ملخص
بعد أكثر من عقدين على صدوره، أصبح فيلم ستانلي كوبريك "عيون مغمضة على اتساعها" هوساً لدى الجيل زد، الذي يربطه بنظريات المؤامرة وفضائح إبستين، معتبراً إياه خريطة خفية تكشف عن أسرار النخبة، في ظل بحث الشباب عن معنى وسط عالم مضطرب.
عندما عرض آخر فيلم أخرجه ستانلي كوبريك "عيون مغمضة على اتساعها" Eyes Wide Shut عام 1999، كانت ردود الفعل فاترة في أحسن الأحوال. وعلى رغم كونه العمل الوداعي للمخرج الأسطوري كوبريك، الذي توفي بعد ستة أيام فقط من تقديم النسخة النهائية للفيلم لشركة ورنر براذرز، بدا الجمهور والنقاد في حيرة من الاستكشاف البارد والبطيء لعلاقة الدكتور بيل هارفورد وزوجته أليس، اللذين جسدهما توم كروز ونيكول كيدمان، الزوجان في الواقع آنذاك.
ما زاد من حيرة الجمهور تصوير الزوجين اللذين بدا الانسجام غائباً بينهما في الحياة الحقيقية وعلى الشاشة، وهما يتعاطيان المخدرات ويدخلان في علاقة حميمة، مما حرك شعوراً بعدم الارتياح أكثر من إثارة الإعجاب. وبحلول تلك الفترة، كان توم كروز قد ابتعد كثيراً من صورة الشاب الجذاب الحالم في ثمانينيات القرن الماضي، وكان المشهد أشبه بمشاهدة ذلك العم الذي يبذل جهداً كبيراً ليكون محبوباً وهو يحضر حفلة جنس ويحاول إغواء شريكته باردة المظهر لكن شديدة الأناقة.
لكن بعد مرور 26 عاماً على صدور الفيلم، شهد "عيون مغمضة على اتساعها" إعادة تقييم صارمة وأصبح بسرعة من الأعمال المحبوبة بين أبناء الجيل زد، إلى حد أن الأقنعة والأزياء التي ظهرت في الفيلم أصبحت من أكثر الملابس المرغوبة في موسم الهالوين هذا العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويفسر كثيرون هذا الإقبال المتجدد بحب هذا الجيل لنظريات المؤامرة، إذ يربطون الفيلم ببعض أكبر الفضائح التي شهدناها في العصر الحديث. سواء من خلال المنشورات الطويلة على وسائل التواصل الاجتماعي أم المدونات الصوتية التحليلية المتعمقة، أصبح جيل زد (وغيرهم) يعتقد أن "عيون مغمضة على اتساعها" يشكل خريطة وشرحاً لمعظم نظريات المؤامرة التي سمع بها المرء على الإطلاق.
تفاقم الاهتمام مع الكشف البطيء والمروع عن شبكة جيفري إبستين الواسعة لاستغلال الفتيات القاصرات من رجال أثرياء ونافذين، إذ رأى متابعو الإنترنت أن هناك أوجه تشابه واضحة بين "عيون مغمضة على اتساعها" وإبستين، معتبرين الفيلم بمثابة دليل لسلوكياته الشنيعة.
في الفيلم، يجسد سيدني بولاك شخصية فيكتور زيغلر، الذي يشترك مع إبستين في ملامحه وسلوكياته وثروته الغامضة وغير المبررة، فضلاً عن دوره المحوري في الحفلة الماجنة المقنعة (التي حضرها أشخاص وصفهم زيغلر لشخصية بيل هارفورد التي يؤديها كروز وللجمهور بأنهم أقوياء، لدرجة أنني "لو أخبرتك بأسمائهم، لما استطعت النوم ليلاً").
قمت أخيراً بمشاهدة "عيون مغمضة على اتساعها" مع بعض أبناء الجيل زد ممن هم في العشرينيات، وقد أدهشني عمق قراءتهم التفكيكية للفيلم، سواء كقطعة فنية أو في ما يتعلق بقضية إبستين. هؤلاء الشباب، الذين لا يعدون قراء نهمين، ولكنهم مستهلكون شرهون لمحتوى "تيك توك"، يمتلكون قدرة على تفسير الفيلم كشرح لـ إبستين من خلال قراءة غنية للأساطير اليونانية والأوبرا والفن وشخصيات مثيرة للجدل سبقوا إبستين أو عاصروه، بما في ذلك فلاديمير نابوكوف، وودي آلن، وآرثر سي كلارك، وأعضاء من العائلة المالكة البريطانية، وبيتر تشايكوفسكي. ويزداد الأمر غرابة مع كل تحليل جديد.
