Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنتصر "ألف ليلة وليلة" على دونالد ترمب؟

ألهمت كُتاباً في الاقتصاد والسياسة والذكاء الاصطناعي وتدهور حال المناخ وقضايا الهوية والرواية في آن واحد

وينترسن كاتبة غزيرة الإنتاج وفي "علاء الدين الواحد" تستكشف ثراء "عالم ألف ليلة وليلة" (اندبندنت عربية)

ملخص

ثلاث مقالات حول كتاب "علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان"، منشورة في ثلاث صحف مرموقة، وتختلف في تناولها حول أمر ينبغي أن يحسمه غلاف الكتاب نفسه: نوعه. فمقالة تصفه بالرواية، والثانية بالسيرة، والثالثة بالعمل غير التخيلي.

تظل لألف وليلة وليلة فتنتها، مهما مر من زمن، وتطورت من حولها الفنون فامتلكت من أسباب الإبهار ما يفترض ألا يملكه عمل فني أداته الوحيدة هي اللغة. تظل ملهمة في الموسيقى، وفي السينما، مثلما هي ملهمة في السرد، محرضة على الخيال. وها هي أخيراً تلهم كتاباً في الاقتصاد والسياسة والذكاء الاصطناعي وتدهور حال المناخ وقضايا الهوية والرواية في آن واحد، هو كتاب صدر حديثاً للكاتبة الإنجليزية جينيت وينترسن بعنوان "علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان".

بين يديَّ ثلاث مقالات حول هذا الكتاب الواحد، منشورة في ثلاث صحف مرموقة، وتختلف في تناولها حول أمر ينبغي أن يحسمه غلاف الكتاب نفسه: نوعه. فمقالة تصفه بالرواية، والثانية بالسيرة، والثالثة بالعمل غير التخيلي.

جينيت وينترسن كاتبة غزيرة الإنتاج، ذات تجارب في العديد من الأجناس، وهي في "علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان" تستكشف ـ بحسب كيركوس رفيو ـ ثراء "عالم ألف ليلة وليلة" وتحاجج بحماسة عن قوة الخيال. "في مزيج من السيرة والرواية والنقد الثقافي، تمتدح شهرزاد، مبدعة الحكايات الآسرة، التي تحاول بقوة الخيال أن تنير ظلمة قلب خاطفها، وقاتلها في النهاية، الملك شهريار. فالخيال كما تكتب وينترسن ’مفتاح نجتاز به الواقع بافتراضاته ومحدداته، ونرى به ما وراء الأركان‘، والقصص هي التي تعلمنا كيف نكون بشراً، ومن بشريتنا أن نتعلم أحياناً ’الظهور بأشكال أخرى، وأخرى‘، فالقصص ـ مثلما كشفت للكاتبة حياتها الشخصية ـ تمنحنا الإذن بالتحرر من القيود الكريهة. لقد شعرت وينترسن دائماً ـ وهي التي نشأت مثلية وطفلةً وحيدةً تبنتها أسرة متشددة التدين ـ أنها ’تخفي ذاتاً حقيقية، وفي الآن نفسه، تعثر على ذات حقيقية‘. وفي المكتبة عثرت على الحرية في الأدب الذي منحها الفرصة لتتخيل ’كيف يكون إحساس المرء إذ يكون شخصاً آخر‘ وكيف تكون سكنى عوالم أخرى. ’ومما أحبه في الأدب‘ بحسب ما تكتب ’أن بوسعنا فيه الهرب من مصيرنا، بل أننا نهرب منه حقاً. وهنا أحذر: ليس الأمر متعلقاً بشخصيات القصة’".

"تلاحظ وينترسن في حكايات شهرزاد ثيمات متكررة منها ’وقوع الأذى على الأبرياء‘ و’العجز عن التمييز بين ما له قيمة مما تنعدم قيمته‘. وعديم القيمة في نظر وينترسن هو العمل الذي يخدر العقل ويشجع النزعة الاستهلاكية المفرطة، وذلك ما تتنبأ وينترسن بأن الذكاء الاصطناعي الواعي سوف ينجينا منه، لأنه لا يبالي بالمادة. وتكتب أن ’حياة الخيال الخفية الطليقة غير المحدودة وغير المادية، وابتكاراتها، هي القاعدة التي يقوم عليها الواقع". وهكذا يكون "علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان" بحسب كيركوس رفيو "دفاعاً حماسياً عن الخيال وحكي القصص".

