ملخص
الروائي الموريتاني محمد عبداللطيف يسرد رحلة وجودية لشاب اضطرب يقينه الديني ودخل متاهة الشك وتكشف من ثم عن أزمة الفكر السلفي وضياع القيم الإنسانية في المجتمعات المغلقة.
تعيد رواية "كتاب الردة" (سلسلة الإبداع العربي – القاهرة) للكاتب الموريتاني محمد عبداللطيف إلى الأذهان رحلة الإمام الغزالي في "المنقذ من الضلال"، الذي قدم فيه سيرته الفكرية والروحية، وكشف عن شكوكه العميقة في الحواس والعقل، قبل أن يخلص في النهاية إلى اليقين الديني بعد مروره برحلة فلسفية صوفية. غير أن "كتاب الردة" يقدم سيرة من نوع آخر، معاصرة في رؤيتها، حول رحلة الشك والتيه الوجودي بحثاً عن الإيمان والسلام الداخلي، رحلة لم يجد فيها السارد "عبدالله" الذي يستخدم ضمير المتكلم ضالته لا في التصوف ولا في كتب المناطقة، بل كانت هذه الكتب والأفكار مصدر علته وتيهه وشكه.
تتناول الرواية قصة شاب من أصول موريتانية ولد ونشأ في بيئة متشددة هيأت له أن يكون "شهيداً يوماً ما". غير أن اطلاعه على كتب السلف والتراث كشف له عن فجوات فكرية زلزلت إيمانه الراسخ، فانخرط في رحلة تيه وجودي طويلة باحثاً عن الحقيقة. تتزامن هجرة البطل الفكرية، في بحثه عن بديل للفكر السلفي، مع هجرة من نوع آخر مادية ومكانية. يتنقل بين أصناف الفكر الفلسفي والصوفي، يغوص في حياة اللهو، يترك المدينة المنورة حيث نشأ متجهاً إلى مكة، في رحلة يسميها السارد "هجرة عكسية"، أي على النقيض من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة.
مدينة أممية
تبدو مكة في الرواية "مدينة أممية"، كما يصفها السارد، تتقاطع فيها الأعراق والثقافات من هوسة، وبرنو، وفلاليت، وحضارم، وشناقطة، وطوارق، وسودانيين، وجاوة، وبرماويين، ويمنيين، وملبيبار، وهنود، وسند، وبنغاليين، وقلة من البدو المتحضرين، "خليط بشري مذهل يجمعه قاسم مشترك هو الروح المكية واللهجة الحجارية ومواسم الحج والعمرة" (ص30). مكان حيادي لا يقصي أحداً، "يحترمه الجميع، لا يختبر القادمين إليه، ولا يستنطق قلوبهم" (ص182).
يواصل البطل تنقله داخل مكة هرباً من أزمته الوجودية التي تنغص عليه حياته، "تثاءب الملل بداخلي وأنا في تلك الغرفة، بدأت سوداوية العالم تطبق على مسائي ذلك. ما الذي علي فعله؟ وأنا على هذه الحالة منذ مدة طويلة. لم أستطع أن أحدد سبباً حقيقياً لنزوعي عن الحياة وتمسكي بها... الوجود لا معنى له بشكل مخيب للآمال" (ص135).
يتحول البطل من داعية وزاهد وطالب علم إلى مارق وفاسق وطالب لذة، يرتكب الخطايا التي كان ينهى عنها، في مشاهد تبرز انهيار المنظومة القيمية التي تشكلت عليها شخصيته منذ الطفولة. يتحلل كل ما كان يؤمن به من ثوابت تأكيداً على ضياعه الوجودي وتيهه الداخلي، يتساوى في وعيه الفضيلة والرذيلة والنقيض مع النقيض بعدما فقدت رحلته البوصلة. وسط هذه الحيرة الوجودية، يقرر البطل القيام بهجرته المكانية الأكبر بالعودة إلى الأصل، إلى بلد أجداده موريتانيا. عودة لن تحقق له الانسجام المنشود وإنما تضاعف غربته. لا يشعر بالانتماء إلى ما تبقى من أهله هناك، ويواجه إهانة اجتماعية قاسية بسبب عدم معرفة نسبه في مجتمع قبلي يقدس الأنساب. وتبلغ المفارقة ذروتها حين تنقلب الصورة التي كانت في مكة رأساً على عقب، فـ"مينا" التي كان ينظر إليها بازدراء هناك، تستعيد في موطنها مكانتها الاجتماعية، وترفض أسرتها تزويجها من "عبدالله" الذي "لا أصل له"، وتجبر على الزواج من بدوي من القبيلة نفسها.
انتماء مفقود
ترسم الرواية صورة لبطل فاقد لكل أشكال الانتماء: دينياً واجتماعياً ومكانياً. منبوذ من الجميع، نتيجة طبيعية لخروجه عن القطيع ومحاولته البحث عن الحقيقة والتمرد على النمط الديني السائد صوفياً كان أو سلفياً. وإن كانت تصب تركيزها بالأساس على السلفية فالرواية في جوهرها تقدم خطاباً حجاجياً يفند أفكارها التي تتبدل تبعاً للسياق والمصلحة.
يرصد السارد كيف أن شيوخ هذا التيار لا يتورعون عن تبادل الاتهامات القاسية فيما بينهم عند اختلاف الرأي، وكيف يمارس "السلفيون الجدد" عملية إخفاء متعمد لبعض آراء مشايخهم الكبار كابن تيمية والألباني وغيرهما، متى تعارضت مع قناعاتهم الراهنة، ويلجأون إلى تبريرات واهية بدعوى "حماية النشء من الالتباس"، أو بأن الشيخ قال هذا الرأي في بداياته ثم عدل عنه، أو أن النص مدسوس عليه.
