطرة إسرائيل، على الأرجح في رفح، ومع انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى "الخط الأحمر"، ستتسلم القوة السيطرة بالتنسيق مع الجيش وتقسيم القطاع إلى مناطق بحدود واضحة.
تقارير عدة من داخل مقر "كريات غات" أشارت إلى إجراء عمل مكثف لتحريك بدء المرحلة الثانية لاتفاق غزة، بينما في مقر وزارة الأمن الإسرائيلي في تل أبيب وفي مجمع الوزارات حيث مقر الحكومة في القدس، وبحسب ما يؤكد أكثر من مسؤول سياسي وعسكري، فإن حجم النشاط الإسرائيلي لتحريك هذا الملف باتجاه تنفيذه منخفض جداً، مما يعكس الدور الكبير والمتفوق لمقر "كريات غات" الأميركي على الطواقم الإسرائيلية، ويخلق بالتالي صعوبة من ناحية القدرة على التحكم في العملية وصياغة المصالح القومية، وفق ما نقل عن مسؤول عسكري الذي أضاف أن "على رغم أن الولايات المتحدة في عهد ترمب تعلن التزامها الحفاظ على المصالح الإسرائيلية، فإن الديناميكية الحالية التي تتعرف ضمنها إسرائيل إلى الخطط فقط بعد بلورتها، تقلص بصورة كبيرة قدرتها على التأثير في مضمونها".
حكم تقني - بيروقراطي بديل
في هذه المرحلة، بحسب الإسرائيليين، تعمل واشنطن على تقريب إمكان الإعلان عن حكم تقني - بيروقراطي بديل، وإدخال قوة استقرار دولية حتى قبل الانطلاق في المرحلة الثانية. وفي إسرائيل يختلفون حول رؤيتهم لـ"حماس"، في وقت يكثف الأميركيون عملهم في مقر "كريات غات". وترى جهات ضالعة في الدور العسكري في غزة أن "حماس" تواجه عامل ضغط الوقت وتريد الانتقال إلى المرحلة التالية، لكن في المقابل هناك من يرى الواقع عن قرب ويصوره بصورة معاكسة، معتقداً بأن "حماس تقوى وتترسخ بسبب سيطرتها على مئات شاحنات المساعدات الإنسانية، وهي غير مستعجلة للتنازل عن سيطرتها على القطاع".
وأمام هذا الوضع وضعف الموقف الإسرائيلي مقابل دور مقر "كريات غات"، أوصى عسكريون متخذي القرار في إسرائيل بخطوات فورية، من بينها العمل بصورة استباقية وليس تفاعلية، والمبادرة لإجراء نقاشات مع الطواقم في "كريات غات" وصياغة مسار لإدخال حكم بديل وقوات دولية عبر إسرائيل إلى جنوب قطاع غزة، خصوصاً رفح التي تعدها إسرائيل بوابة الخروج المركزية للقطاع، وكذلك إلى شمال القطاع، خصوصاً بيت حانون بسبب أهميته لمستوطنات غلاف غزة، وتعيين شخصية مهنية ذات خبرة مناسبة ومعرفة بالمنطقة لقيادة الخطوة وإرسالها لمهمة في "كريات غات" خلال الأشهر القريبة بهدف إعادة قدرة التأثير لإسرائيل وصياغة مصالحها القومية من جديد في العملية.
وتقول الخبيرة العسكرية موريا إسراف إن السؤال المركزي الذي يطرح بعد جولة داخل هذا المقر من الذي يقرر ومن الذي يحدد النبرة؟ وبحسبها، "كان للمشاركة الأميركية كثير من الجوانب الإيجابية خلال العام الأخير، ولهذه المشاركة يوجد ثمن وتداعيات وفي السؤال من يقرر ومن يحدد في النهاية ما الذي سيحدث؟ فمن الممكن أن هذا المقر الأميركي في قلب إسرائيل، مع أولئك الضباط الأميركيين الكبار، يكشف عن أين فعلاً تتخذ القرارات المهمة حول كل ما يتعلق بغزة، ومن الممكن في السياق الأمني، ليس فقط بقضية غزة".