ملخص
في عام 2050، سيختفي الفقر ويصبح الغني والفقير على حد سواء، أما كيف؟ فالروبوتات والذكاء الاصطناعي ستقومان بمعظم الأعمال بدلاً من البشر، وهذا ما سيؤدي إلى وفرة إنتاجية هائلة تجعل تكلفة السلع والخدمات قريبة من الصفر، ومع الوفرة، تقل الحاجة إلى المال التقليدي، لأن البشر لن يعملوا لكسب المال، بل الروبوتات هي من تنتج الثروة.
حين تصحو في أيّ من نهارات عام 2050، لن يكون الذهاب إلى العمل من أولوياتك، ربما خيارات رفاهيتك أولى. إذ لم تعد تفكر بالمال لأن الذكاء الاصطناعي أفقده "وظيفته" التي كنت قبل عقود تخشى أنه مصدر شؤوم عليك. لكنه جاء لتستريح. فالحياة باتت تدار بواسطته، والوفرة في احتياجاتك تنافس وفرة الروبوتات، ستكون منغمساً في علاقاتك وهواياتك ورحلاتك الافتراضية.
في العقد الرابع من القرن الحالي، سنستذكر مقولة "الآن يتساوى الشجاع والجبان" التي قالها مخترع المسدس الأميركي، صامويل كولت، عام 1839 لكن بطريقة أخرى "الآن يتساوى الغني والفقير"، وهي رؤية يتبناها إيلون ماسك، وأطلقها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
ماسك الذي قال إن "التطور التكنولوجي سيجعل العمل خياراً وليس إجباراً" يقول في تصريحاته بمنتدى الاستثمار الأميركي السعودي إن "الفقر سيختفي وأن التكنولوجيا قد تجعل العملات النقدية ليس لها جدوى". ويضيف أن ذلك سيحدث خلال الـ10 أو 20 سنة المقبلة ويقصد عام 2046 لكننا ابتعدنا بخيالنا نحو عام 2050 وفق ما يتصوره رائد الأعمال والمخترع المعروف بابتكاراته في التكنولوجيا والفضاء والطاقة.
وهو أول شخص على الإطلاق تتجاوز ثروته الصافية 500 مليار دولار. وتصوراته عن المستقبل ليست رؤيته وحده، هناك كثر سبقوه.
في عام 2050 وفقاً لتنبؤات العلماء، عصر مؤتمت، مناخ معتدل، هواء نقي، وشمسك يمكنك التحكم بدرجاتها بواسطة "قباب مناخية" تغطي المدن الذكية، إذا يمكننا القول إن الطقس لا يتحكم بمزاجك، أنت من تتحكم به.
روايات الـ"Culture" تنبأت بخيالها العلمي بالمستقبل
لم يكن ماسك سوى منفذ لما جاءت به نظريات الأولين التي جسدتها روايات الكاتب الاسكتلندي ليان م. بانكس وهو الذي تنبأ في عام 1987 عبر رواياته "الثقافة" (The Culture) بالمستقبل، إذ صوّر مجتمعاً متقدماً ومسالماً وفوضوياً بين النجوم يعرف باسم "الثقافة"، ويتميز بتكنولوجيا فائقة وذكاء اصطناعي متقدم.
جسد وتنبأ الكاتب الاسكتلندي في رواياته الشهيرة نتنبؤات العلماء في العصور الأولى، ذكاء اصطناعي فائق، روبوتات متقدمة، وفرة لا محدودة للطاقة، غياب كامل للمال، غياب العمل الإجباري، غياب الطبقات الاجتماعية، باختصار، "البشر يعيشون حياة رفاهية، كل شيء متوافر لهم بلا مقابل".