رواية أم سيرة؟

لا أحسب أن قارئ الأدب يمكن أن يستخلص من هذه سطور الكتاب القليلة المنثورة في  كيركوس ريفيو أن "علاء الدين الواحد" رواية، أو سيرة. وتشير سوزي فاي في استعراضها للكتاب بملحق التايمز الأدبي، المنشورة في 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، إلى أن جينيت وينترسن سبق أن أصدرت كتاب مقالات بعنوان "أشياء فنية" في عام 1995، وقد مضى بالفعل عقد من الزمن على بدايتها الأدبية عام 1985 برواية "البرتقال ليس الثمرة الوحيدة"، والتي سرعان ما أتبعتها بالعديد من الروايات، بجانب سيناريوهات وكتاب تأملات في الجسد الأنثوي والرغبة في الجنس الواحد".

وفي كتاب المقالات ذلك، وعنوانه الفرعي هو "مقالات في النشوة والوقاحة"، درست وينترسن النشوة والوقاحة في نفسها كما درستها عند كتَّاب من أمثال فرجينيا وولف وغرترود شتاين وجيمس جويس، وكتبت أن "عمل الفنان هو أن ينفذ إلى حياة الأشياء... أن يميز بين السطحي والواقعي، وأن يعرف الحقيقي والزائف". فكم كان ذلك طموحاً نبيلاً"، على حد قول سوزي فاي المحررة الأدبية السابقة في صحيفة "ذي اندبندنت".

"وبعد قرابة 30 عاماً، تستمر أعمال وينترسن في الاتساع والازدهار، فلا تقتصر على 13 رواية، بل إن هناك أيضاً قصصاً قصيرة وطويلة وسيرة وكتباً للأطفال. أما "علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان" فيصعب تصنيفه، لكونه إعادة حكي لبضع حكايات من (ألف ليلة وليلة) تتخللها ملاحظات وذكريات ونصائح. فمثلما تطيل شهرزاد حياتها بأحداث الحكايات المثيرة التي تتواصل حتى انبلاج الفجر، تطيل وينترسن سرديتها باسترسالات في الفن وبنية القصة والرأسمالية والفضاء الإلكتروني"، وفي ذلك كله تطالبنا بما توجزه في مفتتح الكتاب المأخوذ من كتاب سابق لها، "إنني أحكي لكم القصص، فثقوا بي".

 

"تتضافر بيسر نقاشات النسوية والبطريركية في قصة فتاة مهددة بالموت على يد شريكها إذا هي عجزت عن إمتاعه، لكن وينترسن تتوسع كثيراً". وتضرب لنا إيميلي لوفورد في نيوسيتسمان المنشور في 19 نوفمبر الجاري بمدينة النحاس مثلاً لتعامل وينترسن مع ألف ليلة وليلة، "كان ثلاثة مغامرين على سفر في الصحراء، وإذا بهم يصادفون مدينة النحاس البهية ذات الشوارع المليئة بالجثث، فهنا ’يد عظمية ناتئة، وهناك جمجمة تلتفت متقية الشمس. ومن ينعم النظر يرى الخنافس والعثة منهمكة في القضاء على كل ذلك‘". ثم تتساءل لوفورد عن هذه الصورة الآسرة، "هل يمكن أن تكون استعارة لشيء آخر؟".

"لا تترك جينيت وينترس مجالاً للشك في ذلك، فهي تكتب جادة أن ’هذه قصة عن انهيار المناخ. قصة عن الذكاء الاصطناعي. قصة عن العملات المشفرة. عن الغطرسة. عن المذلة. والجشع. والمغامرة. وشركات التكنولوجيا العملاقة‘. ويحدث هذا في كل مرة تنحو فيها أحداث الكتاب نحو التشويق، إذ تصر وينترسن على إيقاف القصة عند لحظاتها الساخنة، لتنتقل إلى الحديث في حال العالم الراهنة الرهيبة. فتكتب، وكأن ذلك غير واضح لنا، أننا ’أهل مدينة النحاس’".

وشأن سوزي فاي، تحار لوفورد في تصنيف الكتاب فتقول إنه "جزئياً سيرة، وجزئياً محاججة، وجزئياً إعادة حكي لألف ليلة وليلة التي نشأت وينترسن على قراءتها. فهي تكتب عن قصة علاء الدين والمصباح السحري قائلة، ’حينما قرأت القصة وأنا صغيرة، لم أصدق وجود الجني لكنني صدقت وجود أشياء سحرية، هي الكتب نفسها’".

