ملخص
تواجه السلطات الأردنية جيلاً جديداً من "التطرف العائلي"، باستخدام تكتيكات أمنية جديدة وتوظيف الروبوتات والطائرات المسيرة في العملية.
شهد لواء الرمثا شمال الأردن عملية أمنية نوعية استهدفت منزلاً يؤوي شقيقين مصنفين ضمن "حملة الفكر التكفيري"، في واقعة تسلط الضوء على التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها البلاد.
وتأتي هذه المداهمة ضمن سياق جهود السلطات الأردنية لتأمين الحدود الشمالية، وبخاصة داخل مناطق حساسة كمدينة الرمثا الملاصقة تماماً لمدينة درعا السورية المجاورة.
وعلى رغم أن العملية انتهت ميدانياً بتحييد المطلوبين وضبط الأسلحة، فإنها تفتح الباب أمام أسئلة أكبر من قبيل ما إذا كانت المداهمة نهاية حالة فردية معزولة أم أنها تشكل مؤشراً إلى خلايا صغيرة أو أفراد آخرين يحملون الفكر نفسه ويتحركون خارج الرادار؟ وهل تكشف المضبوطات أو سجلات التحقيق عن شبكة تواصل أو تمويل تمتد عبر الحدود أو داخل المجتمع المحلي؟
عملية استباقية
ومع العثور على كميات من الأسلحة النارية والذخيرة والعتاد، يتضح أن العملية الأمنية كانت استباقية لمنع التحضير لنشاط مسلح أو عملية إرهابية.
ووفقاً لمعلومات حصلت عليها "اندبندنت عربية"، فإن مداهمة أخرى بعدها بساعات جرت داخل منطقة حي نزال في العاصمة عمان، وقد تكون مرتبطة بالمداهمة الأولى. وكان لافتاً استخدام الأجهزة الأمنية الأردنية كلاباً روبوتية ضمن العملية الأمنية مما يدل على حساسيتها.
بيان مديرية الأمن العام
وأعلنت مديرية الأمن العام الأردني ضمن بيان اليوم الأربعاء مقتل مطلوبين "من حملة الفكر التكفيري"، وإصابة ثلاثة عناصر أمن خلال المداهمة في الرمثا..
وذكر البيان أنه "فور وصول القوة الأمنية إلى الموقع، بادر المطلوبان بإطلاق النار عليها بكثافة، مما أدى إلى إصابة ثلاثة من أفراد القوة المداهمة الذين أُسعفوا إلى المستشفى للعلاج". وأضاف أنه "نُفذت قواعد الاشتباك وقُتل المطلوبان الخارجان عن القانون اللذان كانا تحصنا بالموقع واستخدما والدتهما بداخله كدرع بشرية لمنع استهدافهما".
ويعلق الكاتب والمحلل السياسي حسن البراري على العملية الأمنية في الرمثا بالقول، إنها "تدل على صلابة الدولة ويقظة أجهزتها وتمنح الأردنيين شعوراً دائماً بالأمان والثقة". ويضيف البراري أن "الأجهزة الأمنية الأردنية تنال دائماً التقييم الأعلى بين مؤسسات الدولة، إذ أثبتت قدرتها على حماية المجتمع واستباق الأخطار، وتكشف عن ذلك كل استطلاعات الرأي منذ منتصف التسعينيات".
ويجيز قانون مكافحة الإرهاب رقم 55 لعام 2006 وتعديلاته التعامل مع أي تهديد إرهابي مسلح. بينما يعد قانون العقوبات الأردني إطلاق النار على رجال الأمن جريمة إرهابية مكتملة الأركان عند اقترانه بالفكر المتطرف والسلاح.
عائلة إجرامية
وذكرت مصادر أمنية أن والد المطلوبين في الرمثا مرتبط بالخلية الإرهابية في إربد وهي الحادثة التي راح ضحيتها النقيب راشد الزيود، ويرتبط أحد أقاربهما بقضية سابقة استهدفت مبنى دائرة الاستخبارات العامة مطلع الألفية.
وفقاً للمعلومات، فإن والد المتهمين كان أحد الذين استخدموا السلاح في وجه القوة الأمنية الأردنية في قضية خلية إربد عام 2015.
وكشف عضو مجلس الأعيان الأردني عمار القضاة عن وجود "تسلسل جرمي وفكر تكفيري عائلي يشكل تهديداً للأمن الوطني، تطلب حرفية استخباراتية عالية وإجراءات استباقية وقدرة على حسم الاشتباك دون السماح بوقوع خسائر".