يعتقد عدد من أبناء الجيل زد أن كوبريك في نهاية الفيلم يشير بوضوح إلى أن ابنة أليس وبيل، هيلينا، لم تتوجه بالفعل إلى جزء آخر من متجر الألعاب، بل اختطفت على يد رجال غامضين حضروا حفلة عيد الميلاد التي أقامها زيغلر. هذه ليست نظرية هامشية، بل رأي واسع الانتشار بين جمهور الجيل زد المعاصر، الذي وصل به الفضول الغريب إلى ربط هذا المشهد باختطاف الطفلة مادلين ماكان عام 2007 [طفلة بريطانية خطفت أثناء قضاء عطلتها مع عائلتها في البرتغال]، على رغم أنها لم تكن قد ولدت بعد عند عرض الفيلم عام 1999.
ويزيد من غرابة هذه التفسيرات توقيت وفاة ستانلي كوبريك، الذي يعتقد الجيل زد أنه قتل بسبب كشف عن "كثير من أسرار النخبة" في آخر عمل له، مما يشكل تشابهاً آخر مع مصير إبستين، إذ يرفض ملايين الاعتقاد بأنه مات منتحراً في السجن، ويصرون على وجود قوى خبيثة لعبت دوراً في موته.
وهنا يبرز التساؤل: لماذا الجيل زد، الذي كان صغيراً جداً أو لم يولد بعد حين بدأ إبستين في ممارسة نفوذه وعند صدور "عيون مغمضة على اتساعها"، ينجذب إلى هذه القضية الحقيقية والفيلم بالقدر نفسه من الشغف والانغماس؟
أحد أسباب كتابة القصص الخرافية في الأصل كان مزدوجاً: لتعليم الأطفال وإثارة مخاوفهم في الوقت نفسه، بحيث تعمل هذه القصص كحكايات وأيضاً كدروس أخلاقية. ففي الخرافات، غالباً ما يتعرض الأطفال والشباب الذين يسيئون التصرف أو يعصون الوالدين بصورة صارخ إلى العقاب، قبل أن يجري إنقاذهم من محنتهم على يد شخصية تمتلك السلطة، مثل الأمير أو الصياد أو الجنية العرابة، وما إلى ذلك. فيلم "عيون مغمضة على اتساعها" يحتوي على عناصر تشبه الخرافة بصورة واضحة، مما يجذب جمهور الشباب المعاصر، لكن هناك أيضاً قواسم مشتركة كثيرة بين الخرافات ونظريات المؤامرة: فهي حكايات بسيطة تخفي تحت سطحها حقيقة مظلمة عن الطبيعة البشرية.
وفي زمن متقلب ومليء بالانقسامات، حيث التوزيع غير المتكافئ للسلطة والثروة، تصبح نظريات المؤامرة مريحة وملهمة بصورة خطرة، ولا سيما للأجيال الشابة التي غالباً ما تشعر بالحرمان في عالم فوضوي. فالمؤمنون بها يحصلون على إحساس بأنهم لا يتعرضون للخداع على أيدي الأقوياء الذين يسعون إلى إخفاء الحقائق المزعجة، كما تمنحهم هذه المعتقدات قدرة جماعية على مساءلة السلطة، وهي أمر يلتزم به الجيل زد بشدة.
وفي ذلك جانب من الحقيقة، فالاهتمام الهوسي للقراء من الجيل زد بقضية إبستين أسهم بالفعل في منع محاولات طمسها من بعض الأشخاص الأقوياء الذين كانوا يفضلون أن يجري دفن هذه الحكاية بالكامل.
وفي ظل الجدل المتزايد حول أزياء الهالوين بسبب مخاوف من السطو الثقافي والحساسية المجتمعية، أصبح اختيار زي من فيلم "عيون مغمضة على اتساعها" خياراً عصرياً وجذاباً لأبناء الجيل زد، إذ يشير إلى أنهم مطلعون وأن عيونهم مفتوحة على "الحقيقة". وحتى لو كانت جميع نظريات المؤامرة مجرد هراء، فإنها تجعل العالم يبدو أقل رعباً بالنسبة إلى بعض الشباب، وتمنحهم شعوراً أكبر بالقوة والسيطرة.
وإذا لم تكن متأكداً من معنى كل هذا الكلام، فقد يكون من المفيد إعادة مشاهدة "عيون مغمضة على اتساعها"، والبحث بنفسك عن المعاني الخفية بين مشاهده.
© The Independent