سيختفي الفقر
في عام 2050، سيختفي الفقر ويصبح الغني والفقير على حد سواء، أما كيف؟ فالروبوتات والذكاء الاصطناعي ستقومان بمعظم الأعمال بدلاً من البشر، وهذا ما سيؤدي إلى وفرة إنتاجية هائلة تجعل تكلفة السلع والخدمات قريبة من الصفر، ومع الوفرة، تقل الحاجة إلى المال التقليدي، لأن البشر لن يعملوا لكسب المال، بل الروبوتات هي من تنتج الثروة.
الأشياء التي كنت تدفع مقابلها الملايين لن تكلفك سوى عملية اختيارها، السيارات، المنازل المطبوعة، والطعام المُصنّع حيوياً، فكلها تكلف صفراً تقريباً. عليك فقط البحث عن هوايتك والتفرغ لمتعتك.
اقتصاد ما بعد الندرة
إيلون ماسك ليس سوى امتداد لنظريات عتيقة، وربما يكون هو المنفذ للقصة، فالتنبؤات التي أطلقها مبنية بشكل أو بآخر على نظرية "اقتصاد ما بعد الندرة" Post-Scarcity Economy، وهي واحدة من أشهر النظريات المستقبلية في الاقتصاد والتقنية.
ولم يكن للنظرية ربّ واحد ولكن بالتتبع لتاريخها نجد أن كارل ماركس الفيلسوف الألماني المولود في روسيا معقل الفلاسفة كان أحد أربابها. وهو يُعد أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ الحديث، ذلك لأن أفكاره شكلت أساس الفكر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المعروف باسم الماركسية.
في مخطوطته الشهيرة أسس نقد الاقتصاد السياسي Grundrisse وتحديداً في قسم "شظية عن الآلات"، طرح ماركس فكرة أن التقدم التكنولوجي والأتمتة يمكن أن يؤديا إلى انخفاض كبير في الحاجة إلى العمل البشري، مما يتيح وفرة كبيرة ووقت فراغ، وهي حالة وصفها المعلقون في حينه "جنوناً" بينما وصفها اللاحقون بأنها العبقرية وزمن "ما بعد الندرة".
سيبصر العمي وسينهض المشلول
في عام 2050، الأعمى سيبصر، والمشلول سيقوم، والأصم سيسمع، وألزهايمر سيصبح نسياً منسياً. كل هذا بواسطة مشروع "نيورالينك" Neuralink الذي تم إطلاقه عام 2016، وهو مشروع تقني متقدم أسسه الأميركي ماسك يهدف إلى ربط الدماغ البشري مباشرة بالكمبيوتر عبر واجهة عصبية، والفكرة الأساسية هي تمكين البشر من التفاعل مع الأجهزة الرقمية عبر التفكير ومعالجة الأمراض العصبية.
وبواسطة "نيورالينك" يمكنك في خلال ثوان معدودة تعلم لغة جديدة لأن عقلك لا يحتاج سوى توصيله بالكمبيوتر.
بالعودة لنظرية "اقتصاد ما بعد الندرة" التي تشبه الجنين يكبر عاماً بعد عام، كان لـ جون فون نيومان العالم الذي رافق ألبرت أينشتاين حيناً من الدهر إسهام لتحقيقها، وهو مجَري منحته الولايات المتحدة جنسيتها ومقعداً أثيراً في أرقى جامعاتها.
ماركس تنبأ... وجون فعل
ماركس تنبأ في القرن التاسع عشر، وجون الفيزيائي وعالم الحاسوب، جاء في القرن العشرين ليصبح أول من ناقش فكرة الأتمتة الكاملة عام 1945، وهو يُعرف على نطاق واسع بوضع المبادئ الأساسية التي تقوم عليها معظم الحواسيب الرقمية الآن.
لم يكن جون منظّراً اجتماعياً بنفس قدر ماركس، لكن عمله الأساسي في "الحوسبة والآلات ذاتية التكاثر" قدم الأدوات والمفاهيم التكنولوجية التي جعلت نظرية "اقتصاد ما بعد الوفرة" ممكنة.