صراع أميركي مماثل

وفي معرض تناول وينترسن لحكاية التاجر الذي وقع في ورطة عبثية إذ رمى نواة تمر فأصابت عفريتاً في مقتل، ثم لم ينج ـ أي التاجر نفسه ـ من الموت إلا لأن شيخاً ظهر عارضاً أن يشتري دمه ثلثاً ثلثاً بثلاث حكايات عجيبة تدهش العفريت. تعلق وينترسن بقولها إنه "كان بالإمكان، في تلك الأيام، امتلاك أجزاء من جسد شخص آخر، بما في ذلك سوائله. وفي الولايات المتحدة الآن صراع على من يملك رحم المرأة ومحتوياته". فيبدو للوفورد في هذه الانعطافة "شيء من المبالغة" لكن الحقيقة أن من القراء من لا يستطيعون أن يعزلوا عقولهم ويقطعوا ما بين عالمهم المعيش وعالمهم القرائي من حبال سرية.

"تكتب وينترسن أن ’بوسع أي شخص ذي قدرات سحرية في ألف ليلة وليلة أن يغير حجمه ـ فيصبح شديد الضآلة أو عظيم الجرم ـ فينحبس جني طوله أكثر من 300 قدم في ’برطمان مربى‘، وفي ’عالمنا ملايين النساء اللاتي درسن فنون التقلص المقيتة... فكم مرة رأيتم رجلاً يوشك كرشه الهائل أن ينفلت من أزرار قميصه يتناول المكرونة مع النبيذ الأحمر بينما تكتفي صديقته الفاتنة بتناول السلاطة؟".

 

"وتتداعى أفكار وينترسن بعقلانية في مواضيع متنوعة فتتنقل بين الجريمة والعملة المشفرة ولماذا يجب فرض الضرائب على الأغنياء وإنقاذ الكوكب. وتكتب، ’إنني لا انتقد الشباب. فقد ألحق جيلي ضرراً جسيماً بقيم المجتمع الدني وفضائل الحياة العادية‘ إذ ’كانت عقيدة النيوليبرالية المتعصبة ولا تزال سلاح دمار شامل’".

ترى لوفورد أن قطع وينترست للسرد طيلة الوقت من أجل الإنصات إلى وجهات النظر السياسية العادية يجعل القراءة محبطة للغاية، إلى حد أن يبدأ القارئ في التعاطف مع الملك القاتل شهريار المتلهف على المزيد من القصة، المتخوف من طلوع الفجر. وفي هذا تقريباً تقول سوزي فاي "ولعل إغلاق كتاب في استياء هو النسخة التي يملكها القارئ من جز الرقاب".

ويرى أنطوني كومينز في صحيفة "الغارديان"، المنشور في 11 نوفمبر الجاري، أن جينيت وينترسن تذهب في كتابها الجديد "وهو دوامة مذهلة من السيرة والتاريخ والفلسفة والسياسة والتنمية الذاتية المرتبطة بالحديث عن ألف ليلة وليلة"، أن مآثر شهرزاد الحقيقية تتمثل في رفضها الإبداعي لخطورة اللحظة الآنية ووقوفها أمام الدراما الزائفة المرتبطة بالرجل الطاغية، "وهذا الإلماح إلى الحياة في عصر دونالد ترمب مقصود. ففي رأي وينترسن أن السبيل الذي تغير به شهرزاد مأزقها يمنح أملاً للسياسة التقدمية التي تخسر حالياً أمام ’البلطجة اليمينية الراديكالية‘. وتكتب وينترسن أن ’القصة الجيدة لكي تبدأ لا بد أن تكون بطبيعتها قصة جيدة‘ وتؤكد أن "المنطق لن ينتصر في المعركة. فبغير الخيال لن يتغير أي شيء’".

"تستهل وينترسن كل فصل في كتاب "علاء الدين الواحد" بإعادة حكي بليغة لحكاية من حكايات شهرزاد مطعمة بعبارات من القرن الـ 21... قبل أن تفسح المجال لتأملات واسعة النطاق لأي شيء ولكل شيء، من تاريخ تحسين النسل، إلى فظاعة السترات الرسمية التي يفضلها بعض الرؤساء التنفيذيين وكثير من النساء المشتغلات بالسياسة. وفيما تتطاير الآراء في الأمور الكبيرة والصغيرة على السواء، تتبدل النبرة من نبرة البرنامج السياسي الحزبي، إلى التعليق على الأنباء، إلى نبرة صديق قديم يعيد العالم إلى نصابه. ومن ذلك قولها مثلاً إن ’الاقتصاد العالمي الذي يعمل لمصلحة الأكثرية ليس إلا حلماً طفولياً... فسيبقى من المال دائماً ما يكفي لإقامة مصنع أسلحة’".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"تبدو وينترسن مباشرة على نحو مثير، حتى حينما تكون آراؤها عادية كأن تقول إن الإنترنت يعزز الانقسام بسبب ’ملايين المتابعين... وتحلقهم حول أفكار متعفنة الجوهر، بمثل تحلق الذباب حول الجثث’ أو أن الهواتف الذكية تغرينا بتصوير حياتنا ولا تدع مجالاً لأن نرى أي شيء في واقع الأمر".