ويقول مراقبون إن مبادرة المطلوبين في حادثة الرمثا إلى إطلاق النار على الأجهزة الأمنية، يثبت أن "أصحاب الفكر التكفيري لا يؤمنون بالاستسلام، بل يختارون المواجهة لأنها جزء من عقيدتهم التي ترى في الدولة وأجهزتها عدواً لا بد من قتاله".
ويفسر مراقبون سلوكات المنتمين للفكر التكفيري لا سيما "استخدام الأم كدرع بشرية، وارتداء أزياء نسائية للهرب أو التمويه"، بأنه فكر يتسلل من خلال الغرف المغلقة والمنصات الإلكترونية والتيارات التي تعمل بصمت لتجنيد الشباب، فيما يفسر آخرون أهمية هذا الحدث الأمني بأنه عمل على منع تشكل "نواة متطرفة" في منطقة حدودية حساسة، وحرمان أية خلايا محتملة من الدعم أو بيئة الاحتماء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مدينة استراتيجية
وتقع مدينة الرمثا على الحدود الشمالية للأردن، ولا يفصلها عن مدينة درعا السورية سوى مئات الأمتار، مما يجعل لها خصوصية جغرافية واستراتيجية وتكون عرضة لمحاولات تسلل أو نشاطات إرهابية أو تهريب.
وتعد مدينة الرمثا واحدة من أكثر المناطق حساسية في منظومة الأمن الوطني الأردني، ليس فقط لكونها تقع على خط تماس مباشر مع الحدود السورية، بل لأنها شكلت طوال العقود الماضية بوابة عبور سياسية واقتصادية واجتماعية بين البلدين. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تحولت الرمثا إلى مركز حيوي للتجارة البرية، وموطناً لشبكات ممتدة من العلاقات المجتمعية والعائلية التي تربطها بالجنوب السوري، مما جعلها منطقة تتفاعل بسرعة مع أي اضطراب أو تحول على الضفة الأخرى من الحدود.
ومع اندلاع الحرب السورية خلال عام 2011، أصبحت نقطة مراقبة متقدمة أمام تدفقات اللاجئين وارتداد الاشتباكات ومحاولات التسلل والتهريب، وتحولت إلى خط دفاع أول أمام تمدد التنظيمات المتطرفة التي كانت تنشط في الجنوب السوري خلال تلك الفترة.
ولم تشهد المدينة سابقاً أية حادثة إرهابية داخلية، ولذلك يمكن تصنيف ما حدث ضمن العملية الأخيرة بأنه أول ضبط رسمي معلن لخلية في الرمثا تصنف "خارجة عن القانون ومنتمية للتطرف"، مما يعد نقطة تحول في واقع الأمن المحلي هناك.
من جانبه كشف النائب في البرلمان الأردني خالد أبو حسان الذي يمثل مدينة الرمثا في البرلمان عن أن الشخصين اللذين قُتلا في المداهمة الأمنية ليسا من أبناء مدينة الرمثا، فيما لم تتضح بعد هويتهما الحقيقية وإذا كانا يحملان الجنسية الأردنية أم لا، وهي أسئلة يفترض أن تجيب عنها نتائج التحقيقات خلال الأيام المقبلة.
رسائل أمنية وسياسية
ويعتقد مراقبون أن العملية تحمل رسائل أمنية وسياسية وتعكس جدية الدولة في مواجهة "الفكر التكفيري"، وأن ذلك جزء من استراتيجية طويلة الأمد لضبط المناطق الحدودية ومكافحة الإرهاب والجريمة، ويعكس قلق الدولة من تهديدات محتملة على الحدود الشمالية.
وضمن السياق يؤكد المتخصص العسكري نضال أبو زيد أن "الأجهزة الأمنية الأردنية اخترقت مبكراً وبصورة عميقة بنية الخلية، قبل شروع عناصرها في تنفيذ أي نشاط عملياتي محتمل، وأنها كانت تحت الرصد والمتابعة لفترة ليست قصيرة".
وأوضح أن "التأخر المدروس في الوصول المباشر إلى العنصرين الإرهابيين يعكس مستوى عالياً من الانضباط التكتيكي والمهارة في إدارة الاشتباك".
وفي قراءته لسلوك العنصرين، شدد أبو زيد على أن رفضهما المطلق للاستسلام وذهابهما نحو خيار المواجهة المباشرة، يندرج ضمن نمط العقيدة القتالية للجماعات الإرهابية المتطرفة التي تتبنى ثنائية "المواجهة حتى الموت أو الانتحار"، معتبراً ذلك دليلاً إضافياً على أن الحادثة عملية إرهابية كاملة الأركان.
ويكشف أبو زيد عن البعد التقني في العملية، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية استعانت خلال المداهمة بتقنيات "الجيل السادس الأمني"، عبر توظيف الروبوتات التكتيكية والطائرات المسيرة.