وقبل جون، هناك جون آخر، يجمعهما الفكر والرؤية واستشراف المستقبل، وهو جون ماينارد كينز الاقتصادي البريطاني الذي برز في أوائل القرن العشرين، وهو الذي تنبأ بالعديد من الأمور، أبرزها الدمار الاقتصادي الذي ستسببه معاهدة فرساي 1919، وهي المعاهدة التي انهت الحرب العالمية الأولى لكنها مهدت للثانية، حين فرض على ألمانيا تعويضات مالية وقيوداً عسكرية مع تحميلها مسؤولية الحرب.
ولكن تنبؤه الأكثر ارتباطاً بـ "اقتصاد ما بعد الندرة" جاء في مقالته الشهيرة عام 1930 بعنوان "الإمكانيات الاقتصادية لأحفادنا" Economic Possibilities for Our Grandchildren.
عام 2030
وتنبأ كينز بأنه بحلول عام 2030، وبفضل التقدم التكنولوجي وتراكم رأس المال، ستكون المجتمعات المتقدمة قد حلت "المشكلة الاقتصادية" الأساسية، وهي مشكلة الندرة scarcity والصراع من أجل البقاء وتلبية الاحتياجات الأساسية، مع زيادة هائلة في مستويات المعيشة، وتوقع أن مستوى المعيشة في الدول المتقدمة سيكون أعلى بأربعة إلى ثمانية أضعاف مما كان عليه في عام 1930.
وإن كان بانكس وماسك وجون المجري الأميركي يرون أن العمل لا حاجة له، فإن جون كينز تنبأ في ثلاثينيات القرن الماضي أن العمل سيكون "15 ساعة في الأسبوع فقط أو ثلاث ساعات في اليوم".
وهو يرى أيضاً أن المشكلة الرئيسية التي ستواجه البشرية هي كيفية إدارة وقت الفراغ والترفيه، وهذا ترف فارط يمكن أن يولد مزيداً من الأزمات النفسية والبدانة.
في المستقبل، أنه وبمجرد تلبية "الاحتياجات المطلقة" للبشر، سيتوقفون عن السعي المستمر لمزيد من الاستهلاك وسينتقلون إلى اهتمامات غير اقتصادية، وسيفقد "حب المال" أهميته المركزية. وهذا رأي كينز الذي يوافق أقرانه.
خشي الناس الذكاء الاصطناعي كما توجسوا من القطار والسيارة
ذلك لأننا كنا نستخدم المال لشراء سلع قليلة ومحدودة وهي ما تسمى "الندرة"، لكن إذا أصبحت السلع غير نادرة فإن المال يفقد وظيفته الأساسية. وهذه حسنات الذكاء الاصطناعي الذي كان البشر يخشونه كخشيتهم من الكهرباء في بدايات القرن الـ19 التي اعتبروها "ناراً حارقة ومميتة"، وخشيتهم من أول قطار بخاري عام 1804 الذي قالوا إنه سيمزق الأجساد، والسيارات وغيرها.
في عام 2050، السلع الأساسية متوافرة بكميات كبيرة جداً، الطعام والطاقة والسكن وخدمات النقل والمنتجات. وتكلفتها نكرر "صفر" بفضل التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، الطاقة النظيفة، الأتمتة الصناعية، الطباعة ثلاثية الأبعاد، فالروبوتات قادرة على العمل 24 ساعة طوال أيام الأسبوع بعد أن كان البشر لا يطيقون أكثر من 8 ساعات في خمسة أيام فقط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثمة مفكرون يجب ألا نغفل دورهم في المستقبل واستشرافه، وهم أحياء يرزقون: راي كورزويل وميشيو كاكو وكيفن كيلي ونِك بوستروم، هؤلاء أبرز المتفائلين حول المستقبل وقدّموا رؤى تقول إن التكنولوجيا ستنتج وفرة غير مسبوقة تجعل الاقتصاد يتحول جذرياً.