يكتشف البطل أن ما كان يؤمن به ليس عقيدة صافية بل منظومة فكرية انتقائية تعاد صياغتها باستمرار وفق الأهواء، لا وفق الدين. ومن هنا تتفجر أسئلته الوجودية: إذا كانت السلفية التي نذر نفسه لها خاضعة للتأويل والتبديل وفق المصلحة، فأين الحقيقة؟ وهل الإيمان يقين أم صناعة بشرية متقلبة؟
نعرات قديمة
تستمر الرواية في تفنيد حجج السلفيين الذين يحصرون الدين في مظاهر التدين الخارجي، فيجعلون منه شكلاً لا روحاً، ويغفلون أن الأديان جاءت في جوهرها لنشر قيم التسامح والمحبة، لا للغرق في كتب التراث واستدعاء النعرات القديمة والخلافات المذهبية بين الفرق الإسلامية. ويتجلى لـ"عبدالله" عبر تأملاته، كيف أن تلك الخلافات لم تكن سوى نتاج لضياع القيم الأصلية السمحة للإسلام، وإعادة فهمه وفق المتغيرات السياسية والمصلحية الزائلة، حتى "أصبح ما قاله فقهاء تلك الحقب نصاً موازياً للمقدس" (ص262). تفكك الرواية بهذا الموقف النقدي الحاد، قداسة التراث الفقهي الجامد، وتعيد الاعتبار إلى جوهر الدين كقيمة إنسانية، لا كمنظومة مغلقة تستخدم لتبرير القمع وإقصاء المختلف.
تلك هي الحقيقة التي يصل إليها البطل أخيراً، لتشكل خلاصه من رحلة التيه والفقد، وتنتشله من ظلماًت الشك إلى ضوء الفهم. يجد هذا الخلاص في مدينة موريتانية مطلة على المحيط الأطلسي، كانت ملاذاً للهاربين من سلطة المجتمع. أجواؤها الباردة جعلت البدو يعزفون عنها، فأنشأ أهلها مجتمعاً متسامحاً حراً منغمساً في الحياة. لا هو مجتمع سلفي يقدس النصوص القطعية الجامدة، ولا صوفي يؤولها حد الذوبان، ولا شيعي يركن إلى إمام منتظر.
في هذا الفضاء المفتوح على البحر يتحرر البطل من ضيق المذاهب، ويكتشف أن الإسلام في جوهره ثابت يقوم على التسامح، بينما أولئك الذين أساؤوا فهمه ركزوا على المتغير، كآيات القتال والعزلة، وتركوا الثابت الذي يدعو إلى الرحمة والانفتاح. هكذا ينتهي البطل إلى تصالح مع ذاته ومع الإيمان بوصفه تجربة إنسانية لا شعائرية، وإلى يقين بأن الخلاص ليس في التمذهب، بل في استعادة القيم الأولى التي نادى بها الدين قبل أن تغيب في زحام التأويل والتكفير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي خضم وصوله لتعريف للدين وحله للمعضلة التي أرقته طويلاً، يعيد تعريف الوطن من جديد، ليكون بذلك أنهى هجرتيه الروحية والمكانية، فالوطن في نظره لم يعد قطراً جغرافياً، ولا خرافة ترفع لها الأعلام، ولا خريطة تحدها الحدود، ولا بالضرورة موطن الأجداد. الوطن، كما يراه الآن، هو المكان الذي يجد فيه الإنسان أنثاه وأصدقاءه ومصدر رزقه، وقد لا يتجاوز قرية صغيرة. فالوطن الحقيقي لا يطلب من أحد أن يشقى بسببه، إذ إن ذلك هو الجحيم بعينه.
غير أن هذا التعريف، على شاعريته وإنسانيته، يتنافى مع قيم الدولة الحديثة التي تربط الانتماء بالمواطنة والحدود والسيادة، ليظل الوطن عند البطل فكرة داخلية وشعوراً بالسكينة أكثر منه هوية سياسية أو عقداً اجتماعياً.
بعد تراثي
وفي الأخيرة بقيت الإشارة إلى أن هذه الرواية مملوءة بالعبارات والمفردات المستمدة من كتب التراث، وبنقاشات فكرية تتقاطع مع الأسئلة التي طرحتها تلك النصوص القديمة. ويبرز هذا البعد التراثي منذ عنوان الرواية "الردة"، الذي يحيل إلى معنى الرجوع عن الدين، وهو الاسم الذي أطلق على الحروب التي خاضها أبو بكر الصديق ضد القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي. ويوظف عبداللطيف هذا العنوان رمزياً للدلالة على ارتداد بطل الرواية عن الفكر السلفي، وهو ما اعتبره أهله كفراً وزندقة، فقام والده بطرده من البيت، وفسخت ابنة عمته خطبتها معه.
كما يتجلى ولع المؤلف بالتراث في تضمينه أبياتاً لشعراء من عصور مختلفة، مثل عمر بن الفارض وأبي العتاهية وأحمد شوقي، وامتداد هذا التضمين إلى شعراء الحداثة كـإبراهيم المازني وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وطالب الحيدري، سواء في مطالع الفصول أو داخل المتن السردي نفسه بالاستشهاد بأبيات للمتنبي وأبي نواس وغيرهما. هذا الاستخدام الكثيف للنصوص الشعرية يعكس خلفية السارد الثقافية والتراثية، ويشكل سمة بارزة من سمات هذا العمل الروائي.