غير أنها تنتقل من هذه الآراء العادية إلى حكمة شعرية، "كأن تكتب ’إني واثقة من أننا مدمنون على الوقوع في الحب لأن ذلك يعطينا اللحظات النادرة التي ننظر فيها وننظر وننظر‘، مؤكدة أن الحبيب الجديد يشحذ انتباهنا، لكن العلاج الأمضى في رأيها هو الفن لأنه يتيح لنا أن ’نقترب من أنفسنا‘ خلافاً لطاحونة الدوبامين المسماة بتيكتوك و’يا له من طريقة بائسة للحياة’".

"أما الأكثر غرابة، فهو تبني وينترسن للتكنولوجيا الضخمة وما تنطوي عليه من قدرة كامنة على إعادة تعريف الذات، وقد سبق أن عالجت هذا الموضوع في مجموعة مقالات صدرت لها عام 2021 بعنوان "اثنا عشر بايت" وفي روايتها "فرانكشتاين" عن العلاقات الجنسية الروبوتية. فالعالم الافتراضي (أي الميتافيرس) يحقق لك ’ذاتاً لم تلتق بها في العالم الواقعي‘. والروبوتات النانوية التي تجري في دمائنا، شأن شرائح السيليكون في أدمغتنا، تتيح لنا ألا نستمر في ’الاعتماد على الجسد، أو على ما يعتمد عليه الجسد‘، ولا يعني هذا ألا نكون بشراً ’ما لم يكن رأيكم هو أن البشرية تبدأ وتنتهي في البيولوجي’".

أما عن الذكاء الاصطناعي فهي تراه ـ بحسب سوزي فاي ـ "جِنِّياً قادراً على إراحة البشر من عناء العمل الشاق (وتكتب ’ألن يكون ذلك مصباحاً سحرياً يجدر بنا اقتناؤه؟‘)". بل إنها تمضي إلى أبعد من ذلك فترى أن الذكاء الاصطناعي الواعي سيكون سبباً في أن "تنتهي لعبة العروش التي ننخرط فيها... إذ ما الذي قد يريده كيان غير بيولوجي مثل الذكاء الاصطناعي الواعي من الذهب والسيارات والطائرات الخاصة والأسلحة والاستيلاء على الأراضي؟’".

غير أن أنطوني كومينز ينبِّه إلى أن وينترسن تلوذ في نهاية المطاف لا بالذكاء الاصطناعي الواعي أو بالتكنولوجيا الضخمة، وإنما تلوذ في النهاية بالفن الذي كان في حالة شهرزاد الفارق بين الحياة والموت، والذي "لم يكن قط غير ضروري"، في رأي وينترسن. "فمن الذي يرجع إلى البيت، بعد يوم طويل في الصيد والتقاط الثمار، وهو لا يريد إلا محض البقاء على قيد الحياة، لكنه لا يكاد يستقر إلا ليرسم صوراً على الجدار؟ من غير البشر؟ ألم نحرص منذ بداية الأمر على صنع أقلام من الطباشير؟ فلا يقولن أحد لي إذن إن الفن رفاهية".

تكتب سوزي فاي أن نبرة وينترسن في كتابها هذا "قد تكون تعليمية" لكنها "تقدم قراءات آسرة وشديدة الخصوصية للقصص. قراءات وجيزة ذات بساطة فاتنة تبرز صلتها بالزمن المعاصر. كأن تربط العرض الذي يقدمه رجل مسن لشراء ثلث دم التاجر المهدد بالقتل بالمعركة الدائرة رحاها اليوم في الولايات المتحدة على ’من يملك رحم المرأة وما فيه‘" وترى فاي أن الإحالات كثيرة للغاية في الكتاب "وكأن الغاية إلهاؤنا، وكأننا نحن شهريار نافد الصبر قاتل النساء" لكن "الإلهاء" قد لا يكون الكلمة الدقيقة المعبرة عن غاية وينترسن الحقيقية التي تنشدها من الكتاب.

فلا يبدو أن وينترسن تعيد فقط كتابة بعض حكايات شهرزاد مضيفة إليها انعطافات معاصرة، إنما هي ببساطة تعجز عن قطع الخيوط التي تربطنا جميعاً بالواقع حتى حينما ننخرط في قراءة كتاب مثل ألف ليلة وليلة. فكأن جينيت وينترسن تقول بكتابها هذا إن القراءة ـ ولو لكتاب مغرق في الخيال ـ لا يمكن أن تكون مهرباً من حمل هم العالم.

العنوان: One Aladdin Two Lamps

تأليف: Jeanette Winterson

الناشر: Jonathan Cape

اقرأ المزيد

المزيد من كتب