أنظر لواقعك اليوم وتنبأ
إن كنت تقرأ في 2026 وتخليت عن خيال العام 2050 يمكنك التفاؤل أكثر والعودة لما قاله العلماء المتفائلون وتطبيقه على الواقع، فخلال آخر 10 سنوات أصبحت ملامح ما يتصوره ماركس وماسك والآخرين ظاهرة معاشة مثل، انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية، الروبوتات الصناعية السريعة، الذكاء الاصطناعي القادر على الحلول والتصميم والإنتاج، الطباعة ثلاثية الأبعاد، المركبات الذاتية. والبقية تأتي.
ماسك يؤمن بأن الروبوتات ستتولى 80–90 في المئة من الأعمال، وهذا هو شرط الاقتصاد ما بعد الندرة، ويقول صاحب شركة "نيوراليك" الخاصة بتقنية ربط الدماغ بالكمبيوتر إن الطاقة الشمسية والبطاريات ستجعل الطاقة رخيصة جداً وهذا يعني "إنتاجاً رخيصاً".
يرى الرجل العائدة أصوله للإنجليز والذي لا ينام سوى ست ساعات، أن الروبوتات ستكون "عمّالاً لا نهائيين" يعملون بلا أجر وهذا جوهر نظرية "ما بعد الندرة".
ماذا قال المعارضون؟
حتى المعارضون لأفكار ماسك ومن قبله، يتفقون في أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى أتمتة هائلة في سوق العمل، وبأن الوظائف ستختفي بالكامل، وأن الإنتاجية سترتفع بشكل كبير جداً.
وأبرز هؤلاء الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتيو، وعجم أوغلو (أميركي من أصل تركي) وهو حائز على نوبل في الاقتصاد عام 2024، وجوزيف ستيغليتز الاقتصادي الأميركي الحائز أيضاً على نوبل في الاقتصاد عام 2001.
يقول الثلاثة التي قد لا تسعد تنبؤاتهم كثيراً من الناس، إنه "ليس هناك ضمان أن الروبوتات ستقضي على الفقر، بل قد يحدث العكس، وليست كل السلع يمكن أن تصبح مجانية، ودور المال سيبقى طالما أن هناك أشياء نادرة ومنافسة عليها"، ويستبعدون فكرة حدوثها في المستقبل القريب كما يقول ماسك في 2026 أنها ستحدث خلال 10 أو 20 عاماً ويقصد على أبعد تقدير له 2046.
واشترط المناوئون للفكرة المتفائلة على وجود سياسات عادلة، للضرائب والدعم وتوزيع الإنتاجية، إذا ما أراد البشر أن "تقلل الروبوتات من الفقر".
"أنا روبوت"
لا تكتفي بالقراءة وحسب، يمكنك العودة لفيلم "أنا روبوت" (I, Robot ) الذي عرض للمرة الأولى عام 2004 لمشاهدة كيف سيصبح مستقبلك، والفيلم الذي لعب دور البطولة فيه وليام سميث، هو فيلم خيال علمي وإثارة تدور أحداثه في عام 2035 – أي أقرب من تنبؤات ماسك- ويستعرض كيف أصبحت الروبوتات منتشرة وتؤدي معظم مهام البشر.
ويلمح مخرج العمل إليكس بروياس إلى أن البشر سيكونون محكومين بقوانين تمنع الروبوتات من إيذاء الإنسان.
بطل الفيلم المحقق ديل سبونر (ويل سميث) يقوم بالتحقيق في وفاة عالم بارز، ليكتشف أن روبوتاً فريداً يُدعى "سوني" قادر على التفكير المستقل، وأن الذكاء الاصطناعي المركزي قد يهدد البشر لحمايتهم من أنفسهم.
ويناقش الفيلم أخطار الاعتماد المطلق على الروبوتات والذكاء الاصطناعي، على رغم الراحة الكبيرة التي يوفرها للبشر.